ログインنام ريان بهدوء، لكن سلين بقيت مستيقظة، تتقلب في فراشها كمن يطارده كابوس لا يريد أن يغادر. رسمة الذئب التي وجدتها على الطاولة الصغيرة بجانب سرير ابنها لا تزال عالقة في ذهنها، تلك العيون الحمراء المرسومة بدقة غريبة، كأنها تنبض بالحياة، تهمس لها بأن هناك شيئاً تخفيه هذه الجدران.
نهضت مع أول خيوط الفجر، ونزلت إلى المطبخ تحضّر قهوتها بصمت ثقيل. كانت تفكر في كل شيء: رسمة الذئب، كلمات ريان عن "العم نينو"، وصمت سعاد الغريب الذي بدأ يتحول إلى جدار لا تخترقه الأسئلة. جلست على طاولة المطبخ، وفنجان القهوة بين يديها، وعيناها مثبتتان على الحائط، لكنها لم تكن تراه. كانت ترى رسمة الذئب، ترى عينيه الحمراء، ترى يد ريان الصغيرة وهو يشير إليها ويقول: "العم نينو". من يكون هذا الرجل؟ ولماذا يختبئ خلف اسم وهمي؟ ولماذا اختار ابنها؟ مرت سعاد من أمام المطبخ، حاملة صينية الإفطار، وعيناها لا ترتفعان إلى سلين. كانت تتصرف كمن يحاول ألا يلفت الانتباه. نظرت إليها سلين للحظة، ورأت ارتعاشاً خفيفاً في يديها وهي تضع الكأس على الطاولة. وقفت سلين، واتجهت نحوها ببطء: "سعاد... تعالي إلى هنا." تجمدت سعاد في مكانها. التفتت ببطء، وعيناها مذعورتان. "اجلسي." أمرتها سلين. جلست سعاد على كرسي المطبخ، ويداها ترتجفان. جلست سلين أمامها، ونظرت إليها طويلاً قبل أن تتكلم: "كم مضى على وجودك في هذا المنزل؟" "حوالي شهر يا سيدتي..." "شهر كامل، وأنتِ لم تلاحظي شيئاً غريباً يحدث في الحديقة؟" ارتعشت يدا سعاد، ورفعت عينيها بثبات مصطنع: "لا يا سيدتي... الحديقة هادئة..." "لا تكذبي عليّ!" قاطعتها سلين بصوت حاد. "ريان أخبرني عن رجل يأتي ليلعب معه كل يوم. هل تعرفين شيئاً عن هذا؟" سكتت سعاد. كانت تعلم أنها لو اعترفت، ستخسر وظيفتها، وربما أكثر من ذلك. لكنها أيضاً كانت تعلم أن سلين لن تتوقف عن السؤال. "نعم..." همست بصوت خافت. "هناك رجل يا سيدتي... يأتي إلى الحديقة كل صباح منذ ثلاثة أسابيع. كان يلعب مع ريان، ويتحدث معه. أخبرني أنه صديق للعائلة، وأنه يحب ريان كثيراً..." "ما اسمه؟" قاطعتها سلين. "لم يخبرني... لكن ريان يناديه بـ 'العم نينو'." "وكيف يبدو؟" "طويل، يرتدي الأسود، ونظارات داكنة..." توقفت سعاد للحظة، وكأنها تتذكر شيئاً، ثم أكملت: "وعيناه كحليتان... عميقتان جداً. لم أرَ عينين مثلها من قبل." شعرت سلين بقشعريرة تسري في ظهرها. عيون كحلية عميقة. كانت تعرف هذه العيون من مكان ما، لكنها لم تستطع تذكر أين. "لماذا لم تخبريني من البداية؟" "كان يهددني..." همست سعاد بصوت مرتجف، وبدأت دموعها تترقرق في عينيها. "قال إنه إذا أخبرتكِ، سيندم الجميع. قال إنه يعرف كل شيء عني... عن عائلتي... عن كل شيء. كنت خائفة يا سيدتي." انهارت سعاد فجأة، وغطت وجهها بيديها وهي تبكي بصوت مكتوم. كانت ترتجف بشدة، وكأنها تحاول التخلص من ثقل كان يحمله قلبها طويلاً. "سعاد..." قالت سلين بصوت أهدأ. "ماذا قال لك بالضبط؟" رفعت سعاد وجهها المبلل بالدموع، ونظرت إلى سلين بعينين حمراوين: "قال..." توقفت، وبلعت ريقها بصعوبة. "قال إنه يعرف كل شيء عني. قال إنه يعرف أنني هاربة من زوجي السابق، وأنني غيرت اسمي لأختبئ منه. قال إنه إذا لم ألتزم الصمت، سيعيدني إليه." صمتت سلين. شعرت بغضب يتصاعد في صدرها ليس فقط تجاه الرجل المجهول، بل تجاه كل من يستخدم ضعف الآخرين ليهددهم. "لماذا لم تخبريني؟ كنت سأساعدك..." "كنت خائفة..." همست سعاد، وهي تمسح دموعها بكفها المرتجف. **"وكنت خائفاً عليكِ أيضاً. قال إنه لا يريد إيذاءك... لكنه قال إنه سيفعل أي شيء لحماية ريان. وبدا لي..." سكتت سعاد وكأنها تتردد. "بدا لك ماذا؟" "بدا لي أنه صادق..." قالت سعاد بصوت خافت. "عندما كان يتحدث عن ريان، كانت عيناه تتغيران. لم تكن عيون رجل يريد إيذاء طفل... كانت عيون رجل يحب." وقفت سعاد، ومسحت دموعها بسرعة: "أنا آسفة يا سيدتي... كنت خائفة. آسفة جداً." خرجت سعاد من المطبخ، تاركة سلين وحدها مع كلماتها. --- نهضت سلين وذهبت إلى غرفة ريان، وجدته مستيقظاً يلعب بألعابه الصغيرة، وعيناه تلمعان بفرح حين رآها. "ماما! ألن تذهبي إلى العمل اليوم؟" "لا يا حبيبي، سأبقى معك." جلست بجانبه، ومسحت على شعره الناعم. "أخبرني... هل أنت سعيد هنا؟" "ماما... أنتِ تسأليني هذا السؤال كل يوم!" عبس ريان وقارض أنفه بطريقة طفولية. "هذا لأنني أقلق عليك،" ضحكت. "والآن أجبني..." نظر إليها ريان، ولوّى شفتيه الصغيرتين: "أظن أنها جيدة..." "كيف؟" سألت سلين بدهشة. "أليس سعيداً للغاية في الفترة الأخيرة؟ لقد ظننت أنها السبب..." "هي تلعب بهاتفها طوال الوقت... وترفض اللعب معي." شعرت سلين بأن شيئاً ما خاطئ. تقدمت نحوه قليلاً: "هل هناك شخص آخر يجعلك سعيداً مؤخراً؟" ابتسم ريان ابتسامة عريضة: "العم نينو!!" توقفت أنفاسها.لقد ذكره مرة اخرى. هذا يجعلها تفقد اعصابها، من هذا الشخص؟! "العم نينو؟ من هو؟ أين هو؟ وكيف تعرفت عليه؟" شعر ريان بالخوف قليلاً من نبرتها الحادة، لكنه أجاب ببراءة: "تعرفت عليه منذ وقت طويل... هو طويل القامة مثلكِ، ويرتدي الأسود دائماً، ويشتري لي الأشياء ويلعب معي. حتى أنه يحميني من أشعة الشمس بجسده الضخم!" "وأين كانت المربية حين كنت تقابله؟" "في المطبخ... أو تنام..." قال بخجل نظرت إليه طويلاً قبل أن تتكلم: "ريان... هل تحب العم نينو؟" ابتسم الطفل ابتسامة عريضة: "أحبه كثيراً يا ماما! إنه لطيف جداً، ويخبرني أنني شجاع!" "وماذا يقول لك أيضاً؟" فكر ريان للحظة، ثم قال ببراءة: "يقول إنه كان يعرف أبي..." توقفت أنفاس سلين. شعرت بأن الأرض تهتز تحت قدميها. "ماذا قال عن أبي؟" "قال إن أبي كان صديقه... وإنه يحبني." "ولماذا يحبك؟" نظر إليها ريان بعيونه البريئة، ثم قال: "قال لأنني أشبهكِ يا ماما." سكتت سلين. شعرت بشيء غريب يخترق صدرها، بين الذهول والفضول. من يكون هذا الرجل الذي يعرف زوجها الراحل، ويرى في ابنها شبيهاً لها؟ "هل قال لك شيئاً آخر؟" همست. "قال إنه سيعود قريباً... لزيارتنا في البيت." نهضت سلين فجأة، وذهبت إلى النافذة. كانت ترتجف. من يكون هذا الرجل؟ وكيف يعرف زوجها؟ ولماذا يريد الاقتراب من ابنها؟ "ماما، هل أنتِ غاضبة؟" سأل ريان بخوف. التفتت إليه، وابتسمت رغم دموعها: "لا يا حبيبي... أنا فقط متعبة. اذهب لتلعب الآن." خرج ريان من الغرفة، وسلين بقيت وحدها، تتساءل عن هذا الرجل الذي يخفي وراءه أسراراً قديمة. --- وقفت ونظرت حولها في غرفة ابنها، وكأنها تراها لأول مرة. كان هناك صندوق قديم في زاوية الغرفة، كان يخص زوجها الراحل. اقتربت منه، وفتحت الغطاء ببطء. كان مليئاً بأغراض قديمة: كتب، صور، أوراق. بدأت تقلبها ببطء، بحثاً عن أي شيء يخبرها عن ماضي برامي. كانت أصابعها ترتجف وهي تلمس كل ورقة، كل صورة، وكأنها تفتح جرحاً قديماً لم يندمل بعد. توقفت عندما وجدت دفتراً صغيراً بغطاء جلدي. فتحته، فوجدته مليئاً بخط يد رامي. بدأت تقرأ ببطء، وكل كلمة كانت تطعن قلبها: "اليوم رأيته من بعيد... كان يلعب في الحديقة وحيداً، وبدا حزيناً. تذكرته وأنا صغير، وكيف كنت ألعب وحيداً أيضاً. أريد أن أقترب منه، لكنني خائف من رد فعل سلين. كيف ستفهم؟ كيف ستتقبل أن أخي يعود بعد كل هذه السنوات؟" تجمدت سلين. أخوه؟ رامي كان له أخ؟ ولماذا يخاف من رد فعلها؟ قلبت الصفحات بسرعة، حتى وصلت إلى آخر صفحة مكتوبة: "لن أخبرها أبداً. سأموت وهذا السر معي. من الأفضل أن تبقى الأمور كما هي." تركت الدفتر يسقط من يدها. شعرت بجليد يسري في عروقها. "رامي..." همست. "كنت تخفي عني أخاك؟ ولماذا؟" جلست على الأرض، وشعرت بأن كل ما كانت تعرفه عن زوجها كان مجرد قشرة خارجية. --- طوال النهار، بقيت سلين تراقب الحديقة من خلف الستار الفضّي. كانت تقف ساعات، وعيناها مثبتتان على البوابة الحديدية التي لا تتحرك. كانت تفكر في كل شيء: في رسمة الذئب، في كلمات ريان، في خوف سعاد، في الخاتم الفضيّ، في دفتر رامي الذي قرأته. في منتصف النهار، رأت شيئاً: ظلاً طويلاً يقف خلف البوابة الحديدية. لم يدخل، بل وقف ينظر إلى المنزل. شعرت بقلبها يتسارع، لكنها لم تتحرك. كانت تريد أن تراه، أن تعرفه، أن تفهم ما يريده. خرجت إلى الحديقة بخطوات بطيئة، ووقفت على بعد أمتار منه. رفع الرجل رأسه، ورآها. لم يتحرك، فقط وقف ينظر إليها. كان يرتدي معطفاً أسود طويلاً، ونظارات داكنة تخفي عينيه. وقفتا في صمت طويل، ينظر كل منهما إلى الآخر وكأنهما يقيسان قوة الآخر. "من أنت؟" سألت سلين أخيراً، وصوتها كان حاداً لكنه أيضاً كان يحمل شيئاً من التعب. خلع الرجل نظارته ببطء شديد، وكأنه يمنحها فرصة لتجهز نفسها. كشف عن عينين كحليتين عميقتين، تحملان في أعماقهما ألماً قديماً، كأنهما بحر هادئ يخفي في قاعه سفناً غارقة منذ زمن بعيد. "أنتِ سلين..." قال بصوت هادئ، كأنه يقرأ اسماً من ذاكرة بعيدة. "لقد تغيرتِ قليلاً. لكن عينيكِ..." توقف. "عيناكِ لم تتغيرا." تجمدت سلين. هذه الكلمات... كأنه يعرفها من قبل. "كيف تعرفني؟" "رامي كان يتحدث عنكِ كثيراً." "رامي... كان زوجي." قالت بحذر. "أعلم." قال، وصوته كان خافتاً لكنه واضح. "أنا أخوه." سكتت سلين. رغم أنها كانت تتوقع شيئاً كهذا بعد قراءة الدفتر، إلا أن سماعها له يختلف تماماً. "رامي لم يخبرني أبداً أن له أخاً." "أعلم." قال بهدوء. "كانت بيننا خلافات قديمة. لم نتفق على أشياء كثيرة. لكنه..." توقف. "كان يرسل لي صوراً من حين لآخر. صور ريان. كان فخوراً به." "لماذا لم تأتِ من قبل؟" "لأنه طلب مني ألا آتي." قال، وعيناه تلمعان. "قال إنه يريد أن يحمي عائلته من... كل شيء." "وأنت جئت الآن؟ بعد خمس سنوات من موته؟" "لأن ريان يحتاجني." قال ببساطة. "أنا رأيته يلعب وحيداً. رأيت المربية لا تكترث به. رأيت طفلاً يبحث عن أبيه في كل رجل يمر من أمامه." صمتت سلين. كانت كلماته تطعن قلبها. "وما الذي تريده الآن؟" سألت بصوت يخنقه الألم. "أن أكون جزءاً من حياته." قال. "لا أطلب شيئاً أكثر من ذلك." --- وقفت سلين في مواجهته تحت شمس الظهيرة، وهي تشعر بأن كل شيء تتزعزع. نظرت إلى عينيه الكحليتين، إلى وشم الذئب على معصمه، إلى الخاتم الفضيّ المنقوش عليه R.S. "هل تستطيع إثبات أنك أخوه حقاً؟" سألت بحذر. ابتسم ابتسامة خفيفة حزينة، ثم رفع يده وأرها الخاتم: "هذا الخاتم... كان لرامي. أعطاني إياه قبل أن يموت. قال لي: 'احتفظ به. ربما يومًا ما ستحتاج أن تثبت من تكون.'" نظرت إلى الخاتم، وإلى حروفه المنقوشة، وتذكرت الخاتم الذي وجدته في درجها القديم. لقد عرفت الآن أنها حقيقة. كانت عيناها تدمعان دون أن تشعر. "أنا آسفة..." همست. "لم أعرف أن رامي كان له أخ. كان يحتفظ بهذا السر عني." "لا تلوميه..." قال لينار، وصوته أصبح أكثر دفئاً. "كان يحميكِ. كان يعلم أن قدومي قد يعقد الأمور." "ولكن لماذا؟" سألت. "ما الذي كان يخفيه عني؟" نظر إليها لينار طويلاً، وكأنه يفكر في شيء ما، ثم قال: "ربما... هذا سؤال ستحتاجين أن تسأليه هو." --- دعته إلى الدخول بعد تردد طويل. جلس في غرفة المعيشة، وريان جلس في حضنه كأنه يعرفه منذ سنوات. وقفت سلين أمامه، وعيناها لا تفارقانه. "لماذا لم تخبرنا عن وجودك؟" سألت بصوت هادئ. "رامي لم يذكرك أبداً." "لأننا كنا بعيدين..." قال لينار بهدوء. "كانت بيننا خلافات عائلية، وابتعدنا لسنوات. عندما مات، شعرت بالندم. أردت أن أعرف عنه أكثر، فبحثت حتى وجدتكِ أنتِ وريان." "وكيف عرفت أنه ابني؟" "الصور..." قال مبتسماً. "كان يحمل صوركِ في محفظته دائماً. كنت أراها حين كنا صغاراً... عرفتكِ من نظرة." --- في تلك الليلة، بعد أن نام ريان وغادر لينار، جلست سلين في غرفة المعيشة المظلمة، تحدق في الظلام خارج النافذة. كانت ترى وجه لينار أمامها، عينيه الكحليتين العميقتين، وطريقة حديثه الهادئة التي تشبه رامي في بعض الأحيان. أحضرت الدفتر القديم الذي وجدته في صندوق رامي، وفتحته مجدداً. قرأت الكلمات التي كانت تظهر أمامها: "لن أخبرها أبداً. سأموت وهذا السر معي. من الأفضل أن تبقى الأمور كما هي." "ما هذا السر يا رامي؟" همست في الظلام. "ماذا كنت تخفيه عني؟" تذكرت نظرات لينار الغامضة، وكيف بدا وكأنه يعرف شيئاً لا تعرفه هي. كان هناك شيء يخفيه أيضاً. نهضت، وذهبت إلى النافذة، تنظر إلى الحديقة المظلمة تحت ضوء القمر الباهت. "إذا كان هذا الرجل هو لينار... من هو رامي؟ هل كان حقا زوجي؟كيف يخفي عني شيئا كهذا؟!! وما قصة هذا الرجل الذي رأيته اليوم؟" شعرت بأن الأرض تهتز تحت قدميها، وكأن كل ما كانت تعرفه عن ماضيها كان مجرد وهم. --- وفي مكان آخر من المدينة، وقف لينار في غرفته المظلمة. رفع يده ونظر إلى الخاتم الفضيّ في إصبعه، ثم رفع عينيه نحو السقف كمن يخاطب أحداً لا يراه. "كل هذه السنوات..." همس بصوت خافت، يكاد يختنق بذاكرة بعيدة. "وما زلتِ تبحثين... وما زلتِ لا تعرفين أنني..." توقف. لم يكمل الجملة. نهض، واقترب من النافذة، ونظر نحو المنزل البعيد. على شفتيه، ارتسمت ابتسامة خفيفة، ليست سعيدة، بل كمن يعرف شيئاً لا يعرفه الآخرون. "ربما..." همس قبل أن يختفي في الظلام. "ربما لن تعرفين أبداً. لكنني... سأبقى هنا." _________________________ لكن إن كان لينار هو أخو رامي فعلاً... فلماذا كتب رامي في دفتره: «لن أخبرها أبداً»؟ وما الحقيقة التي كان يخشى أن تعرفها سلين عن زوجها الراحل؟ إذا كان لينار قد عاد بعد خمس سنوات ليحمي عائلة أخيه... فلماذا يبدو وكأنه يعرف عن سلين أكثر مما يعرفه أي شخص آخر؟ وما السر الذي مات رامي وهو يحاول إخفاءه عنها؟ لكن السؤال الذي أرعب سلين لم يكن: من هو لينار؟ بل: ماذا كان رامي يخشى أن تعرفه عنه؟استيقظت سيلين على صوت المطر يضرب النافذة. كان الصوت رتيباً، مملاً، كأنه يكرر نفس اللحن الحزين منذ ساعات. لم تفتح عينيها فوراً، بل بقيت مستلقية على ظهرها، تحدق في السقف من خلف جفونها المغلقة، وتستمع إلى صوت المطر الذي كان يشبه دقات ساعة قديمة لا تتوقف. كانت تشعر بثقل في جسدها، كأنها نامت تحت جبل، وكأن كل عظمة في جسدها تحمل وزناً لا يطاق.جلست ببطء، وشعرت بألمها المعتاد في أسفل بطنها، ذلك الألم الذي أصبح رفيقها الدائم منذ ليلة الزفاف. كان الألم يختلف عن أي ألم عرفته من قبل. لم يكن ألماً عضلياً يمكن علاجه بالراحة، ولا ألماً سطحياً يمكن تجاهله. كان ألماً عميقاً، داخلياً، كأنه يأتي من مكان لا تستطيع الوصول إليه، من روحها التي كانت تتفتت كل ليلة.نظرت إلى الجانب الآخر من السرير، فوجدته فارغاً. الفراش كان مرتباً، والوسادة لا تزال تحمل أثر رأسه، لكنه كان قد غادر بالفعل. كانت تعلم أنه يستيقظ باكراً، وأنه يذهب إلى عمله، إلى شركة الأدوية التي يملكها، إلى الإمبراطورية التي بناها في الخفاء. كانت تعلم أنه يعود في المساء، وأنه يأتي إليها كل ليلة، وأنه يفعل ما يريد بجسدها، ثم ينام بجانبها كأن شيئاً ل
استيقظت سيلين على شعور غريب في جسدها، كأنها لم تنم، بل سقطت في بئر مظلم ثم انتشلت منه فجأة. كانت عيناها مفتوحتين، لكنها لم تكن ترى شيئاً. كانت تحدق في السقف الأبيض، وكانت تحاول أن تفهم أين هي، وماذا حدث، ولماذا كان جسدها يؤلمها بهذه الطريقة. كان هناك ثقل غريب في أعضائها، كأن شيئاً ما قد زُرع داخلها، كأن جسدها لم يعد ملكها. ثم عادت الذكريات كموجة سوداء: اليد على رقبتها، القبلة العنيفة، الأصابع الباردة التي كانت تغزو جسدها، الفستان الممزق، ثم القيء، ثم صوته البارد يسأل: "هل وصل الحد بك الى هنا؟" جلست ببطء، وشعرت بألم حاد في أسفل بطنها، كأن شيئاً ما مزق داخلها. نظرت إلى جسدها، فرأت علامات حمراء داكنة على رقبتها، على صدرها، على فخذيها. كانت كدمات، آثار أصابعه، آثار أسنانه، خريطة لألمها، شهادة على ما حدث لها في الليل. نهضت ببطء، وتثاقلت خطواتها نحو الحمام. دخلت، وأغلقت الباب خلفها، ووقفت أمام المرآة. نظرت إلى وجهها الشاحب، وعينيها المنتفختين، وشفتيها المتشققتين، وشعرها المتشابك. نظرت إلى جسدها العاري، وإلى العلامات التي تركها عليها، وإلى اللزوجة بين فخذيها التي كانت تذكرها بأن جسدها ل
كانت خطواتها على الرخام الأبيض تسمع كصدى بعيد، كطبول جنازة بطيئة. سارت سيلين في الممر الطويل المغطى بتلات الورد الأبيض، ويدها في يد لينار، وكأنها تسير نحو حبل المشنقة. كانت تشعر بثقل الفستان الحريري على جسدها، وثقلاً آخر أثقل في صدرها، وثقلاً ثالثاً في قلبها حيث كان ابنها ينتظرها في مكان مجهول. كانت عيون الحضور تتبعها، تلك العيون الباردة الجائعة التي كانت تنظر إليها كفريسة، كشيء ثمين تم اصطياده أخيراً. كانت وجوههم غريبة، لا تعرفها، لكنها كانت تشعر بأنها تنتمي إلى عالم آخر، عالم مظلم، عالم كانت تحاربه طوال حياتها المهنية كضابطة شرطة. والآن، كانت تمشي في وسطه، ترتدي فستاناً أبيض، وتتزوج من ملكه. وصلت إلى المذبح، ووقفت أمام الرجل الذي سيكون زوجها. كانت الموسيقى لا تزال تعزف في الخلفية، لحن كمان حزين كأنه يبكي على ما يحدث. وقف الكاهن أمامهما، وكان رجلاً عجوزاً، ذا وجه شاحب وعينين زائغتين، وكأنه كان مجبراً على أداء هذه المراسم مثلها تماماً. نظر إلى سيلين، ثم إلى لينار، وبدأ يقرأ الكلمات بصوت رتيب، كمن يقرأ نصاً لا يؤمن به. "سيلين..." قال الكاهن، وعيناه تنظران إلى الأرض. "هل تقبلين أ
استيقظت سيلين على صوت المفتاح يدور في القفل، كما حدث كل صباح منذ ثلاثة أيام. لكن هذا الصباح كان مختلفاً. كان هناك شيء في صوت الخطوات، شيء في الطريقة التي فتح بها الباب، شيء في الهواء الذي دخل معه. كانت تعلم أن هذا هو اليوم. جلست على حافة السرير ببطء، وعيناها مثبتتان على الباب. دخل لينار، لكنه لم يكن يحمل صينية الطعام فقط. كان يحمل أيضاً فستاناً أبيض طويلاً، معلقاً بعناية على علاقة خشبية، وكأنه قطعة فنية ثمينة لا تلمس إلا بأيدٍ نظيفة. كان الفستان من الحرير الناعم، مزيناً بتطريزات فضية دقيقة على الصدر والأكمام، وذيل طويل ينساب على الأرض كشلال من الحليب. بدا ثميناً، قديماً، وكأنه صنع خصيصاً لعروس في عصر آخر. كانت هناك أيضاً طرحة طويلة من الدانتيل الأبيض، خفيفة كالضباب، معلقة بجانب الفستان، وكأنها تنتظر من تضعها على رأسها لتخفي وجهها عن العالم. وقف لينار عند الباب للحظة، ينظر إليها. كان يرتدي بدلة سوداء أنيقة، وربطة عنق رمادية، وشعره مصفف بعناية. بدا وكأنه في طريقه إلى حفل رسمي، وكأن هذا اليوم كان يوماً عادياً، وكأنه لم يختطفها، ولم يقيدها، ولم يهددها بابنها. وضع صينية الطعام على الطاو
استيقظت على برد الحديد يلامس كاحلها. لم تفتح عينيها فوراً، بل تركت وعيها يعود ببطء، كمن يصعد من قاع بحر مظلم بعد غرق طويل. كانت رائحة المكان أول ما لاحظته: خشب قديم مشبع بالزمن، غبار ناعم يستقر على كل سطح، ونوع من الزهور المجففة التي كانت تعلق في بيوت جدتها عندما كانت طفلة، تلك الرائحة الحادة الحلوة التي تختلط برائحة العمر الممضوغ. كان هناك أيضاً رائحة خفيفة من البخور أو العود، شيء شرقي ثقيل يكاد يخنق الأنفاس، كأن المكان مصمم ليكون مقبرة جميلة. فتحت عينيها أخيراً، ووجدت نفسها تنظر إلى سقف مرتفع منقوش بزخارف هندسية دقيقة، النقوش كانت معقدة ومتقنة، وكأنها رسمت بيد فنان قديم قضى سنوات في إتقانها. الضوء الخافت كان يتسلل من بين ستائر مخملية ثقيلة بلون النبيذ الداكن، يرسم خطوطاً ذهبية على الجدران الكريمية المعلقة عليها لوحات زيتية لطبيعة صامتة. لم تكن هذه غرفتها، ولا غرفة لينار، ولا أي غرفة عرفتها من قبل. كانت غرفة من عالم آخر، عالم قديم، عالم كان ينتظرها منذ زمن، كأنها وضعت في صندوق ثمين وأغلقت عليه. حاولت الجلوس، فشعرت بثقل غريب في قدمها اليمنى. نظرت إلى أسفل، ورأت سلسالاً حديدياً رفي
سقط المساء على الشقة كغطاء ثقيل من صوف رمادي، يتسلل بين شقوق الستائر القديمة التي لم تغيرها سيلين منذ سنوات. كانت تجلس على حافة السرير، وركبتاها مرتفعتان إلى صدرها، وذراعاها تلتفان حول ساقيها كطفلة تختبئ من عاصفة. كان لينار نائماً على جنبه الأيسر، ووجهه نصف مغمور في الوسادة، ونفسه يخرج بهدوء منتظم يكاد يكون موسيقياً في هدوء الغرفة. تركت عيناها تنسابان فوق ملامحه ببطء، كمن يقرأ كتاباً للمرة الأخيرة قبل أن يحرقه. شعره الأسود القصير المبعثر على وسادته البيضاء بدا كحبر مسكوب على صفحة فارغة. جفونه المغلقة بتكاسل تخفي تلك العيون الكحلية التي كانت تسحرها كلما نظرت إليه. وخداه الناعمان اللذان لمستهم شفتاها مراراً، وشفاهه التي تعرف طعمها كما تعرف طريق منزلها، وكانت تشعر بألم غريب في صدرها وهي تنظر إليه، ألم يشبه الحنين إلى شيء لم تفقده بعد. رفعت يدها ببطء شديد، كأنها تخشى أن توقظه، ووضعتها على صدره. شعرت بدفء جلده ينبض تحت كفها، ونبضات قلبه الثقيلة المنتظمة كساعة قديمة توقفت عن العد ولكنها ما زالت تتحرك. أحنت رأسها قليلاً، ووضعت أذنها على صدره، واستمعت إلى دقات قلبه. كانت تتساءل: كيف يمكن ل