Mag-log inفي زقاق مظلم، كانت امرأة تركض، أنفاسها متقطعة، وخوفها يسبق خطواتها. كانت تحاول الهروب من ظل يطاردها، لكن ساقيها كانتا ترتجفان ولا تحملانها.
"ساعدوني! أرجوكم!" صرخت، لكن صوتها اختنق في الزقاق المظلم، كأن المدينة كلها كانت صماء. توقفت عندما وصلت إلى نهاية الزقاق المسدود. التفتت، ورفعت يديها، والدموع تملأ عينيها: "من أنت؟ ماذا تريد مني؟" لم يجبها أحد. فقط ظل طويل يقترب ببطء، خطواته هادئة كأنها خطوات وحش يتلذذ بمطاردة فريسته. كانت تحاول رؤية وجهه، لكن القبعة السوداء والنظارات الداكنة كانت تخفي ملامحه تماماً. ارتجفت. تذكرت تلك الليلة، حين كانت عائدة إلى منزلها بعد أن طردتها سلين. سمعت محادثة غامضة في زقاق مظلم، كلمات لم تفهمها تماماً، لكنها شعرت بالخوف. كانت تعرف أنها سمعت شيئاً لا يجب أن تسمعه. "سمعتِ شيئاً..." همس الصوت، بارداً، خالياً من أي عاطفة. "سمعتِ ما كان يجب أن تسمعيه." "أنا لم أفهم شيئاً!" بكت. "لم أسمع شيئاً! أرجوك!" لكن الظل لم يتحرك. كان ينتظر. "لكنكِ كنتِ هناك..." همس. "وكنتِ ستفعلين." اقترب منها ببطء، وكأنه يمنحها لحظة أخيرة لتقول شيئاً. لكنها لم تستطع سوى البكاء والتوسل. أمسك بها، وسحبها نحو الحائط البارد. شعرت بشيء حاد يلامس شفتيها، ثم بألم لم تكن تتخيله. صرخت بأعلى صوتها، لكن لا أحد كان ليسمعها. ثم سكت كل شيء. عندما استيقظت المدينة في الصباح، وجدوا جسدها في الزقاق، وشفتاها مفصولتان عن وجهها، وسلسال حديدي ملفوف حول رقبتها. لكن لم يترك القاتل أي أثر، لا بصمات، لا أدلة، لا شيء سوى جثة وصراخ لم يسمعه أحد. وعلى ظهرها، كان هناك حرفان محفوران بعنف: 𝐋𝐍 --- في مكتب التحقيقات - صباح اليوم التالي فتحت سلين الملف، وعيناها تتجولان في التفاصيل أمامها. كانت تعرف هذه المرأة. كانت المربية التي طردتها قبل أيام. وائل كان واقفاً أمامها، وجهه شاحباً: "إنها نفس الحروف LN على ظهرها." "أجل..." قالت سلين بصوت أجش. "كانت مربية ريان الأولى." "ماذا؟" تفاجأ وائل. "التي طردتها؟" "نعم." قالت سلين، وعيناها تضيقان. "لكن لا أعرف لماذا قتلت." صمتت للحظة، ثم تابعت: "ضحايا المستودع الخمسة قتلوا بطريقة مختلفة... أما هذه، فطريقة قتلها وحشية أكثر." "لكن الحروف LN هي نفسها." قال وائل. "نعم..." قالت سلين بتؤدة. "وهذا ما يجعل الأمر أكثر غموضاً." نهضت، وذهبت إلى النافذة، تنظر إلى المدينة المظلمة. "وائل..." قالت. "أريد منك أن تبحث في كل شيء عن هذه المرأة. من كانت؟ ماذا كانت تفعل قبل أن تعمل عندي؟" "فوراً يا رئيسة." خرج وائل من المكتب، وسلين بقيت وحدها تنظر إلى الصور، تتساءل عما كانت تعرفه هذه المرأة. --- في منزل سلين - المساء عادت سلين إلى المنزل متعبة، وقلبها مثقل بيوم طويل من التحقيقات. وقفت عند الباب وضغطت على الجرس، ففتحت لها سعاد الباب، وريان كان واقفاً خلفها. "ماما!" هتف ريان واحتضنها. دخلت سلين، وفوجئت برؤية لينار واقفاً في غرفة المعيشة. توقفت، ونظرت إليه بدهشة: "لينار؟ كيف دخلت؟" نظرت سعاد إلى الأرض بخجل: "آسفة يا سيدتي... ريان أصر على أن يدخل. قال إنه صديقه، وإنه سيكون حزيناً إذا لم يسمح له بالدخول. حاولت منعه، لكنه كان مصمماً." نظرت سلين إلى ريان، الذي كان يبتسم ابتسامة عريضة: "ماما، العم نينو جاء للعب معي!" تنهدت سلين. كانت تعرف أن ريان يحب لينار. "حسناً...لا بأس" قالت بتعب. "شكرا ماما!" قال ريان بسعادة. جلس لينار على الأريكة، ونظر إلى سلين بعينيه الكحليتين العميقتين: "أنا آسف إذا تسببت في إزعاج. ريان أصر، ولم أستطع رفضه." "لا بأس..." قالت سلين، وهي تجلس بجانبه. نظرت إليه، وحاولت قراءة ما خلف عينيه. كان لا يزال غريباً عنها، لكن ريان كان يحبه. "ماما!" هتف ريان، ونهض راكضاً نحوها. "تعالي العبي معنا! العم نينو يعلمني كيف أبني برجاً كبيراً!" نظرت سلين إلى لينار، الذي رفع عينيه الكحليتين نحوها وابتسم ابتسامة خفيفة. "تعبت من العمل...ربما غدا " قالت بتعب. "لا!" أصر ريان، ممسكاً بيدها وساحباً إياها نحو الأرض. "العبِ معنا الآن! من فضلك يا ماما!" تنهدت سلين، لكنها لم تستطع مقاومة إلحاحه. جلست على الأرض بجانبهما، وبدأت تساعد ريان في تركيب المكعبات. كان لينار ينظر إليها بين الحين والآخر، وابتسامته الهادئة كانت تمنحها شعوراً غريباً بالراحة. مرت ساعة كاملة وهم يلعبون. كانت الغرفة تمتلئ بضحكات ريان، وأحياناً بضحكات سلين الخفيفة حين يرتكب لينار خطأً مضحكاً في تركيب المكعبات. كان الوقت يسير ببطء جميل، وكأن العالم الخارجي قد توقف عن الوجود. في إحدى اللحظات، وضع ريان مكعباً في المكان الخطأ، فانهار البرج كله. ضحك الثلاثة بصوت عالٍ، وسلين شعرت للحظة بأنها ليست ضابطة تحقق في قضايا قتل، بل مجرد أم تقضي وقتاً ممتعاً مع ابنها وصديقه. "هيا..." قال لينار وهو يجمع المكعبات. "سنبنيه من جديد، ولكن هذه المرة بشكل أقوى." "أقوى من قبل!" هتف ريان بحماس. نظرت سلين إلى الساعة، فوجدت العقارب تشير إلى السابعة مساءً. كانت دهشت كيف مر الوقت بهذه السرعة. "لقد تأخر الوقت..." قالت. "يجب أن نحضّر العشاء." "أنا جائع!" قال ريان وهو يرفع يديه. ضحكت سلين، ونهضت من على الأرض. لكنها توقفت حين رأت لينار ينهض أيضاً. "دعيني أساعدكِ في تحضير العشاء." قال بهدوء. نظرت إليه سلين بدهشة: "أنت تعرف الطبخ؟" "قليلاً..." ابتسم. "لكنني أتعلم بسرعة." دخل الثلاثة إلى المطبخ. كانت سلين تحضّر المكونات، ولينار يساعدها في تقطيع الخضار، وريان جالس على كرسي صغير يراقبهما. كان لينار ماهراً، وسلين لاحظت ذلك. "أنت ماهر..." قالت. "العزاب يتعلمون بسرعة." قال بهدوء. ابتسمت سلين، وواصلت العمل. كان ريان يثرثر، والضحكات لا تتوقف بين الحين والآخر. بعد نصف ساعة، كان العشاء جاهزاً. جلسوا على الطاولة، وريان بينهما، يأكل بشراهة. "هذا لذيذ يا عم نينو!" قال ريان وفمه ممتلئ. "كل ببطء يا حبيبي..." قالت سلين، لكنها كانت تبتسم. --- بعد العشاء، جلسوا في غرفة المعيشة. ريان كان بين ذراعي لينار، وسلين تنظر إليهما. كانت تشعر بالأمان. "ماما..." همس ريان وهو يغفو. "أحب العم نينو..." ابتسمت سلين، ومسحت على شعره "لقد تأخر الوقت..." قال لينار. "ربما يجب أن أعود." "لا!" هتف ريان وهو يعبس. "ابقَ معنا يا عم نينو!" نظر لينار إلى سلين. تنهدت، ثم ابتسمت: "حسناً... يمكنك البقاء الليلة. هناك غرفة إضافية." أشرق وجه ريان، وقفز من حضن لينار: "تعال! سأريك الغرفة!" ضحك لينار، ونهض خلفه. --- نام ريان بعد أن قرأ له لينار قصة. نزلت سلين إلى غرفة المعيشة، وجلست وحدها تفكر. سمعت خطوات خلفها. التفتت، فوجدت لينار واقفاً عند الباب. "لم تنامي بعد؟" سأل. "لا..." قالت، وهي تشير إلى المقعد بجانبها. "اجلس." جلس بجانبها، ونظر إليها "لينار..." قالت بتردد. "أنت تعيش هنا اخ زوجي وأنا لا أعرف الكثير عنك." ابتسم ابتسامة خفيفة: "ماذا تريدين أن تعرفي؟" "أي شيء..." قالت وهي تنظر إليه. "أين تعمل؟ كيف تعيش؟ لماذا اخترت هذه المدينة؟" نظر إلى السقف للحظة، وكأنه يفكر في إجابته: "أعمل في متجر صغير لبيع الكتب القديمة. ليس راتباً كبيراً، لكنه يكفيني." "الكتب القديمة؟" قالت بدهشة. "هذا جميل." "نعم..." قال وهو يبتسم. "أحب الكتب القديمة. كل كتاب يحمل روح صاحبه السابق، وكأنه يسافر عبر الزمن." نظرت إليه سلين، وشعرت بأن هذه النافذة الصغيرة على عالمه كانت كافية لتجعله أكثر قرباً منها. "وهل تعيش وحدك؟" سألت. "نعم..." قال، وصوته أصبح أكثر هدوءاً. "منذ سنوات طويلة." "ألا تشعر بالوحدة؟" نظر إليها، وابتسم ابتسامة حزينة: "أحياناً... لكنني اعتدت." صمتت سلين لحظة، ثم قالت: "أنا أيضاً... أشعر بالوحدة أحياناً. حتى مع وجود ريان." نظر إليها لينار بعينيه العميقتين: "أنتِ لستِ وحدكِ الآن." شعرت سلين بدفء يخترق صدرها. كانت كلماته بسيطة، لكنها حملت معنى عميقاً. "لينار..." قالت. "لماذا تهتم بنا بهذا الشكل؟ أنت لا تعرفنا منذ وقت طويل." نظر إليها، وبدا وكأنه يفكر في كلماته بعناية: "لأن..." توقف للحظة. "لأن ريان طفل مميز. ولأنكِ امرأة قوية تحاولين حماية ابنكِ وحدكِ. هذا شيء يستحق الاحترام." شعرت سلين بالحرج من كلماته، لكنها أيضاً شعرت بالامتنان. "شكراً..." همست. "على الرحب والسعة." قال بهدوء. وقف لينار، ونظر إليها: "يجب أن أنام. غداً سأذهب إلى المتجر باكراً." "تصبح على خير." قالت سلين. "تصبحين على خير يا سلين." صعد الدرج، وسلين بقيت وحدها في غرفة المعيشة، تفكر في كل ما قاله. كانت تشعر بأنها بدأت تعرفه أكثر، وأنها بدأت تثق به أكثر. --- في صباح اليوم التالي - وقت الإفطار استيقظت سلين متأخرة بعض الشيء، إذ كانت عطلة نهاية الأسبوع ولا عمل اليوم. نزلت إلى المطبخ، فوجدت لينار يحضّر الإفطار، وريان جالساً على الطاولة ينتظر بفارغ الصبر. "صباح الخير..." قالت وهي تدخل. "صباح الخير. الإفطار جاهز." قال لينار وهو يضع الفطائر على الطاولة. جلست سلين، وريان أخذ قطعة من الفطيرة وبدأ يأكل بشراهة: "ماما، العم نينو يحضّر فطائر أفضل منكِ!" ضحكت سلين: "أنا سعيدة لأنك تحبها." نظرت إلى لينار، وابتسمت: "شكراً لك... على كل شيء." "على الرحب والسعة." قال بهدوء. "عم نينو. لماذا لا تبقى معنا للابد..؟" قال ريان بتوسل وعيون مترجية. لقد كان يحب لينار كثيرا. فهو يلعب معه ويجعله يشعر بحنان الاب الذي حرم منه. وحتى والدته بسبب عملها لا تقضي اىمثير من الوقت معه حدقت سلين في ريان قليلا، ثم قالت: "لينار... لقد فكرت في الأمر." "لمذا لا تسكن معنا؟ " قالت، وعيناها تنظران إليه بجدية. "ريان يحبك كثيراً، وأنا... أشعر بالراحة بوجودك. وايضا انت تعيش وحيدا في شقتك. أعرف أن طلبي قد يكون مفاجئاً، لكنني أعتقد أن هذا سيكون جيداً للجميع." نظر إليها لينار، وبدا متأثراً بكلماتها: "سلين... أنا لا أعرف ماذا أقول." "قل نعم!" هتف ريان من على الطاولة، وعيناه تلمعان بأمل. "قل نعم يا عم نينو!" ضحك لينار، ثم نظر إلى سلين: "إذا كنتِ متأكدة من ذلك... فسأكون سعيداً بالبقاء." ابتسمت سلين بارتياح: "أنا متأكدة." "لكن..." قال لينار وهو ينظر إلى ساعته. "يجب أن أذهب إلى متجر الكتب اليوم. لدي بعض الأمور التي يجب أن أنهيها هناك." "وماذا عن أغراضك؟" سألت سلين. "سأذهب إلى شقتي بعد العمل..." قال. "سأجمع أغراضي، وأعود بها إلى هنا." "حسناً..." قالت. "سننتظرك." وقف لينار، وارتدى معطفه: "سأعود قبل المساء." ثم انحنى نحو ريان، وقبّل رأسه: "سأعود لألعب معك يا صغيري." "سأنتظرك!" قال ريان بحماس. خرج لينار من المنزل، وسلين نظرت من النافذة وهو يمشي في الشارع، وهي تشعر بارتياح غريب. --- في المساء - عودة لينار عاد لينار بعد عدة ساعات، وكان يحمل حقيبة كبيرة وحقيبة ظهر. دخل المنزل، فوجد ريان يلعبه على الأرض، وسلين جالسة على الأريكة. "عدت..." قال وهو يضع أغراضه بجانب الباب. "مرحباً بعودتك." قالت سلين وهي تبتسم. "هل أحضرت كل شيء؟" "نعم..." قال وهو ينظر حوله. "هذه كل أغراضي. ليس لدي الكثير." "لا بأس..." قالت. "يمكنك ترتيبها في غرفتك." نظر إليها، وابتسم ابتسامة دافئة: "شكراً لكِ يا سلين... حقاً." "لا داعي لشكري..." قالت. "أنت جزء من هذه العائلة الآن." وقف ريان واقترب من لينار، ونظر إلى حقيبته الكبيرة بفضول: "عم نينو... هل أحضرت معك شيئاً لي؟" ضحك لينار، وانحنى نحوه: "بالطبع يا صغيري..." قال وهو يفتح حقيبته ويخرج كتاباً صغيراً ملوناً. "هذا كتاب قصص للأطفال. وجدته في المتجر وأعجبني، ففكرت فيك." أخذ ريان الكتاب بفرح، وبدأ يقلب صفحاته بحماس: "شكراً يا عم نينو! شكراً!" نظرت سلين إلى المشهد، وشعرت بدفء يخترق صدرها. كانت سعيدة برؤية ابنها بهذه السعادة. --- بعد العشاء جلسوا على الطاولة يتناولون العشاء معاً. كان الجو دافئاً، مليئاً بالضحكات والحديث العابر. ريان كان يتحدث عن يومه، وسلين تبتسم، ولينار يستمع باهتمام. "لينار..." قالت سلين. "هل أنت سعيد هنا؟" نظر إليها، وابتسم: "أكثر مما تتخيلين." "ماما..." قال ريان وهو يضع ملعقته. "الآن أصبح لدينا عم نينو معنا دائماً! هذا يعني أنني لن أكون وحيداً أبداً!" شعرت سلين بغصة في حلقها. كلمات ابنها كانت بسيطة، لكنها حملت معنى عميقاً. "لا يا حبيبي..." قالت وهي تمسح على رأسه. "لن تكون وحيداً أبداً." نظر لينار إلى سلين، وابتسم ابتسامة خفيفة، لكن عينيه كانتا تحملان شيئاً عميقاً لم تستطع تفسيره. _______ في غرفة لينار - بعد منتصف الليل وقف لينار في غرفته المظلمة، ينظر من النافذة إلى الحديقة التي أصبحت جزءاً من حياته. كان يفكر في كل شيء: في سلين، في ريان، في الدفء الذي شعر به اليوم، وفي الرسائل التي تصل إليه من المجهول. أخرج من جيبه هاتفه، وفتح رسالة وصلته قبل ساعات من رقم غير مسجل: "الوقت ينفد. يجب أن تنهي ما بدأته قبل أن يجدوك." قرأها مرتين، ثم أطفأ الشاشة. كان يعلم أن الأيام القادمة ستكون حاسمة، وأنه لا يستطيع التراجع الآن. نظر من النافذة مرة أخرى إلى الحديقة المظلمة، ثم رفع عينيه نحو السماء الملبدة بالغيوم. "سأنهي ما بدأته..." همس في الظلام. "لكن بطريقتي أنا." أغلق الستائر، وأطفأ الضوء، وغرق في الظلام.مر أسبوعان منذ أن بدأت سلين تشعر بأن حياتها تستعيد توازنها، وكأن الهدوء الذي افتقدته لسنوات طويلة قرر أخيراً أن يحط رحاله في منزلها. كان لينار قد أصبح جزءاً لا يتجزأ من روتينها اليومي، جزءاً من صباحاتها التي تبدأ برائحة القهوة الطازجة، ومن عشاءها الذي تعود إلى المنزل لتجده جاهزاً على المائدة، ومن لياليها المتعبة التي تجد فيها صوتاً هادئاً يسألها عن يومها. كانت تثق به، ليس لأنه أخو رامي فقط، بل لأنه كان الوحيد الذي جعلها تشعر بالأمان منذ سنوات طويلة، سنوات ظنت أنها لن ترى فيها أي أمان، سنوات قضتها وحدها تحارب العالم وتحاول حماية ابنها من كل شيء.كان لينار، بوجوده الهادئ، قد ملأ فراغاً كبيراً في حياتها. لم تكن تدرك كم كانت تفتقر إلى هذا الدفء حتى جاء. كان يعتني بريان وكأنه ابنه، يعد له الطعام، يلعب معه، يقرأ له القصص قبل النوم. وكان يعتني بها أيضاً، دون أن تطلب منه ذلك، كأنه يعرف احتياجاتها قبل أن تشعر بها هي نفسها.في أحد الأيام، بينما كانت سلين جالسة في غرفة المعيشة، نظرت إلى لينار وهو يلعب مع ريان على الأرض. كانت الابتسامة على وجه ريان كبيرة جداً، وقلبها امتلأ بدفء لم تشعر به منذ زمن
مر أسبوعان منذ أن بدأت سلين تشعر بأن حياتها تستعيد توازنها، وكأن الهدوء الذي افتقدته لسنوات طويلة قرر أخيراً أن يحط رحاله في منزلها. كان لينار قد أصبح جزءاً لا يتجزأ من روتينها اليومي، جزءاً من صباحاتها التي تبدأ برائحة القهوة الطازجة، ومن عشاءها الذي تعود إلى المنزل لتجده جاهزاً على المائدة، ومن لياليها المتعبة التي تجد فيها صوتاً هادئاً يسألها عن يومها. كانت تثق به، ليس لأنه أخو رامي فقط، بل لأنه كان الوحيد الذي جعلها تشعر بالأمان منذ سنوات طويلة، سنوات ظنت أنها لن ترى فيها أي أمان، سنوات قضتها وحدها تحارب العالم وتحاول حماية ابنها من كل شيء. كان لينار، بوجوده الهادئ، قد ملأ فراغاً كبيراً في حياتها. لم تكن تدرك كم كانت تفتقر إلى هذا الدفء حتى جاء. كان يعتني بريان وكأنه ابنه، يعد له الطعام، يلعب معه، يقرأ له القصص قبل النوم. وكان يعتني بها أيضاً، دون أن تطلب منه ذلك، كأنه يعرف احتياجاتها قبل أن تشعر بها هي نفسها. في أحد الأيام، بينما كانت سلين جالسة في غرفة المعيشة، نظرت إلى لينار وهو يلعب مع ريان على الأرض. كانت الابتسامة على وجه ريان كبيرة جداً، وقلبها امتلأ بدفء لم تشعر به منذ ز
"ريان! إن قبضت عليك هذه المرة، فلن أكتفي بالقرص... سأحرمك من ألعاب الفيديو لأسبوع كامل!" صرخت سلين بصوت يمزج بين الحزم اللطيف ورغبة عارمة في الضحك، وهي تتعقب خطوات ابنها الصغير الذي كان يختبئ بمهارة خلف ستائر غرفة المعيشة الفضية، ملامحه شقية وعيناه تلمعان بمكر طفولي خالص.لكن... في تلك اللحظة بالذات، وسط ضحكاته التي كانت تملأ المكان، تسلل إلى صدرها شعور خفي ومفاجئ بقبضة باردة. شعور غريب بأن هذا الهدوء المؤقت لن يدوم، وبأن شيئاً ما في تفاصيل هذا الصباح يحمل طابع النهاية لشيء ما في حياتها... وكأنها لم تكن تعلم أن هذه الساعة ستكون هي الحد الفاصل قبل أن تنقلب كل موازين أيامها."لن تستطيعي الإمساك بي يا أمي! حتى الشرطة لا تستطيع القبض عليّ!" رد عليها من مخبئه بصوت مرتجف من شدة الضحك.توقفت مكانها فجأة، وأنزلت نظرها نحو الساعة الرقمية المعلقة على الجدار. الوقت يداهمها. هجمت بسرعة خاطفة، محيطة بجسد صغيرها بذراعيها قبل أن يتمكن من الهروب، ورفعته عالياً وسط صرخاته وقهقهاته."أيها المشاغب الصغير، بسببك سأتأخر عن أهم اجتماع أمني في مسيرتي!" عانقته بقوة، دافنة وجهها في شعره الناعم.ليجيبها ببراءت
ظلّت تلك الكلمات العابثة تتردد في رأسها، تضرب جدران جمجمتها كصدى مزعج لا يهدأ، صدى يرفض التلاشي أو الاستسلام للصمت: "كان يجب أن تتذكري قبل أن تبحثي."تلك الليلة البائسة في ذلك المستودع المنسي لم تكن مجرد مهمة أمنية عابرة أو واجباً روتينياً يُضاف إلى سجل عملها؛ بل كانت قطار الماضي الثقيل، الذي حاربَت طويلاً لسنوات وسنوات لدفنه وإخفاء معالمه، قد خرج فجأة عن قضبانه الحديدية ليطاردها بوحشية مطلقة ويجرف في طريقه كل ما أقامت حوله من أسوار واهية. فبينما كانت أجهزة التحقيق وفرق الأدلة الجنائية في تلك اللحظات ترفع البصمات المبعثرة، وتزيل بعناية الجثث الأربع التي عثرت عليها في الغرفة الخلفية المظلمة، كانت سلين تعيش حالة ذهول مطلق وترقب مشحون بالخوف. جثث صامتة وُجدت محتجزة في مخبأ سري محصن، شارة أمنية قديمة ومغبرة تحمل اسمها الشخصي، ورسالة تهديد صريحة لا تقبل التأويل.ومع ذلك، وبعد ساعات طوال شاقة من استجواب العناصر المتاحة، وتوثيق الأدلة، وترتيب الأوراق الرسمية، عادت سلين إلى منزلها في ساعة متأخرة من الليل. كان عقلها يغلي بمزيج سام من التوجس البركاني العارم والقلق المبرح الذي يكاد يفتت أعصابها
مرت الأيام الواحد والعشرون بهدوء مخادع، وكأن العالم قرر أخيراً أن يمنح سلين هدنة قصيرة بعد جحيم المستودع وجثث البوابة الأمنية، تلك الأيام التي بدت وكأنها سكون ما قبل العاصفة المدمرة التي توشك أن تقتلع جذور حياتها المستقرة. خلال هذه المدة الطويلة نسبياً، كانت سعاد —المربية الجديدة— تؤدي عملها بصمت مطبق، متبلدة الملامح غالباً، لكن عينيها الحادتين كانتا تلتقطان تفاصيل دقيقة ومريبة لم تكن لتخفى على مراقب حذر.بدأت القصة في الأسبوع الأول، حين لاحظت سعاد ذلك الرجل الغريب بملابسه السوداء الطويلة ونظاراته الداكنة التي تخفي عينيه تماماً، وهو يقف طويلاً خلف سور الحديقة الخلفية، مراقباً ريان بصمت. شعرت بقشعريرة باردة تسري في عظامها، لكنها بقيت صامتة. كانت تعلم أنها لو تكلمت، ستخسر وظيفتها التي وجدتها بصعوبة، لكن الأهم أنها كانت تخاف من الرجل وتدرك أنه شخص خطير للغاية؛ صمتت لأنها أدركت أن أي كلمة ستكلفها ثمناً باهظاً قد يودي بها إلى الهلاك.وفي إحدى الليالي، بعد أن نام ريان، قررت سعاد أن تتتبعه. خرجت من المنزل بهدوء، واتجهت نحو البوابة الخلفية حيث كان يقف الرجل عادة. لكنها لم تجد أحداً. فقط ظلٌ ي
نام ريان بهدوء، لكن سلين بقيت مستيقظة، تتقلب في فراشها كمن يطارده كابوس لا يريد أن يغادر. رسمة الذئب التي وجدتها على الطاولة الصغيرة بجانب سرير ابنها لا تزال عالقة في ذهنها، تلك العيون الحمراء المرسومة بدقة غريبة، كأنها تنبض بالحياة، تهمس لها بأن هناك شيئاً تخفيه هذه الجدران.نهضت مع أول خيوط الفجر، ونزلت إلى المطبخ تحضّر قهوتها بصمت ثقيل. كانت تفكر في كل شيء: رسمة الذئب، كلمات ريان عن "العم نينو"، وصمت سعاد الغريب الذي بدأ يتحول إلى جدار لا تخترقه الأسئلة.جلست على طاولة المطبخ، وفنجان القهوة بين يديها، وعيناها مثبتتان على الحائط، لكنها لم تكن تراه. كانت ترى رسمة الذئب، ترى عينيه الحمراء، ترى يد ريان الصغيرة وهو يشير إليها ويقول: "العم نينو". من يكون هذا الرجل؟ ولماذا يختبئ خلف اسم وهمي؟ ولماذا اختار ابنها؟مرت سعاد من أمام المطبخ، حاملة صينية الإفطار، وعيناها لا ترتفعان إلى سلين. كانت تتصرف كمن يحاول ألا يلفت الانتباه. نظرت إليها سلين للحظة، ورأت ارتعاشاً خفيفاً في يديها وهي تضع الكأس على الطاولة.وقفت سلين، واتجهت نحوها ببطء:"سعاد... تعالي إلى هنا."تجمدت سعاد في مكانها. التفتت بب