Share

بين أحضان الوحش
بين أحضان الوحش
Author: ريفينوس

فصل الاول

last update publish date: 2026-05-26 18:12:05

صوت صفعةٍ قوية دوّى في أرجاء الصالة،جعلت وجهها يرتدّ إلى الجهة الأخرى بعنف.

​“أهكذا تردّين الجميل الذي قدمناه لك منذ عشرين سنة؟”

​رفعت عينيها ببطء، وابتسامةٌ مُرّة ارتسم على شفتيها. كانت تُحاول بكل قوتها كبح دموعها:

​“أيّ جميل تتحدث عنه؟ حتى الكلب الذي تربّيه في حديقتك يُعامل باحترامٍ أفضل مني.”

​أوشك الرجل أن يرفع يده ليصفعها مرةً أخرى، لولا أن زوجته تقدمت وأمسكت بيده بقوة، محدقة في جوليا بنظرة إحتقار.

​“جوليا… قضيتِ عشرين عاماً تنعمين في قصر وايد. فالأفضل لكِ أن تسدّي الدين الذي عليكِ…، اقبلي بهذا الزواج كاعترافٍ بالجميل، وانهي الموضوع ”

​عضّت جوليا شفتيها بقوة حتى كادت تنزف، لتقول بغيظ مكتوم:

“عن أي دين تتحدثين؟”

ثم التفتت إلى والدها وتلاقت عيناهما لتشيح نضرها عنه، وتصرخ بغضب تفجر بعد سنوات من الصمت:

“إن كان هناك من يجب أن يدفع الثمن… فهو أنتَ! أنتَ من سرق مكان أمي، وقتلتها، ودمّرتي عائلتنا!”

​صفعةٌ ثانية، كانت أقسى وأعنف من الأولى، جعلتها تهوي على الأرض. رفعت نظرها إلى والدها بمزيجٍ خانق من الغضب، والخذلان. منذ أن وُضعت أمها في التراب، تغير كل شيء؛ استولى على ثروتها، وأدخل عشيقته إلى بيتهم كملكة… ثم تخلّى عنها كأنها لم تكن يوماً ابنته.

​“لماذا أنا؟” صرخت بنبرة ممتزجة بالألم، “لماذا لا تزوج كيسي؟ أنا لدي خطيب!”

​وقبل أن ينطق والدها، تدخلت جورجينا، بنبرة حادة وجامدة:

“كيسي عمرها ثمانية عشر عاماً فقط. كيف تريدينها أن تتكفل برجلٍ مُعاق؟”

​لم تتراجع جوليا، ابتلعت غصّتها، وخرجت الكلمات من جوفها مثل سكين:

“وما الفرق؟ أنا أيضاً صغيرة… أنا أيضاً ابنة هذه العائلة! لمرة واحدة فقط… أوقفوا هذا الظلم!”

نظرت إلى جورجينا بعينين يملؤهما اليأس لتقول :

“اعتبريني ابنتكِ.. وارحميني”

​حينئذٍ، رفعت جورجينا نظرها إلى زوجها. رأت في عينيه ذلك التردد الطفيف الذي تعرفه جيداً، وعلمت أنه لا يمكنها السماح له بالتراجع الآن. لا يمكن أن تسمح لابنتها العزيزة والغالية، كيسي، أن تكون قرباناً لإنقاذ العائلة، كيسي تستحق أفضل بكثير من زوجٍ مُقعد على كرسي متحرك.

​اندفعت جورجينا بسرعة، وكأنها تضع حداً لنقاشٍ:

“حبيبتي، أنتِ تعرفين أننا لا نستطيع إرسال كيسي إلى هناك. دَاستن كلاين… أُصيب بحروق من الدرجة الأولى في ذلك الحادث المأساوي قبل عامين. إنه مشوه ومُعاق تماماً!”

​أغلقت جوليا عينيها، ودموعها تسيل دون إذن. لو كانت أمها على قيد الحياة، لحمتها كما تحمي جورجينا ابنتها كيسي الآن.

​ومع ذلك، وقبل أن يصدر من الوالد أي رد، عادت جورجينا إلى صلب المسألة، تُذكّر زوجها بالواقع بلهجة تجعل الشفقة ترفاً لا يملكونه:

“نحن نحتاج اتمام هذا الزواج فوراً. عائلة كلاين هي الوحيدة القادرة على إنقاذنا من الإفلاس المحتوم.”

​نظر والد جوليا إليها بنظرة جامدة خالية من أي عاطفة :

“سيتعين عليكِ أن تتزوجي دَاستن كلاين. إنه الطريق الوحيد لإنقاذ عائلة وايد.”

​كانت تعرف أنها لن تربح هذه المعركة أبداً. القرار كان قد سُحب من صندوق خياراتها منذ زمن بعيد. لذلك وقفت ببطء، قدميها بالكاد تحملان جسدها المنهك، ونظرت إليه بحزنٍ عميق .

​“حسنًا…” همست بمرارة. لم تكن تُفاوض قلبها، “سأتزوج. سأردّ الدين الذي حملتِني إياه عشرين عاماً… لكن مقابل ذلك، أريد عشرة آلاف دولار.”

​ارتفع حاجبا جورجينا غضباً:

“لا أفهم كيف تتجرئين على طلب هذا المبلغ الضخم لصرفه على خادمة… عجوز!”

​تجاهلتها جوليا تماماً،وهي تنظر إلى والدها المتجهم، ثم ركعت عند قدميه في مشهد انكسارٍ أخير:

“رجاءً… إنها آخر ما أملكه في هذا العالم. سأتزوج بمن تريده دون اعتراض، لكنني أريد هذا المال لدفع تكاليف عملية هانا.”

​هانا بالنسبة لجوليا لم تكن مجرد عاملة؛ كانت أماً، ورفيقة، وأختاً. هي كبيرة الخدم في بيت وايد، وكانت هناك حتى قبل أن تُولد جوليا. عندما وظفتها السيدة مارثا (والدة جوليا الراحلة)، أخلصت للمكان، وبقيت فيه حتى بعد أن قطع السيد وايد الراتب عنها نكايةً بها،حين أدخل عشيقته جورجينا إلى القصر. لم تغادر ، ولم تترك جوليا وحدها، بل كانت السند الوحيد لها، ولأنها كانت بمثابة أمٍ بديلة، كانت جوليا مستعدة للتضحية بحريتها وحياتها لإنقاذها.

​نظر والدها إليها بعينين قاسيتين، ثم التفت متوجهاً للانصراف وهو يقول بجفاء:

“حسنًا. هذا اتفاقنا. ستتزوجين السيد كلاين أولاً… وسأعطيكِ المال لإنقاذ تلك الخادمة العجوز .”

​دون أن يلتفت خلفه، غادر الصالون، وتبِعته جورجينا وهي تبتسم بانتصارٍ خبيث.

​أطبقت جوليا يدها على فمها لتكتم نحيبها المخنوق، ثم خرجت راكضة من القصر، استوقفت أول سيارة تاكسي وارتمت في مقعدها الخلفي وهي تمد يدها بورقة:

“من فضلك خدني… إلى هذا العنوان.”

​لم تستطع إكمال جملتها، بل انهارت في بكاءٍ مرير. كانت بحاجة إلى رؤيته الآن..

جاك. خطيبها والملجأ الوحيد. لم تكن تعرف كيف سيستقبل خبر زواجها الإجباري، لكن قلبها المكلوم لم يكن يبحث سوى عن حضنه الدافيء ليلقي بنفسه فيه.

كانت الأفكار تتصارع في رأسها. فبالإضافة إلى مصيبتها مع عائلتها، كان بالها ينفطر على هانا؛ فحالتها تزداد سوءاً بعد اكتشاف إصابتها باللوكيميا، العملية يجب أن تُجرى فوراً وإلا خسرتها إلى الأبد. وجاك يعلم كل هذا..

​عندما وصلت السيارة إلى شقته، ترجلت ووقفت أمام الباب بتردد. مسحت دموعها وحاولت السيطرة على أنفاسها، لتخبره بالأمر بطريقة مناسبة.

فتحت الباب بالمفتاح الذي تملكه ودخلت بهدوء، لكنها تجمدت في مكانها عند المدخل، حذاءٌ نسائي أحمر ذو كعبٍ عالٍ كان يستلقي بإهمال عند الباب، ورائحة عطر انثوي طاغى على الأجواء.

​تجمّدت الدماء في عروقها، كانت دموعها قد تحجرت بعنف وهي تهمس مكسورة:

“لا… لا… أرجوك، ليس الأمر كما أظن.”

​تسللت بخطواتها الواهنة نحو الممر. ومن خلف باب غرفة النوم شبه المفتوح، انبعث صوت لهاثٍ ثقيل، كانت الأنفاس المتسارعة تمتزج بعبارات غزلٍ ، تفيض بخطيئة استقرت في أعماق الغرفة.

​“آه… جاك حبيبي… لماذا لا تنهي علاقتك مع جوليا وتتخلص منها؟”

​كان هذا صوت كيسي.. أختها غير الشقيقة.

​“قلتُ لكِ لا تذكري اسمها اللعين عندما نكون معاً!”

جاء صوت جاك مشحوناً بنشوة عمياء، وهو يضغط على خصر كيسي مكملاً حركاته الغارقة في المتعة.

​أمالت كيسي رأسها للخلف وهي تلهث بصعوبة، وابتسامة شماتة تلوح على وجهها المسترخي:

“مستحيل… أنت تعرف أن جوليا مجرد قذارة في بيتنا. حتى الحيوانات لها قيمة أعلى منها.”

​لم يجادلها، ولم يحتج على إهانتها لخطيبته؛ بل أمسك خصرها ودفعها بقوة أكبر، لتعلو ضحكاتها.

​أما جوليا… فقد كانت تقف عند الباب، متسمرة أمام مشهد مدمر، كيف يمكن لحياتها أن تسقط إلى القاع بهذه السرعة؟ كيف يمكن للخيانة أن تكون أسرع وأصدق من الأمل؟

​قطع حبل أفكارها صوت كيسي الذي ارتفع مجدداً وهي تلاعب خصلات شعره بإثارة:

“جاك… أنا حامل بطفلنا.الليلة يجب أن تخبرني بقرارك النهائي. إما هي… أو أنا.”

​حامل؟! متى كان ينوي إخبارها؟ كم من الوقت أمضيا معاً خلف ظهرها؟

​في تلك اللحظة، انفجر شيء ما داخل جوليا. لم يعد هناك مكان للبكاء أو العتاب، ركلت الباب بكل ما أوتيت من قوة فارتدّ مصطدماً بالجدار بعنف. دخلت وعيناها ميتتان تماماً، خاليتان من أي أثر للحياة.

​نظرت إلى جسديهما المرتجفين ذعراً، وقالت بنبرة هادئة ومقيتة:

“تفضّلي.. خذيه، إنه لكِ. هو مجرد قمامة، والقمامة تليق بأمثالكِ.”

​ثم التفتت قليلاً، موجهةً نظرتها لجاك كأنها تتعامل مع مشهد رخيص لا يستحق أكثر من جملة واحدة:

“أنتما تليقان ببعضكما فعلاً.”

​ذعر جاك، ودفع كيسي عنه بسرعة ساحباً بنطاله ليرتديه، ثم نهض من السرير مهرولاً ليلحق بها قبل أن تخرج من الشقة،اصيبت كيسي بالمغص والحقد، لقد أمضت شهوراً طويلة في إغوائه، بينما جوليا كسبته سابقاً بمجرد نظرة. وها هو الآن يتركها هي، والدة طفله، ليركض خلف جوليا.

.

​“جوليا… سامحيني! أرجوكِ!” صرخ جاك وهو يمسك بمعصمها ويسقط على ركبتيه . كان الندم والحزن واضحين عليه وهو يقبل يدها بترجٍّ: “أنا لم أكن في وعيي… صدقيني يا جوليا، أنا أحبكِ، أقسم لكِ أنني أحبكِ ، لا تتركني !”

​ومع أن غشاوة من الدموع ظهرت في عينيها، إلا أن عاطفتها لم تتحرك إنشاً واحداً. نظرت إليه بنفور واشمئزاز، وسحبت يدها من قبضته بعنف، ثم قالت بصوت ثابت:

“… لا أريد أي شيء لمسته كيسي، اشعر بالإشمئزاز منه”

​اتسعت عيناه بصدمة بالغة، بينما كانت كيسي تقف عند ممر الغرفة تستر جسدها العاري بملائة السرير تراقب المشهد حاقدة، وإن كان قد اعتراها الارتباك للحظة؛ فلم تتوقع أن جوليا ستختار الانسحاب بكبرياء بدلاً من البكاء والتوسل.

كانت كيسي تتنافس مع جوليا منذ الطفولة، وتستمتع بسرقة كل ما يخصها: ألعابها، ملابسها، غرفتها، وحتى طعامها. وعندما كبرتا، حاولت سرقة نجاحها في العمل وفشلت، ليكون الشيء الوحيد الذي نجحت في سرقته هو خطيبها.

​حاول جاك التحدث مجدداً بصوت متهدج: “جوليا… اسمعيني فقط…”

​لكنها صدته بنظرة حقد وبغض جعلت الكلمات تجف في حلقه، وقالت بنبرة حسمت كل شيء:

“أنا سأتزوج.”

​وأردفت دون أن تمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه:

“لذلك… دعنا ننتهي هنا والآن.”

​توسعت عينا جاك من الهول. ستتزوج؟! من؟ ومتى؟ وقبل أن ينطق بكلمة أو يستفسر، كانت جوليا قد استدارت واختفت في الممر، تاركةً إياه غارقاً في ندمه، وكيسي في حقدها الذي لم يكتمل، فهي لم تحقق متعتها الكبرى في تحطيم كبرياء جوليا.

​عندما وصلت جوليا إلى الشارع، شعرت أن قوتها المصطنعة قد نفدت. تهاوت على الرصيف، وانهارت تبكي بصوتٍ عالٍ، لتقول بقهر وهي تمسك جانب صدرها :

​“هذا مؤلم… مؤلم جدا

Continue to read this book for free
Scan code to download App
Comments (4)
goodnovel comment avatar
Rayhana Rid
بتوفيق انشاءالله
goodnovel comment avatar
Rayhana Rid
قصه جميله جدا
goodnovel comment avatar
NIGHT
اتطلع للقادم في انتظار المزيد
VIEW ALL COMMENTS

Latest chapter

  • بين أحضان الوحش    الأفعى الرخيصة

    في الصباح التالي، تحولت الردهة الرئيسية لإمبراطورية "كلاين" الاقتصادية إلى خلية نحل مضطربة، تضج بوميض آلات التصوير وهسيس عدسات الصحافة التي استُدعيت على عجل بأمر سيادي مباشر من مكتب الإدارة العليا. كانت المنصة الرئيسية تتلألأ بشعارات زجاجية براقة، تتربع أمامها ميكروفونات متأهبة لالتقاط البيان الاستثنائي الذي أعلنت الشركة أنه سيعيد رسم خارطة المنافسة على "المجموعة الفريدة". ​صعدت السيدة مارثا، رئيسة قسم التصميم، بخطوات متصلبة ووجه كالقناع الجليدي الخالي من أي تعبير. وقفت أمام حشد الصحفيين والموظفين الذين تجمهروا بفضول خانق، تنحنحت مارثا في وقار، وفتحت الملف الجلدي الأحمر الممهور بالختم السري لداستن كلاين، لتبدأ في تلاوة بيان رسمي تناقلته القنوات عبر بث مباشر هز أرجاء المدينة: ​"بناءً على التوجيهات الصارمة الصادرة من رئيس مجلس الإدارة، السيد داستن كلاين، ولأن 'المجموعة الفريدة' ليست مجرد مشروع، بل هي الهوية الاقتصادية والمستقبلية لمدينة الصناعات الجديدة، فقد تقرر تعديل الشروط الختامية للمسابقة بشكل جذري وفوري. لضمان النزاهة المطلقة، وللبرهنة على أن المصمم يملك الروح الحقيقية والقدرة

  • بين أحضان الوحش    خلف قناع العجز

    في صباح اليوم التالي، كانت جوليا تسير في البهو الرئيسي للشركة متوجهة للحصول على بعض القهوة، عندما ظهر فجأة من بين الأعمدة **جاك**. كان يرتدي بذلته الرمادية، وملامحه تحمل كل معاني الغطرسة والخيلاء. وقف أمامها مباشرة قاطعاً طريقها، ونظر إليها بنظرة تقطر بالاحتقار والاشمئزاز. "إلى أين تظنين نفسكِ ذاهبة يا لصة؟" قال جاك بصوت منخفض وممتلئ بالسم. توقفت جوليا، ونظرت إليه بعينين باردتين: "ابتعد من طريقي يا جاك. أنا لا أملك وقتاً لأضيعه مع الحثالة." اقترب جاك خطوة، وضغط على ذراعها بقوة حتى آلمتها، وهس بصوت ممتلئ بالوعيد: "اسمعيِ جيداً يا جوليا! لقد علمتُ بما فعلتِهِ بالأمس مع كيسي. سرقة تصميمها؟ هل وصلت بكِ الدناءة والغيرة إلى هذا الحد لمجرد أنكِ ترينها ناجحة ومحبوبة، بينما أنتِ مجرد نكرة متزوجة من رجل مقعد مشوه لا يقوى على الحراك؟" نظرت جوليا إلى يده على ذراعها، ثم رفعت عينيها إليه بنظرة حادة جعلته يتراجع بلمحة خوف غريزية، وقالت بصوت يرتجف بالألم: "أنت تعلم يقيناً أن ذلك التصميم لي، أليس كذلك يا جاك؟" ضحك جاك بسخرية متكلفة: "أنا لا أعلم شيئاً سوى أن كيسي موهوبة وشريفة ونقية، وهي تعامل

  • بين أحضان الوحش    خلف قناع البراءة

    خلف قناع البراءة كان الليل قد انتصف، وقصر آل كلاين غارقٌ في صمتٍ مريب يشبه صمت القبور. في غرفتها الباردة المنعزلة في الجناح الغربي، كانت جوليا تجلس تحت ضوء مصباح مكتبها الخافت، والكون من حولها قد اختزل في ورقة بيضاء ممتدة وقلم رصاص يقبض عليه عصب أصابعها المتشنجة. لم تكن ترسم مجرد خطوط؛ كانت تسكب روحها، غضبها، وقهرها على ذلك الورق. كانت الفكرة تدور حول "قلب الثلج المحترق"—مجموعة من الألماس الخام تتوسطها قطرات دقيقة من الياقوت الأحمر، مصممة بزوايا حادة ومبتكرة تكسر الضوء بطريقة تجعل الناظر إليها يشعر بالدفء والخطر معاً. وضعَتْ في هذا التصميم كل ذرة من موهبتها المدفونة، وكل تفصيلة علمتها إياها والدتها الراحلة. "هذه خطوتي الأولى يا كيسي،" همست جوليا لنفسها بصوت مبحوح وهي تضع اللمسات الأخيرة وتظلل حواف الجوهرة المركزية. "هذه المجموعة ستكون المقصلة التي تنهي غطرستكِ في هذه الشركة. سأثبت للجميع، ولداستن قبلهم، من هي جوليا وايد الحقيقية." تأملت اللوحة بنظرة غلبت عليها القوة لأول مرة منذ دهر، ثم وضعت التصميم داخل ملف جلدي أسود، وضمته إلى صدرها كمن يمسك بسلاح فتاك واخفته في درج الكوميدين

  • بين أحضان الوحش    الفخ والظل الحامي

    في هذه الأثناء، كانت جوليا تشعر بأن الأرض تدور بها بعنف. نظرت إلى داستن بجنون مكتوم. 'ماذا يفعل هذا الرجل؟' سألت نفسها بصدمة مزقت بقايا ثباتها. ​'إنه يجلب عدوتي الأولى، الإنسانة التي دمرت حياتي، ليضعها في نفس القسم الذي أعمل فيه كموظفة نكرة! هل يحاول إذلالي أكثر؟ أم أنه يسهل عليها طردي وسحقي تماماً؟' ​لم تكن تفهم ما يدور في عقل هذا الوحش المقعد. هل هي لعبة جديدة يعاقبها بها؟ أم أنه يتسلى برؤيتها تتعذب؟ انتهى العشاء بعد ذلك بوقت قصير. غادر وفد عائلة وايد القصر، يملأهم شعور بالانتصار والزهو، خصوصاً كيسي التي باتت ترى نفسها سيدة الموقف القادمة في أروقة كلاين. ​انسحبت جوليا من القاعة بسرعة، متوجهة نحو الجناح الغربي للقصر حيث غرفتها الباردة. كانت أنفاسها متلاحقة، ودموع القهر تكاد تنفجر من عينيها. لم تحتمل خنقة الجدران في غرفتها، فخرجت إلى الشرفة المطلة على الحديقة الخلفية المظلمة، لتنزل الدرج الملحق بالحديقة حيث كان المطر الخفيف قد بدأ بالهطول، ليمتزج ببرودة روحها المنكسرة. ​"الوقوف تحت المطر مجدداً لن يعيد إرث والدتكِ، يا جوليا." ​جاء الصوت الرخيم، الدافئ والمألوف من عتمة الشرفة.

  • بين أحضان الوحش    أقنعة على مائدة العشاء

    ​خفتت أنوار قاعة الاستقبال الكبرى في قصر آل كلاين، لتفسح المجال لضوء الثريات الكريستالية الضخمة المتدلية من السقف، والتي كانت تعكس بريقاً بارداً يشبه صقيع العلاقات العائلية التي تسكن هذا المكان. لم يكن هذا مجرد عشاء عمل، بل كان مسرحاً نُصبت شباكه بدقة فائقة، وخُططت فيه الخطوات بكثير من الخبث. ​على رأس الطاولة الطويلة الممتدة، جلس داستن كلاين على كرسيه المتحرك كأنه تمثال من رخام أسود. كان يتلفع ببروده المعتاد، واضعاً وشاحاً حريرياً داكناً يخبئ جزءاً من عنقه، بينما استقرت يداه فوق ركبتيه المغطاتين بغطاء صوفي ثقيل. ملامحه الجادة الصارمة ونظراته الحادة، القادرة على اختراق النفوس، كانت كافية لإثارة الرعب في قلوب الحاضرين دون أن يتحرك إنشاً واحداً. ​إلى جانبه تماماً، جلست جوليا. كانت ترتدي فستاناً أسود بسيطاً، خالياً من أي بهرجة، وقد تخلت الليلة عن نظاراتها الطبية، لتظهر عيناها المتعبتان واضحتين تحت الأضواء الكاشفة. كانت تجلس بجسد متصلب، تشعر بكل أنش في هذه القاعة يضغط على أنفاسها، ويكتم صرختها. ​وفي الجهة المقابلة، كان يجلس الوفد الرفيع لعائلة وايد. ​جاك، بخطواته المتغطرسة وابتسامته الل

  • بين أحضان الوحش    لمسة الضل الغامضة

    لم يكن أحد في هذا المبنى الشاهق، الممتد لعشرات الطوابق من الزجاج والصلب، يعرف أن الفتاة التي تحمل ملفات التصاميم وتجلس في زاوية معتمة من المكتب المشترك، هي ذاتها زوجة سيد هذا المكان ورئيسه الأعلى. ​كانت جوليا تعمل بجنون، تلتهم أوراق العمل وتدقق في تصاميم المجوهرات والمعادن الثمينة حتى تتورم جفناها، كانت تهرب من ذكرياتها ومن غرفتها الباردة في القصر إلى الغرق في تفاصيل العمل. وفي يومها الرابع، بينما كانت تقف أمام آلة تمزيق الورق في ممر الإدارة الهادئ، شعرت بظل طويل مألوف يمتد بجانبها. ​"العمل بجدية قاتلة في الأسبوع الأول قد يصيبك بالصداع.. خذي قسطاً من الراحة." ​التفتت جوليا بجسد متصلب، لتلتقي عيناها بـ ستيف. لم يكن غريباً عنها، بل كان الشخص الذي يثير في صدرها عاصفة من المشاعر المتناقضة والمؤلمة. ستيف، الرجل الغامض ذو القامة الفارهة والمعطف الداكن الطويل، الذي يعمل كمساعد شخصي لزوجها داستن هذا ما عرفته. ​بمجرد أن وقعت عيناها عليه، شعرت بغصة في حلقها؛ فرؤيته كانت تعيدها فوراً إلى تلك الليلة المظلمة، ليلة موت هانا. تذكرت كيف كان ستيف هو الوحيد الذي وقف بجانبها في تلك الفاجعة، كيف

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status