Masukارتطمت سارة بالأرض وهي تطلق أنينًا متقطعًا، فاستدار آدم نحوها بسرعة، شدّ فكه ليكبح انفجاره ثم قال بصوت خافت يخفي اضطرابه:
"لم أقصد ..." ومد يده ليساعدها على الوقوف. اشتعلت النار في صدر سارة، فقد رأت الغضب في عينيه من أجل رهف، وكأن وجودها إلى جواره لا يعني شيئًا، لكنها ابتلعت حنقها ورسمت على شفتيها ملامح الضعف، بينما أقسمت في سرها أن تجعل رهف تدفع الثمن. تعمّدت أن تميل عليه وهي تتأوه بألم زائف: "آه... قدمي... أظن أن كاحلي قد التوى." نظر اليها آدم بنظرة مشفقة، ثم انحنى وحملها بين ذراعيه، إلا أن ملامحه بقيت متجهمة وصدره يغلي بما حدث قبل لحظات. خرج من البار بخطوات سريعة، واتجه إلى سيارته الفاخرة، ثم انطلق بها نحو الفندق وسارة بين ذراعيه تبتسم بخبث لم يره. وفي التوقيت ذاته، كانت رهف تجلس بصمت إلى جوار آيلا داخل السيارة، تحدق من النافذة وكأن المدينة كلها اختفت من أمامها. منذ مغادرتهما الفندق لم تنطق بحرف، فالتفتت إليها آيلا وقالت محاولة انتزاعها من شرودها: "هل ستبقين هكذا؟ كأنك ابتلعت لسانك." ثم أطلقت ضحكة خفيفة لتكسر هذا الجمود الثقيل. ابتسمت رهف رغمًا عنها، لكن ملامحها سرعان ما انقبضت، واستدارت نحوها قائلة بمرارة: "لقد تجاوز كل حدوده اليوم..." ثم روت لها ما جرى بينها وبين آدم، قبل أن تضيف وعيناها تشتعلان غضبًا: "لا أعلم من يظن نفسه... يتصرف وكأنني لعبة يحركها متى شاء. اشعر بالقرف من نفسي... كيف تعلقت به طوال سنوات زواجي أجابتها آيلا بنظرة ممتلئة بالازدراء من آدم وقالت بسخرية لاذعة: " بالفعل، من يظن نفسه هذا المغرور؟ " ثم التفتت إلى صديقتها وأضافت وهي تضحك بقوة: " يبدو أن رؤيتك مع هذا التغيير الجديد اليوم أشعلت النار في رأسه وجعلته يفقد صوابه تمامًا" ارتفع صوت ضحكتها في المكان، وما هي إلا لحظة حتى انفجرت رهف تضحك معها، لكن خلف تلك الابتسامة العابثة كان ذهنها بعيدًا تمامًا، عالقًا عند فارس... ذلك الرجل الذي وقف في وجه آدم بكل جرأة لأجلها. وصل فارس إلى الڤيلا بسيارته السوداء الفاخرة، وما إن توقفت عند المدخل حتى فتح الباب بخطوة واثقة ونزل منها بهيبته المعتادة، ثم أدار رأسه نحو مساعده وقال بصوت حاسم لا يقبل النقاش: "سليم، أريد حارسًا شخصيًا يراقب السيدة رهف من بعيد، لا أريده أن يزعجها أو يشعرها بأنه موجود، يتدخل فقط إذا استدعى الأمر ذلك." هزّ سليم رأسه فورًا وقال باحترام: " كما تأمر سيدي" تابع فارس طريقه نحو الداخل، لكن قبل أن يخطو خطوته التالية اهتز هاتفه بنغمة قصيرة. أخرجه ببرود معتاد، غير أن عينيه توقفتا فورًا على الرسالة القادمة من رقم مجهول. كانت الكلمات بسيطة، لكنها أربكته أكثر مما توقع: "شكرًا لك على ما فعلته من أجلي سيد فارس... رهف." ثبت نظره على اسمها المكتوب أسفل الرسالة، وكأن الحروف امتلكت قدرة غريبة على شد أنفاسه، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة ، ابتسامة سريعة لكنها حقيقية، قبل أن يخفيها ويدخل إلى الداخل. بعد ساعه، كان مستلقيًا على سريره في جناحه الواسع، وقد انتهى من استحمامه وارتدى ملابس نومه، إلا أن الراحة لم تزره كما اعتاد. أغلق عينيه محاولًا النوم، لكن صورة رهف اقتحمت أفكاره بلا استئذان. كانت مختلفة اليوم، أكثر سحرًا، أكثر حضورًا. تقلب على فراشه بضيق، وكلما حاول الهروب من التفكير بها وجد نفسه يغرق أكثر. نهض أخيرًا ، واتجه نحو باب الشرفة، فتحه وخرج إلى الهواء الليلي العليل. جلس على الكرسي المقابل للطاولة، بينما ضوء القمر ينساب فوق ملامحه الحادة وشعره الأسود الناعم، يزيده وسامة وغموضًا. أخذ نفسًا عميقًا، لكنه لم يستطع طرد وجهها من ذهنه. استدار فجأة، عاد إلى الداخل والتقط هاتفه، ثم رجع إلى الشرفة بخطوات سريعة. رفع الهاتف أمامه وكتب رسالة قصيرة بعد تردد طويل: " العفو..." ظل يحدق بالشاشة بعد أن أرسلها، ينتظر ظهور أي إشارة منها، أي رد، أي كلمة تخبره أنها ما زالت مستيقظه مرت الدقائق ببطء قاتل، لكن الشاشة بقيت صامتة...بعد مرور أربعة أيام كاملة كانت سيارة آدم الفارهة من طراز فيراري السوداء تشق طريقها بهدوء عبر الطريق المؤدي إلى الفيلا الخاصة به بينما كانت رهف تجلس إلى جواره تراقب المناظر من خلف النافذة دون أن تدرك المفاجأة التي كانت بانتظارها. وما إن توقفت السيارة أمام البوابة الرئيسية حتى فتحت رهف الباب ونزلت بخطوات هادئة لكنها ما كادت ترفع رأسها حتى تجمدت في مكانها وكأن الزمن توقف من حولها. اتسعت عيناها شيئاً فشيئاً وتسارعت أنفاسها....وبقيت واقفة تحدق أمامها غير مصدقة ما تراه. فقد اختفت الفيلا التي كانت تعرفها تماماً.....لقد بدت وكأنها قصر فرنسي خرجت لتوها من إحدى اللوحات الكلاسيكية. كانت الواجهة الخارجية تتلألأ بلون أبيض كريمي ناعم يعكس أشعة الشمس برقة آسرة بينما استبدل القرميد القديم بسقف أزرق من درجات الباستيل الهادئة منح المكان سحراً أوروبياً أنيقاً أما الأبواب والنوافذ فقد زينت بتفاصيل ذهبية راقية أضفت على الفيلا مظهراً ملكياً دون مبالغة. ولم يتوقف الأمر عند ذلك....فالحدائق المحيطة بالمكان أعيد تصميمها بالكامل. كانت الأشجار مقصوصة بعناية هندسية مذهلة....والورود موزعة بتناغم فني سا
ظل كفاح واقفاً في مكانه للحظات طويلة بعد كلمات آدم الأخيرة بينما كانت عيناه تستقران على رهف التي وقفت بين ذراعيه، بدا الصراع واضحاً في ملامحه فهو لم يكن غاضباً منها ولم يكن قادراً على الحديث اكثر ، كان يخشى عليها أكثر مما تخشى هي نفسها. تنهد ببطء ثم قال وهو ينظر إليها مباشرة: " إذاً هذا هو قرارك يا رهف؟'" ترددت الكلمات في الهواء بينهما بينما شعرت رهف بأن قلبها ينقبض ولم تستطع الإجابة. اكتفت بالنظر إليه بعينين حائرتين غارقتين في المشاعر المتناقضة فهي تعلم أن كفاح لا يتحدث بدافع العداء بل بدافع الخوف من أن يعاد كسر قلبها مرة أخرى. ابتسم كفاح ابتسامة صغيرة باهتة لم تصل إلى عينيه ثم قال: " أتمنى ألا تندمي. " ولم ينتظر جواباً.... استدار بهدوء وغادر مبتعداً نحو الجهة الأخرى من الشارع. أما رهف فظلت تراقب ظهره بصمت بينما اجتاحها شعور غريب بالذنب. كان كفاح قد ارسل رساله لمساعده " مشير" قبل قليل طالباً منه إحضار سيارته التي تركها أمام المجمع السكني الذي تقطن فيه رهف ولذلك وقف بالقرب من الرصيف منتظراً وصوله بينما انشغلت أفكاره بما حدث خلال الساعات الماضية. " فضيحة والده مع عشيقت
كانت تحدق في الطريق الفارغ بعينين زائغتين غير مستوعبة ما حدث، منذ ساعات فقط كانت تخرج من مركز الشرطة مع آدم، والآن يعود إليها مجدداً ومعه أخوها اختفت السيارتان عن الأنظار لكنها ظلت واقفة بلا حراك حتى هبت نسمة باردة جعلتها تنتفض وفجأة اتسعت عيناها: "آدم" همست بها وكأنها استفاقت من صدمتها ثم التفتت بسرعة إلى الشارع وفي تلك اللحظة توقفت سيارة أجرة أمام البناية، أسرعت رهف نحوها دون تفكير وفتحت الباب بسرعة، قال السائق باستغراب: "إلى أين يا سيدتي" ردت وهي تلهث من شدة القلق: "اتبع سيارات الشرطة التي غادرت حالاً" نظر الرجل إليها بدهشة لكنه أومأ برأسه وانطلقت السيارة مسرعة بينما كانت رهف تضم يديها المرتجفتين إلى صدرها وعيناها مليئتان بالخوف . كان آدم وكفاح يجلسان داخل غرفة التحقيق في مركز الشرطة وسط أجواء مشحونة بالتوتر وقد بدا على كل منهما الإرهاق بعد شجارهما العنيف بينما كان المحقق يراجع بعض الأوراق أمامه. في تلك الأثناء كانت رهف قد وصلت إلى المركز بعد أن علمت بما حدث وبينما كانت تتنقل بين الممرات تسأل عن مكانهما كان قلبها يخفق بعنف حتى قادها أحد العناصر إلى غرفة التحقيق.
ضيّق آدم عينيه ببرود عندما وقعت عيناه على الرجل الذي نزل من السيارة السوداء الفاخرة أما كفاح فما إن تعرّف على وجه آدم حتى اشتعل الغضب في عروقه بصورة مخيفة واندفعت الدماء إلى وجهه بينما تقدم بخطوات واسعة وسريعة حتى وقف أمامه مباشرة وقال بصوت غاضب كاد يهز المكان: "ما الذي تفعله هنا" نظر إليه آدم بهدوء ولم يجبه فهو لم يكن يرغب بإثارة المشاكل أمام منزل رهف فأشاح بوجهه واتجه نحو سيارته لكن ذلك زاد غضب كفاح أكثر فأمسكه من ياقة قميصه بعنف وقال: "أنا أتحدث معك" تصلب جسد آدم على الفور ثم أمسك يد كفاح وأبعدها عنه بقوة قائلاً ببرود: "كفاح..... انا لم أعرف بوجودك حتى بعد وفاة والدتك...ولم تظهر في حياة رهف أبداً...بل لم أكن أعلم أن لها أخاً من الأساس" ثم نظر إليه مباشرة: "فلا تأتِ اليوم لتسألني هذا السؤال" انفجر كفاح في وجهه: "إذا لم أظهر أمامك فهذا لا يعني أنني لم أهتم بها يوماً" ثم اقترب أكثر حتى كادت أنفاسهما تتصادمان: "اسأل نفسك أنت....كم مرة عرفت تفاصيلها....كم مرة كنت بجانبها بينما كنت مشغولاً بخيانتها" انعقد حاجبا آدم بقوة وتوترت عضلات فكه لكن صوته بقي منخفضاً:
أُغلق باب زنزانة النساء الحديدي خلف رجاء بصوت حاد ارتد صداه في الممر الطويل بينما كانت هي تقف في مكانها للحظات عاجزة عن استيعاب ما وصلت إليه حياتها قبل ساعات قليلة فقط كانت تعيش في فيلتها الفاخرة وترتدي مجوهراتها الثمينة وتصدر أوامرها للخدم بثقة وغرور أما الآن فلم يتبق لها سوى جدران باردة وسرير معدني ضيق وقلب محطم كان الانكسار واضحاً على وجهها وعيناها الحمراوان متورمتين من شدة البكاء جلست فوق أحد الأسرة ببطء وأخذت تحدق في الفراغ دون أن تلاحظ المرأة التي كانت تراقبها منذ دخولها بعينين متفاجئتين اقتربت المرأة بخطوات هادئة ثم جلست بجانبها قائلة بدهشة: "لماذا أنت هنا" التفتت رجاء ببطء، وما إن وقعت عيناها على وجه المرأة حتى اتسعت عيناها بصدمة: "سارة" ارتسمت على شفتي سارة ابتسامة جانبية غريبة وقالت بنبرة ساخرة: "نعم سارة" ثم تنهدت ببطء: "آه يبدو أنك لا تعلمين شيئاً" صمتت لحظة قبل أن تضيف: "لكن أخبريني أولاً ما الذي جاء بك إلى هنا" أشاحت رجاء بوجهها بخزي للحظات لكنها سرعان ما بدأت تسرد كل ما حدث من اكتشافها خيانة وليد وصولاً إلى طلاقها وسجنها كانت سارة تستمع
عاد فارس إلى فيلته التي امتدت على مساحة واسعة وسط الحدائق الخضراء والنوافير الرخامية أوقف سيارته أمام المدخل الرئيسي ثم نزل منها وهو ما يزال شارد الذهن في صورة رغد التي كانت تبكي بانكسار وما إن دخل إلى البهو الواسع للفيلا حتى فوجئ بمساعده الشخصي سليم يندفع نحوه بوجه مصدوم قال سليم بسرعة و الذي كان يراقب اخر مستجدات شركة وليد عن كثب: "سيدي فارس" رفع فارس عينيه إليه باستغراب: "ما الأمر" ابتلع سليم ريقه ثم قال: "هل سمعت بما حدث للسيد وليد الهاشمي" توقفت خطوات فارس فجأة: "وليد" أومأ سليم برأسه: "إنه في السجن" اتسعت عينا فارس بصدمة: "ماذا ؟ في السجن ؟" أسرع سليم يلتقط جهاز التحكم وفتح شاشة التلفاز العملاقة الموجودة في البهو وكانت القنوات الإخبارية تتحدث بحماس عن الفضيحة التي هزت مجتمع رجال الأعمال ظهرت صورة وليد الهاشمي ورجاء وهما يخرجان من الشركة محاطين بالشرطة بينما كان المذيع يقول: "في تطور صادم تم احتجاز رجل الأعمال المعروف وليد الهاشمي وعشيقته السرية رجاء بعد مشاجرة عنيفة داخل مقر الشركة" ثم ظهرت صور أخرى لموظفين يتحدثون أمام الكاميرات "وت
في صباح اليوم التالي دوّى رنين جرس الشقة بإلحاح متواصل مزّق سكون المكان فتمتمت رهف بضيق وهي تتقلّب فوق سريرها محاولة تجاهل الصوت الذي أخذ يتردد بعناد: " من هذا المزعج ؟" الا تتوقف قليلاً ؟!" ولكن الطارق لم يتوقف حتى نفد صبرها فنهضت أخيراً بعصبية واضحة واندفعت نحو الباب وهي تمرر أصابعها بين خصلات
انتهت الاجتماعات أخيرًا مع اقتراب الظهيرة.خرج آخر المديرين من قاعة الاجتماعات بينما بقيت رهف تجمع أوراقها بهدوء.كانت الساعات القليلة الماضية مرهقة، لكنها للمرة الأولى منذ فترة طويلة شعرت أن عقلها انشغل بشيء آخر غير آدم وسارة ..عادت إلى مكتبها الزجاجي المطل على المدينة.أغلقت الباب خلفها ثم خلعت
دخلت رهف إلى شقتها بخطوات بطيئة، ثم أغلقت الباب خلفها بهدوء،استندت للحظة إلى الباب، وأغمضت عينيها....تلك النظرات التي لاحقتها من الجميع، وكأن قلبها أصبح قضية عامة يُحاكم أمام الناس. دفعت نفسها أخيرًا نحو الأريكة، ثم جلست عليها ببطء قبل أن تترك جسدها يتمدد بعد تعب ، شعرت وكأنه غير قادر على حملها.
وصل آدم إلى السجن ...و ترجّل من سيارته بخطوات سريعة، بينما كان الغضب والتوتر يشتعلان داخله بصورة لم يعد قادرًا على السيطرة عليها.منذ حديثه مع رهف أمام المجمع السكني… وهو يشعر أن الوقت ينفد منه.كانت عيناها وهي تقول:"لقد اخترت قراري."تطارده كالكابوس.....قادوه إلى غرفة الزيارة، وهناك كانت سارة تن







