مشاركة

فصل الثاني

مؤلف: ريفينوس
last update تاريخ النشر: 2026-05-26 18:12:36

​مرّت الأيام، بينما جوليا لا تزال قابعة هناك بجانب سرير هانا، تمسك يدها الشاحبة وكأنها تحاول مدّها بالحياة عبر أصابعها المرتجفة. قطع صمت الغرفة الكئيب دخول الطبيب:

— "آنسة جوليا.. أرى أنكِ هنا."

​سكت قليلاً ينقل نظراته بين هانا وجوليا، غير مصدقٍ أن هذه الفتاة المنكسرة تنتمي لعائلة "وايد" ، ثم تابع بأسف:

" الإدارة تبلغني أنكِ لم تدفعي رسوم المستشفى لهذا الشهر أيضاً."

​رفعت جوليا وجهها الذي فقد نضارته، وعيناها اللتان غطتهما هالات التعب والسهر ومع ذلك، كان في انكسارها وحزنها الشديد جمال مأساوي آسر. همست بصوت مخنوق:

— "أنا آسفة.. أعدك، سأحضر المبلغ قريباً جداً، فقط امنحوني قليلاً من الوقت."

​تنهد الطبيب بعجز وهو يفحص هانا التي بدت كجثة هامدة:

— "الحالة تتدهور بسرعة، كل ثانية تمر هي عدوة لنا . نحتاج لإجراء عملية زراعة النخاع فوراً.. الوقت ينفد منا يا آنسة."

​لم تجد جوليا كلمات تسعفها. ضمت يديها ونظرت إليه بعينين يملؤهما الرجاء :

— "لقد جمعتُ أغلب المبلغ.. أيام قليلة فقط.. أرجوك يا سيدي، ابدأوا بالعملية ولا تتركوها تضيع مني! أقسم لك سأحضر المال في غضون أيام."

​أشاح الطبيب بنظره بعيداً، فشفقتُه الإنسانية لم تكن تملك سلطة دفع فواتير المشافى:

"أتمنى لو كنتُ أملك القرار، لكن الإدارة صارمة لا ترحم، وأنا هنا مجرد طبيب. أنا آسف حقاً."

​سقطت دموعها بصمت، وعادت لتهمس بانكسار:

— "أتوسل إليك.. سأفعل أي شيء.."

نظر إليها بقلب : "أنا حقاً آسف، ما بيدي حيلة"

​اعتذر الطبيب مجدداً وخرج، تاركاً خلفه جوليا المحطمة.

​أغمضت عينيها، وشعرت بظلم العالم يطبق على أنفاسها. انحنت فوق يد هانا، وطبعت عليها قبلة الوداع، وهمست في أذنها:

— "تحملي حبيبتي، لا تتركيني الآن. سأجلب المال، سأشتري حياتكِ بأي ثمن.. وسنظل معاً."

​كانت هانا غارقة في غيبوبتها منذ عشرة ايام، لا تسمع ولا تجيب، لكن جوليا ابتسمت من بين دموعها وأكملت كأن عجوزها الحبيبة تستمع إليها:

— "هل تعلمين؟ اليوم هو زفافي.. لم أحصل على الفستان الملكي الذي رسمناه معاً في خيالنا، ولستِ هنا لتمشطي شعري وتزيني غرتي كما وعدتِني دائماً.. لكنكِ هنا، في كل نبضة من قلبي."

​غادرت الغرفة بهدوء، كانت في طريقها لتُزفّ إلى رجل غريب، صفقة مجهولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. لم تكن ترتدي فستاناً فاخراً، فقد كان كل قرش تملكه أحق به جسد هانا المريض.

​في طريقها، ابتاعت بعض الزهور البيضاء البسيطة، وشريطاً حريرياً لفته حول خصرها. جدلت شعرها الاشقر بيديها المرتجفتين، وارتدت ثوباً أبيض ناعماً وخالياً من البهرجة. لكنها في تلك اللحظة، وسط حزنها العظيم وثوبها المتواضع، كانت تبدو كقديسة خرجت من بين الركام.. نقية لدرجة الألم.

توقفت سيارة الأجرة أمام الكنيسة المنزوية في الضواحي. كانت تبدو مهجورة، جدرانها متآكلة وروحها غارقة في النسيان، تماماً كحياة جوليا في تلك اللحظة. أخذت نَفَساً عميقاً، حاولت به تثبيت شتات روحها، وتحركت للداخل بخطوات جنائزية لتقف أمام المذبح. كان مكان الزفاف شبه فارغ، ولم يحضر سوى قلة من الناس، وجوههم باردة وواجمه، وكأنهم يشاركون في طقس تضحية لا احتفال.

​"لماذا تأخرتِ كل هذا الوقت؟!"

قال والدها، جيمس وايد الواقف بجانبها، بنبرة عصبية مكتومة.

تطلعت إليه جوليا، ورأت في عينيه رغبة عارمة في الانتهاء من هذا الأمر، مما جعلها تبتسم بسخرية لاذعة: "أنت حقاً تتوق للتخلص مني، أليس كذلك يا أبي؟"

نظر إليها بغضب، جازاً على أسنانه، قبل أن يعاود النظر بلهفة نحو الباب، بينما كان تنفس جوليا يصبح ثقيلاً وضحلاً. لقد سمعت الكثير من الشائعات عن وريث عائلة "كلاين"؛ واسمه داستن ، شائعات تتحدث عن وحش دموي، ومدمن كحول، بالإضافة إلى مظهره البشع المغطى دائمًا بالضمادات .

​تقدمت جيورجينا، زوجة أبيها، وهمست لجيمس بنفاد صبر: "لماذا لم يصل العريس وعائلته بعد؟"

قالت ذلك وهي تتأمل المجموعة الصغيرة من الحضور بازدراء، وكأنها تلومهم على هذا الفشل. كانت ترتدي فستاناً أسود ناعماً ورائعاً مع مكياج رقيق يبرز ملامحها، كأنها تحتفل بنصرها الشخصي.

​كان من الواضح أن عائلة كلاين غير مهتمة بهذا الزواج، ومع ذلك لم تكن جوليا مبالية، فالشيء الوحيد الذي كان يهمها هو المال من أجل عملية هانا.

مالت نحو جيورجينا وهمست وصوتها يرتجف بتصميم يائس: "ستعطيني المال بمجرد انتهاء الزفاف؟"

جورجيا بنفاد صبر وغضب مكتوم: "نحن عائلة واحدة، لماذا تستمرين في الحديث عن المال طوال الوقت؟ لا تقلقي، سأعطيكِ المال. الذي إتفقنا عليه "

​وفجأة، ساد الصمت. توقفت همسات الحضور، وتجمدت الأنفاس. انفتح باب الكنيسة الثقيل ببطء، محدثاً صريراً طويلاً ومرعباً يتردد صداه في الأرجاء.

​من عتمة المدخل، بدأ يبرز شيء ما.. لم يكن رجلاً يسير بخطوات واثقة، بل كان شيئاً يُدفع. تقدم رجل يرتدي حلة رسمية، يفرغ الطريق لكرسي متحرك. كان صوت عجلات الكرسي وهي تحتك بالأرض الخشبية القديمة هو الصوت الوحيد المسموع.

​شهق الجميع بذهول وخوف مكتوم وهم ينظرون بشفقة وحزن إلى العروس التي كانت تنظر نحو المذبح، وجهها شاحب كالموت.

​تقدم الكرسي ببطء وكلما اقترب، كلما زاد وضوح المأساة التي يحملها الرجل القابع عليه، كان ملفوفاً بالكامل بالضمادات البيضاء.

لكان عبارة عن مومياء حديثة، الضمادات كانت سميكة، تحجب أي ملامح وجهه، وتحول يديه إلى كتلتين مجهولتين.، وما ظهر من بشرته لم يكن سوى نسيج محترق، أخاديد من اللحم المشوه الذي تداخلت فيه النيران يوماً ما لتترك بصمة الجحيم. كأنها تذكر الجميع ببشاعة الحادث الذي وقع قبل عامين.​ الوحش الذي قيل إنه شرب من كؤوس الجنون حتى الثمالة بعد الحادث، الرجل الذي يختبئ خلف الضمادات كما يختبئ الموت خلف الستائر.

​ركن المساعد الكرسي بجانب العروس بخفة، وانسحب ليأخذ مكانه بين الحضور، تاركاً إياها في مواجهة هذا المجهول المخيف.

​من طرف عينه، حاول داستن أن ينظر إلى العروس التي سيتزوجها، محاولاً رؤية وجهها لمعرفة رد فعلها، لكنه لم يستطع أن يلمح سوى جزء من ذقنها من خلف كثافة الضمادات التي تحجب بصره عن العالم. ساد صمت ثقيل ومؤلم مجدداً، قبل أن يبدأ الكاهن في تلاوة الطقوس والعهود بصوت مرتعش قليلاً، وكأن الكلمات نفسها تخشى أن تلمس هذا الرجل .

حين حانت لحظة "القبلة"، تصاعدت همسات الاشمئزاز من الحضور القليل. توقع داستن أن تتراجع، أن تهرب، أو على الأقل أن تشيح بوجهها. لكن جوليا فعلت ما لم يتوقعه أحد. أغمضت عينيها، وانحنت برقة كأنها تقبل جرحاً، ووضعت شفتيها على شفتيه الباردتين خلف الضمادات. كانت قبلة "سلام" لا قبلة "عشق"، لكنها كانت كافية لزلزلة كيان الرجل القابع تحت اللفائف.

​فتحت عينيها لتلتقي بنظرته من خلف شقوق الضمادات؛ كانت عيناه هما الشيء الوحيد الحي فيه، تلمعان بوجع وتحدٍ لا يوصفان.

​همس لجوليا بصوت مبحوح وهو يحاول التخفيف من وطأة الموقف:

— "أنا آسف على التأخير.. وشكراً لأنكي جئت."

​نظرت إليه قالت :

— "لا يهم..."

​أمسكت يده المشوهة بيديها المرتجفتين، وقالت بصوت خافت مليء بالمرارة والأسى:

— "لننهِ الأمر .. ونشكر هؤلاء الذين جاؤوا ليشهدوا مأساتنا."

​لم تخفَ عليه تلك الرعدة التي سرت في جسدها، كانت رعشة العصفور الذي أدرك أنه حُبس في قفص من حديد ونار. خرجوا وسط نظرات الشفقة المسمومة والازدراء، التي بادلها الاثنان ببرود تام.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق
تعليقات (2)
goodnovel comment avatar
NIGHT
احببت الكتاب نوع القصص التي احب
goodnovel comment avatar
ريفينوس
اضن أنني سوف اضم هذا الكتاب الا مجموعتي
عرض جميع التعليقات

أحدث فصل

  • بين أحضان الوحش    ما خلف الستار

    مع حلول ساعة الغداء، صعدت جوليا إلى سطح مبنى الشركة الشاهق، وهو المكان الوحيد الذي كانت تجد فيه متنفساً من حصار الجدران والكاميرات. وقفت عند السور الحديدي، وتطلعت إلى المدينة المترامية الأطراف تحتها، والرياح العاصفة تداعب خصلات شعرها البني.لم تمر سوى دقائق حتى انفتح الباب الحديدي للسطح، وظهر ستيف بخطواته الواثقة وكاريزميته الطاغية. بمجرد أن لمحته جوليا، ارتسمت على شفتيها ابتسامة سخرية مريرة، والتفتت إليه قائلة بنبرة تهكمية لاذعة:"أهلاً بالسيد المساعد... هل أرسلكَ سيدكَ ومولاك داستن لتتجسس عليّ مجدداً؟ أم جئتَ لترى كيف أعيش بعد أن حطم بقايا ذكرياتي تحت عجلات كرسيه؟"نظر إليها ستيف بحزن عميق ظهر في عينيه الرماديتين، ولم يرد على سخريتها ببرود كالعادة. خطا نحوها بخطوات بطيئة حتى وقف بجوارها عند السور، ونظر أمامه إلى الأفق البعيد وقال بصوته الرخيم المليء بالشجن:"عندما كنتُ صغيراً يا جوليا... لم يكن هناك أحد يفهمني أيضاً. كنتُ منبوذاً، وحيداً، والجميع ينظرون إليّ كأنني عبء أو حشرة لا قيمة لها. عشتُ في زوايا الظلام أراقبهم وهم يسرقون حقوقي ويضحكون على ضعفي... وفي تلك الأيام، ولدت في داخلي

  • بين أحضان الوحش    انكسار الروح

    دوى صوت تحطم الجهاز في أرجاء القاعة الكبرى كصوت طلقة رصاصة. تناثرت الشاشة الزجاجية إلى آلاف القطع الصغيرة، وتطايرت الأجزاء الداخلية للهاتف، وانطفأت الشاشة المضيئة إلى الأبد، ليتحول الجهاز إلى كتلة مشوهة من الخردة والرماد المعدني تحت عجلات كرسيه.تسمرت جوليا في مكانها، وصمتت أنفاسها تماماً وهي تنظر إلى الحطام المنثور على الأرض. تغيرت ملامحها من الغضب إلى صدمة رعب حقيقية، وكأن شيئاً ما داخل صدرها قد تحطم مع تحطم ذلك الجهاز."لا... لا.لالالا.. ماذا فعلت؟" همست بصوت شاحب وخاوٍ، وجثت على ركبتيها فجأة فوق الرخام البارد، وأخذت تجمع قطع الزجاج المكسورة بأصابع ترتجف بعنف غير آبهة بالجروح التي بدأت تظهر على كفيها وتسيل منها الدماء.كان هذا الهاتف لا يمثل أداة تواصل بالنسبة لها... بل كان يحتوي على كل ما تملكه من ماضيها النقي. كان يحتوي على الصور الوحيدة المتبقية لوالدتها الراحلة وهي تبتسم قبل أن يقتلها الحزن، يحتوي على تسجيلات صوتية لأمها وهي تغني لها في طفولتها، وصورها القديمة مع مربيتها "هانا" في أيام دراستها، الأيام الوحيدة التي كانت تشعر فيها أنها إنسانة ولها قيمة. كل ذكرياتها، رسائل أمها

  • بين أحضان الوحش    جنون

    عادت جوليا إلى المنزل مرهقة جدا بعد يوم الطويل كان عقلها لا يزال مشغولا بما حدث مع جورج و لا يزال يتردد في عقلها، دخلت قاعة الاستقبال الكبرى، كانت الأجواء باردة، والإضاءة خافتة تكاد تبرز تفاصيل الأثاث الكلاسيكي الضخم.وضعت هاتفها المحمول على الطاولة الرخامية الطويلة في منتصف القاعة بزفرة ضيق، وفركت جبينها محاولة طرد الأفكار السوداء. شعرت فجأة ببرودة شديدة تغزو أطرافها، فقررت الصعود إلى جناحها لجلب وشاح صوفي دافئ، صعدت السلالم الرخامية شاردة الذهن، ناسية تماماً أنها تركت خلفها هاتفها؛ مستودع أسرارها، ونقطة اتصالها بالعالم الخارجي.مرت دقائق معدودة من السكون التام، قبل أن يشق هدوء الرواق صوت عجلات المقعد المتحرك يقترب بانتظام سحري مألوف.خرج داستن كلاين من ممر الجناح الشرقي، كان متلفعاً ببروده القاتل، والوشاح الحريري يغطي عنقه مخفياً ندوب الحريق المرعبة، بينما كانت عيناه الرماديتان تلتمعان بذكاء حاد وقاسٍ. توقف بكرسيه بجانب الطاولة الرخامية عندما لمح شاشة الهاتف تضيء فجأة في العتمة.لم يكن اتصالاً... بل كانت سلسلة من الرسائل النصية المتتابعة التي تسببت في اهتزاز الجهاز على السطح الرخا

  • بين أحضان الوحش    قلب تحت التراب

    تقدمت مارثا، وحاولت أن تقف بأدب وثبات في وجه جورج لتفرض وقار القسم، وقالت بنبرة حازمة ومصقولة بالرسمية:"سيد جورج، أهلاً بك في قسم التصميم. ولكن أود تذكيرك أن السيدة جوليا تشرف حالياً على ملفات سرية للغاية تخص مشروع المدينة الصناعية بتكليف مباشر من السيد داستن. وجودك هنا دون موعد مسبق يعطل سير العمل، ومجلس الإدارة يشدد على الخصوصية في هذه المرحلة."نهض جورج من مقعده ببطء شديد، ممرراً نظراته المستهزئة بين مارثا وجوليا. التفت بالكامل نحو جوليا، واقترب منها خطوة إضافية، ثم انحنّى قليلاً ليهمس بنبرة حملت تحذيراً شديد اللهجة يقطر وعيداً:"سأغادر الآن يا جوليا... ولكن تذكري كلامي جيداً؛ الظل الذي تختبئين خلفه مهترئ ولن يحميكِ طويلاً. الرفض له ثمن، وعندما تنهار أحجار الدومينو الخاصة برئيسك العاجز، لن تجدي يداً تمتد لإنقاذكِ سوى يدي. الأيام بيننا، والابتسامة الأخيرة ستكون لي."استدار جورج وخرج بخطوات واسعة وغاضبة، ضارباً بعصاه الأرض الرخامية بعنف أحدث صدىً مزعجاً في الممر الخارجي.تنفست السيدة مارثا الصعداء، والتفتت فوراً إلى جوليا والملامح القلقة تكسو وجهها الصارم. تقدمت نحو المكتب وقالت بن

  • بين أحضان الوحش    حرب الأقنعة

    كانت جوليا تمشي بسرعة في أروقة القصر الطويلة والمظلمة، وتحاول كبت دموع الغضب والقهر التي تجمعت في عينيها. كانت أنفاسها متسارعة، وعقلها يغلي بكلام داستن واتهاماته وسخريته. وبسبب عدم انتباهها وظلام الممر، انعطفت عند زاوية الرواق بقوة لتصطدم بجسد صلب وضخم كالجدار."آه!" أطلقت جوليا صرخة خفيفة وهي تفقد توازنها وتتراجع للخلف كادت تسقط على الأرض الرخامية.ولكن قبل أن تسقط، امتدت يدان قويتان وحاصرت خصرها بسرعة فائقة. شعر بجسدها يُسحب بقوة نحو الأمام ليرتطم بصدر عريض دافئ. وجدت جوليا نفسها في وضع رومانسي مباغت، قريبة للغاية من هذا الشخص لدرجة أنها شعرت بأنفاسه الحارة تداعب جبينها. رفعت رأسها ببطء لتلتقي عيناها بعينين رماديتين تشعان بنور غريب ومألوف في نفس الوقتكان ستيف ينظر إليها بنظرة عميقة، خلت من ذلك البرود المهني الذي أظهره في الشركة صباحاً. امتدت يده لتزيح خصلة متمردة من شعرها البني سقطت على وجهها. وفي تلك اللحظة بالذات، وسط دقات قلبها المتسارعة، نظرت جوليا إلى عينيه الرماديتين، وفجأة، ودون أي سبب منطقي، وجدت نفسها تفكر في داستن! تذكرت نظرة داستن قبل قليل في المطبخ، وشعرت برابط غامض

  • بين أحضان الوحش    لين الماضي والحاضر

    ابتلعت عتمة الليل سيارة الأجرة التي تُقل جوليا، بينما بقيت أضواء شوارع "لايتون" الباردة تنعكس على زجاج النافذة كشريط سينمائي باهت. كانت يدها ما زالت ترتجف قليلاً، ليس خوفاً من جاك، بل من كمية القذارة العاطفية التي تحيط بها. أغلقت عينيها بقوة، مسترجعة ملامحه الذليلة ونبرة صوته المكسورة؛ لقد كان يبدو كشحاذ يستجدي عطفاً قتلته يداه منذ زمن.عندما توقفت السيارة أمام البوابة الحديدية الضخمة لقصر آل كلاين، ترجلت بخطوات متزنة، تحمل بين جوانحها هدوءاً يسبق عاصفة داخلية لم تهدأ بعد. دلفت من الباب الكبير، وكان القصر غارقاً في صمت مهيب، تكسره فقط تكتكات ساعة الحائط الأثرية في البهو الرئيسي. صعدت إلى جناحها، ونفضت عنها ملابس العمل الرسمية الثقيلة. وقفت تحت رذاذ الماء الدافئ في حمامها الرخامي لعدة دقائق، تاركة البخار يتصاعد ليغسل نصل الكلمات الحادة التي تبادلتها مع جاك وجورج طوال اليوم.خرجت متدثرة برداء قطني بسيط، وجففت شعرها بإهمال متعمد. كانت تشعر بجوع غريب، ليس جوعاً للمعامير أو الأطباق الفاخرة التي يطهوها طهاة القصر المحترفون، بل جوعاً لشيء حقيقي، شيء تصنعه بيديها بعيداً عن زيف هذا المكان.ن

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status