เข้าสู่ระบบفي زقاق مظلم، كانت امرأة تركض، أنفاسها متقطعة، وخوفها يسبق خطواتها. كانت تحاول الهروب من ظل يطاردها، لكن ساقيها كانتا ترتجفان ولا تحملانها.
"ساعدوني! أرجوكم!" صرخت، لكن صوتها اختنق في الزقاق المظلم، كأن المدينة كلها كانت صماء. توقفت عندما وصلت إلى نهاية الزقاق المسدود. التفتت، ورفعت يديها، والدموع تملأ عينيها: "من أنت؟ ماذا تريد مني؟" لم يجبها أحد. فقط ظل طويل يقترب ببطء، خطواته هادئة كأنها خطوات وحش يتلذذ بمطاردة فريسته. كانت تحاول رؤية وجهه، لكن القبعة السوداء والنظارات الداكنة كانت تخفي ملامحه تماماً. ارتجفت. تذكرت تلك الليلة، حين كانت عائدة إلى منزلها بعد أن طردتها سلين. سمعت محادثة غامضة في زقاق مظلم، كلمات لم تفهمها تماماً، لكنها شعرت بالخوف. كانت تعرف أنها سمعت شيئاً لا يجب أن تسمعه. "سمعتِ شيئاً..." همس الصوت، بارداً، خالياً من أي عاطفة. "سمعتِ ما كان يجب أن تسمعيه." "أنا لم أفهم شيئاً!" بكت. "لم أسمع شيئاً! أرجوك!" لكن الظل لم يتحرك. كان ينتظر. "لكنكِ كنتِ هناك..." همس. "وكنتِ ستفعلين." اقترب منها ببطء، وكأنه يمنحها لحظة أخيرة لتقول شيئاً. لكنها لم تستطع سوى البكاء والتوسل. أمسك بها، وسحبها نحو الحائط البارد. شعرت بشيء حاد يلامس شفتيها، ثم بألم لم تكن تتخيله. صرخت بأعلى صوتها، لكن لا أحد كان ليسمعها. ثم سكت كل شيء. عندما استيقظت المدينة في الصباح، وجدوا جسدها في الزقاق، وشفتاها مفصولتان عن وجهها، وسلسال حديدي ملفوف حول رقبتها. لكن لم يترك القاتل أي أثر، لا بصمات، لا أدلة، لا شيء سوى جثة وصراخ لم يسمعه أحد. وعلى ظهرها، كان هناك حرفان محفوران بعنف: 𝐋𝐍 --- في مكتب التحقيقات - صباح اليوم التالي فتحت سلين الملف، وعيناها تتجولان في التفاصيل أمامها. كانت تعرف هذه المرأة. كانت المربية التي طردتها قبل أيام. وائل كان واقفاً أمامها، وجهه شاحباً: "إنها نفس الحروف LN على ظهرها." "أجل..." قالت سلين بصوت أجش. "كانت مربية ريان الأولى." "ماذا؟" تفاجأ وائل. "التي طردتها؟" "نعم." قالت سلين، وعيناها تضيقان. "لكن لا أعرف لماذا قتلت." صمتت للحظة، ثم تابعت: "ضحايا المستودع الخمسة قتلوا بطريقة مختلفة... أما هذه، فطريقة قتلها وحشية أكثر." "لكن الحروف LN هي نفسها." قال وائل. "نعم..." قالت سلين بتؤدة. "وهذا ما يجعل الأمر أكثر غموضاً." نهضت، وذهبت إلى النافذة، تنظر إلى المدينة المظلمة. "وائل..." قالت. "أريد منك أن تبحث في كل شيء عن هذه المرأة. من كانت؟ ماذا كانت تفعل قبل أن تعمل عندي؟" "فوراً يا رئيسة." خرج وائل من المكتب، وسلين بقيت وحدها تنظر إلى الصور، تتساءل عما كانت تعرفه هذه المرأة. --- في منزل سلين - المساء عادت سلين إلى المنزل متعبة، وقلبها مثقل بيوم طويل من التحقيقات. وقفت عند الباب وضغطت على الجرس، ففتحت لها سعاد الباب، وريان كان واقفاً خلفها. "ماما!" هتف ريان واحتضنها. دخلت سلين، وفوجئت برؤية لينار واقفاً في غرفة المعيشة. توقفت، ونظرت إليه بدهشة: "لينار؟ كيف دخلت؟" نظرت سعاد إلى الأرض بخجل: "آسفة يا سيدتي... ريان أصر على أن يدخل. قال إنه صديقه، وإنه سيكون حزيناً إذا لم يسمح له بالدخول. حاولت منعه، لكنه كان مصمماً." نظرت سلين إلى ريان، الذي كان يبتسم ابتسامة عريضة: "ماما، العم نينو جاء للعب معي!" تنهدت سلين. كانت تعرف أن ريان يحب لينار. "حسناً...لا بأس" قالت بتعب. "شكرا ماما!" قال ريان بسعادة. جلس لينار على الأريكة، ونظر إلى سلين بعينيه الكحليتين العميقتين: "أنا آسف إذا تسببت في إزعاج. ريان أصر، ولم أستطع رفضه." "لا بأس..." قالت سلين، وهي تجلس بجانبه. نظرت إليه، وحاولت قراءة ما خلف عينيه. كان لا يزال غريباً عنها، لكن ريان كان يحبه. "ماما!" هتف ريان، ونهض راكضاً نحوها. "تعالي العبي معنا! العم نينو يعلمني كيف أبني برجاً كبيراً!" نظرت سلين إلى لينار، الذي رفع عينيه الكحليتين نحوها وابتسم ابتسامة خفيفة. "تعبت من العمل...ربما غدا " قالت بتعب. "لا!" أصر ريان، ممسكاً بيدها وساحباً إياها نحو الأرض. "العبِ معنا الآن! من فضلك يا ماما!" تنهدت سلين، لكنها لم تستطع مقاومة إلحاحه. جلست على الأرض بجانبهما، وبدأت تساعد ريان في تركيب المكعبات. كان لينار ينظر إليها بين الحين والآخر، وابتسامته الهادئة كانت تمنحها شعوراً غريباً بالراحة. مرت ساعة كاملة وهم يلعبون. كانت الغرفة تمتلئ بضحكات ريان، وأحياناً بضحكات سلين الخفيفة حين يرتكب لينار خطأً مضحكاً في تركيب المكعبات. كان الوقت يسير ببطء جميل، وكأن العالم الخارجي قد توقف عن الوجود. في إحدى اللحظات، وضع ريان مكعباً في المكان الخطأ، فانهار البرج كله. ضحك الثلاثة بصوت عالٍ، وسلين شعرت للحظة بأنها ليست ضابطة تحقق في قضايا قتل، بل مجرد أم تقضي وقتاً ممتعاً مع ابنها وصديقه. "هيا..." قال لينار وهو يجمع المكعبات. "سنبنيه من جديد، ولكن هذه المرة بشكل أقوى." "أقوى من قبل!" هتف ريان بحماس. نظرت سلين إلى الساعة، فوجدت العقارب تشير إلى السابعة مساءً. كانت دهشت كيف مر الوقت بهذه السرعة. "لقد تأخر الوقت..." قالت. "يجب أن نحضّر العشاء." "أنا جائع!" قال ريان وهو يرفع يديه. ضحكت سلين، ونهضت من على الأرض. لكنها توقفت حين رأت لينار ينهض أيضاً. "دعيني أساعدكِ في تحضير العشاء." قال بهدوء. نظرت إليه سلين بدهشة: "أنت تعرف الطبخ؟" "قليلاً..." ابتسم. "لكنني أتعلم بسرعة." دخل الثلاثة إلى المطبخ. كانت سلين تحضّر المكونات، ولينار يساعدها في تقطيع الخضار، وريان جالس على كرسي صغير يراقبهما. كان لينار ماهراً، وسلين لاحظت ذلك. "أنت ماهر..." قالت. "العزاب يتعلمون بسرعة." قال بهدوء. ابتسمت سلين، وواصلت العمل. كان ريان يثرثر، والضحكات لا تتوقف بين الحين والآخر. بعد نصف ساعة، كان العشاء جاهزاً. جلسوا على الطاولة، وريان بينهما، يأكل بشراهة. "هذا لذيذ يا عم نينو!" قال ريان وفمه ممتلئ. "كل ببطء يا حبيبي..." قالت سلين، لكنها كانت تبتسم. --- بعد العشاء، جلسوا في غرفة المعيشة. ريان كان بين ذراعي لينار، وسلين تنظر إليهما. كانت تشعر بالأمان. "ماما..." همس ريان وهو يغفو. "أحب العم نينو..." ابتسمت سلين، ومسحت على شعره "لقد تأخر الوقت..." قال لينار. "ربما يجب أن أعود." "لا!" هتف ريان وهو يعبس. "ابقَ معنا يا عم نينو!" نظر لينار إلى سلين. تنهدت، ثم ابتسمت: "حسناً... يمكنك البقاء الليلة. هناك غرفة إضافية." أشرق وجه ريان، وقفز من حضن لينار: "تعال! سأريك الغرفة!" ضحك لينار، ونهض خلفه. --- نام ريان بعد أن قرأ له لينار قصة. نزلت سلين إلى غرفة المعيشة، وجلست وحدها تفكر. سمعت خطوات خلفها. التفتت، فوجدت لينار واقفاً عند الباب. "لم تنامي بعد؟" سأل. "لا..." قالت، وهي تشير إلى المقعد بجانبها. "اجلس." جلس بجانبها، ونظر إليها "لينار..." قالت بتردد. "أنت تعيش هنا اخ زوجي وأنا لا أعرف الكثير عنك." ابتسم ابتسامة خفيفة: "ماذا تريدين أن تعرفي؟" "أي شيء..." قالت وهي تنظر إليه. "أين تعمل؟ كيف تعيش؟ لماذا اخترت هذه المدينة؟" نظر إلى السقف للحظة، وكأنه يفكر في إجابته: "أعمل في متجر صغير لبيع الكتب القديمة. ليس راتباً كبيراً، لكنه يكفيني." "الكتب القديمة؟" قالت بدهشة. "هذا جميل." "نعم..." قال وهو يبتسم. "أحب الكتب القديمة. كل كتاب يحمل روح صاحبه السابق، وكأنه يسافر عبر الزمن." نظرت إليه سلين، وشعرت بأن هذه النافذة الصغيرة على عالمه كانت كافية لتجعله أكثر قرباً منها. "وهل تعيش وحدك؟" سألت. "نعم..." قال، وصوته أصبح أكثر هدوءاً. "منذ سنوات طويلة." "ألا تشعر بالوحدة؟" نظر إليها، وابتسم ابتسامة حزينة: "أحياناً... لكنني اعتدت." صمتت سلين لحظة، ثم قالت: "أنا أيضاً... أشعر بالوحدة أحياناً. حتى مع وجود ريان." نظر إليها لينار بعينيه العميقتين: "أنتِ لستِ وحدكِ الآن." شعرت سلين بدفء يخترق صدرها. كانت كلماته بسيطة، لكنها حملت معنى عميقاً. "لينار..." قالت. "لماذا تهتم بنا بهذا الشكل؟ أنت لا تعرفنا منذ وقت طويل." نظر إليها، وبدا وكأنه يفكر في كلماته بعناية: "لأن..." توقف للحظة. "لأن ريان طفل مميز. ولأنكِ امرأة قوية تحاولين حماية ابنكِ وحدكِ. هذا شيء يستحق الاحترام." شعرت سلين بالحرج من كلماته، لكنها أيضاً شعرت بالامتنان. "شكراً..." همست. "على الرحب والسعة." قال بهدوء. وقف لينار، ونظر إليها: "يجب أن أنام. غداً سأذهب إلى المتجر باكراً." "تصبح على خير." قالت سلين. "تصبحين على خير يا سلين." صعد الدرج، وسلين بقيت وحدها في غرفة المعيشة، تفكر في كل ما قاله. كانت تشعر بأنها بدأت تعرفه أكثر، وأنها بدأت تثق به أكثر. --- في صباح اليوم التالي - وقت الإفطار استيقظت سلين متأخرة بعض الشيء، إذ كانت عطلة نهاية الأسبوع ولا عمل اليوم. نزلت إلى المطبخ، فوجدت لينار يحضّر الإفطار، وريان جالساً على الطاولة ينتظر بفارغ الصبر. "صباح الخير..." قالت وهي تدخل. "صباح الخير. الإفطار جاهز." قال لينار وهو يضع الفطائر على الطاولة. جلست سلين، وريان أخذ قطعة من الفطيرة وبدأ يأكل بشراهة: "ماما، العم نينو يحضّر فطائر أفضل منكِ!" ضحكت سلين: "أنا سعيدة لأنك تحبها." نظرت إلى لينار، وابتسمت: "شكراً لك... على كل شيء." "على الرحب والسعة." قال بهدوء. "عم نينو. لماذا لا تبقى معنا للابد..؟" قال ريان بتوسل وعيون مترجية. لقد كان يحب لينار كثيرا. فهو يلعب معه ويجعله يشعر بحنان الاب الذي حرم منه. وحتى والدته بسبب عملها لا تقضي اىمثير من الوقت معه حدقت سلين في ريان قليلا، ثم قالت: "لينار... لقد فكرت في الأمر." "لمذا لا تسكن معنا؟ " قالت، وعيناها تنظران إليه بجدية. "ريان يحبك كثيراً، وأنا... أشعر بالراحة بوجودك. وايضا انت تعيش وحيدا في شقتك. أعرف أن طلبي قد يكون مفاجئاً، لكنني أعتقد أن هذا سيكون جيداً للجميع." نظر إليها لينار، وبدا متأثراً بكلماتها: "سلين... أنا لا أعرف ماذا أقول." "قل نعم!" هتف ريان من على الطاولة، وعيناه تلمعان بأمل. "قل نعم يا عم نينو!" ضحك لينار، ثم نظر إلى سلين: "إذا كنتِ متأكدة من ذلك... فسأكون سعيداً بالبقاء." ابتسمت سلين بارتياح: "أنا متأكدة." "لكن..." قال لينار وهو ينظر إلى ساعته. "يجب أن أذهب إلى متجر الكتب اليوم. لدي بعض الأمور التي يجب أن أنهيها هناك." "وماذا عن أغراضك؟" سألت سلين. "سأذهب إلى شقتي بعد العمل..." قال. "سأجمع أغراضي، وأعود بها إلى هنا." "حسناً..." قالت. "سننتظرك." وقف لينار، وارتدى معطفه: "سأعود قبل المساء." ثم انحنى نحو ريان، وقبّل رأسه: "سأعود لألعب معك يا صغيري." "سأنتظرك!" قال ريان بحماس. خرج لينار من المنزل، وسلين نظرت من النافذة وهو يمشي في الشارع، وهي تشعر بارتياح غريب. --- في المساء - عودة لينار عاد لينار بعد عدة ساعات، وكان يحمل حقيبة كبيرة وحقيبة ظهر. دخل المنزل، فوجد ريان يلعبه على الأرض، وسلين جالسة على الأريكة. "عدت..." قال وهو يضع أغراضه بجانب الباب. "مرحباً بعودتك." قالت سلين وهي تبتسم. "هل أحضرت كل شيء؟" "نعم..." قال وهو ينظر حوله. "هذه كل أغراضي. ليس لدي الكثير." "لا بأس..." قالت. "يمكنك ترتيبها في غرفتك." نظر إليها، وابتسم ابتسامة دافئة: "شكراً لكِ يا سلين... حقاً." "لا داعي لشكري..." قالت. "أنت جزء من هذه العائلة الآن." وقف ريان واقترب من لينار، ونظر إلى حقيبته الكبيرة بفضول: "عم نينو... هل أحضرت معك شيئاً لي؟" ضحك لينار، وانحنى نحوه: "بالطبع يا صغيري..." قال وهو يفتح حقيبته ويخرج كتاباً صغيراً ملوناً. "هذا كتاب قصص للأطفال. وجدته في المتجر وأعجبني، ففكرت فيك." أخذ ريان الكتاب بفرح، وبدأ يقلب صفحاته بحماس: "شكراً يا عم نينو! شكراً!" نظرت سلين إلى المشهد، وشعرت بدفء يخترق صدرها. كانت سعيدة برؤية ابنها بهذه السعادة. --- بعد العشاء جلسوا على الطاولة يتناولون العشاء معاً. كان الجو دافئاً، مليئاً بالضحكات والحديث العابر. ريان كان يتحدث عن يومه، وسلين تبتسم، ولينار يستمع باهتمام. "لينار..." قالت سلين. "هل أنت سعيد هنا؟" نظر إليها، وابتسم: "أكثر مما تتخيلين." "ماما..." قال ريان وهو يضع ملعقته. "الآن أصبح لدينا عم نينو معنا دائماً! هذا يعني أنني لن أكون وحيداً أبداً!" شعرت سلين بغصة في حلقها. كلمات ابنها كانت بسيطة، لكنها حملت معنى عميقاً. "لا يا حبيبي..." قالت وهي تمسح على رأسه. "لن تكون وحيداً أبداً." نظر لينار إلى سلين، وابتسم ابتسامة خفيفة، لكن عينيه كانتا تحملان شيئاً عميقاً لم تستطع تفسيره. _______ في غرفة لينار - بعد منتصف الليل وقف لينار في غرفته المظلمة، ينظر من النافذة إلى الحديقة التي أصبحت جزءاً من حياته. كان يفكر في كل شيء: في سلين، في ريان، في الدفء الذي شعر به اليوم، وفي الرسائل التي تصل إليه من المجهول. أخرج من جيبه هاتفه، وفتح رسالة وصلته قبل ساعات من رقم غير مسجل: "الوقت ينفد. يجب أن تنهي ما بدأته قبل أن يجدوك." قرأها مرتين، ثم أطفأ الشاشة. كان يعلم أن الأيام القادمة ستكون حاسمة، وأنه لا يستطيع التراجع الآن. نظر من النافذة مرة أخرى إلى الحديقة المظلمة، ثم رفع عينيه نحو السماء الملبدة بالغيوم. "سأنهي ما بدأته..." همس في الظلام. "لكن بطريقتي أنا." أغلق الستائر، وأطفأ الضوء، وغرق في الظلام. _______________________ إذا كان لينار قد دخل هذا المنزل ليحمي عائلة أخيه... فلماذا يبدو أن شخصاً آخر كان ينتظره هنا منذ سنوات؟ ماذا لو لم يكن لينار هو من يطارد الأسرار... بل كان هو نفسه أحد أسرارها؟استيقظت سيلين على صوت المطر يضرب النافذة. كان الصوت رتيباً، مملاً، كأنه يكرر نفس اللحن الحزين منذ ساعات. لم تفتح عينيها فوراً، بل بقيت مستلقية على ظهرها، تحدق في السقف من خلف جفونها المغلقة، وتستمع إلى صوت المطر الذي كان يشبه دقات ساعة قديمة لا تتوقف. كانت تشعر بثقل في جسدها، كأنها نامت تحت جبل، وكأن كل عظمة في جسدها تحمل وزناً لا يطاق.جلست ببطء، وشعرت بألمها المعتاد في أسفل بطنها، ذلك الألم الذي أصبح رفيقها الدائم منذ ليلة الزفاف. كان الألم يختلف عن أي ألم عرفته من قبل. لم يكن ألماً عضلياً يمكن علاجه بالراحة، ولا ألماً سطحياً يمكن تجاهله. كان ألماً عميقاً، داخلياً، كأنه يأتي من مكان لا تستطيع الوصول إليه، من روحها التي كانت تتفتت كل ليلة.نظرت إلى الجانب الآخر من السرير، فوجدته فارغاً. الفراش كان مرتباً، والوسادة لا تزال تحمل أثر رأسه، لكنه كان قد غادر بالفعل. كانت تعلم أنه يستيقظ باكراً، وأنه يذهب إلى عمله، إلى شركة الأدوية التي يملكها، إلى الإمبراطورية التي بناها في الخفاء. كانت تعلم أنه يعود في المساء، وأنه يأتي إليها كل ليلة، وأنه يفعل ما يريد بجسدها، ثم ينام بجانبها كأن شيئاً ل
استيقظت سيلين على شعور غريب في جسدها، كأنها لم تنم، بل سقطت في بئر مظلم ثم انتشلت منه فجأة. كانت عيناها مفتوحتين، لكنها لم تكن ترى شيئاً. كانت تحدق في السقف الأبيض، وكانت تحاول أن تفهم أين هي، وماذا حدث، ولماذا كان جسدها يؤلمها بهذه الطريقة. كان هناك ثقل غريب في أعضائها، كأن شيئاً ما قد زُرع داخلها، كأن جسدها لم يعد ملكها. ثم عادت الذكريات كموجة سوداء: اليد على رقبتها، القبلة العنيفة، الأصابع الباردة التي كانت تغزو جسدها، الفستان الممزق، ثم القيء، ثم صوته البارد يسأل: "هل وصل الحد بك الى هنا؟" جلست ببطء، وشعرت بألم حاد في أسفل بطنها، كأن شيئاً ما مزق داخلها. نظرت إلى جسدها، فرأت علامات حمراء داكنة على رقبتها، على صدرها، على فخذيها. كانت كدمات، آثار أصابعه، آثار أسنانه، خريطة لألمها، شهادة على ما حدث لها في الليل. نهضت ببطء، وتثاقلت خطواتها نحو الحمام. دخلت، وأغلقت الباب خلفها، ووقفت أمام المرآة. نظرت إلى وجهها الشاحب، وعينيها المنتفختين، وشفتيها المتشققتين، وشعرها المتشابك. نظرت إلى جسدها العاري، وإلى العلامات التي تركها عليها، وإلى اللزوجة بين فخذيها التي كانت تذكرها بأن جسدها ل
كانت خطواتها على الرخام الأبيض تسمع كصدى بعيد، كطبول جنازة بطيئة. سارت سيلين في الممر الطويل المغطى بتلات الورد الأبيض، ويدها في يد لينار، وكأنها تسير نحو حبل المشنقة. كانت تشعر بثقل الفستان الحريري على جسدها، وثقلاً آخر أثقل في صدرها، وثقلاً ثالثاً في قلبها حيث كان ابنها ينتظرها في مكان مجهول. كانت عيون الحضور تتبعها، تلك العيون الباردة الجائعة التي كانت تنظر إليها كفريسة، كشيء ثمين تم اصطياده أخيراً. كانت وجوههم غريبة، لا تعرفها، لكنها كانت تشعر بأنها تنتمي إلى عالم آخر، عالم مظلم، عالم كانت تحاربه طوال حياتها المهنية كضابطة شرطة. والآن، كانت تمشي في وسطه، ترتدي فستاناً أبيض، وتتزوج من ملكه. وصلت إلى المذبح، ووقفت أمام الرجل الذي سيكون زوجها. كانت الموسيقى لا تزال تعزف في الخلفية، لحن كمان حزين كأنه يبكي على ما يحدث. وقف الكاهن أمامهما، وكان رجلاً عجوزاً، ذا وجه شاحب وعينين زائغتين، وكأنه كان مجبراً على أداء هذه المراسم مثلها تماماً. نظر إلى سيلين، ثم إلى لينار، وبدأ يقرأ الكلمات بصوت رتيب، كمن يقرأ نصاً لا يؤمن به. "سيلين..." قال الكاهن، وعيناه تنظران إلى الأرض. "هل تقبلين أ
استيقظت سيلين على صوت المفتاح يدور في القفل، كما حدث كل صباح منذ ثلاثة أيام. لكن هذا الصباح كان مختلفاً. كان هناك شيء في صوت الخطوات، شيء في الطريقة التي فتح بها الباب، شيء في الهواء الذي دخل معه. كانت تعلم أن هذا هو اليوم. جلست على حافة السرير ببطء، وعيناها مثبتتان على الباب. دخل لينار، لكنه لم يكن يحمل صينية الطعام فقط. كان يحمل أيضاً فستاناً أبيض طويلاً، معلقاً بعناية على علاقة خشبية، وكأنه قطعة فنية ثمينة لا تلمس إلا بأيدٍ نظيفة. كان الفستان من الحرير الناعم، مزيناً بتطريزات فضية دقيقة على الصدر والأكمام، وذيل طويل ينساب على الأرض كشلال من الحليب. بدا ثميناً، قديماً، وكأنه صنع خصيصاً لعروس في عصر آخر. كانت هناك أيضاً طرحة طويلة من الدانتيل الأبيض، خفيفة كالضباب، معلقة بجانب الفستان، وكأنها تنتظر من تضعها على رأسها لتخفي وجهها عن العالم. وقف لينار عند الباب للحظة، ينظر إليها. كان يرتدي بدلة سوداء أنيقة، وربطة عنق رمادية، وشعره مصفف بعناية. بدا وكأنه في طريقه إلى حفل رسمي، وكأن هذا اليوم كان يوماً عادياً، وكأنه لم يختطفها، ولم يقيدها، ولم يهددها بابنها. وضع صينية الطعام على الطاو
استيقظت على برد الحديد يلامس كاحلها. لم تفتح عينيها فوراً، بل تركت وعيها يعود ببطء، كمن يصعد من قاع بحر مظلم بعد غرق طويل. كانت رائحة المكان أول ما لاحظته: خشب قديم مشبع بالزمن، غبار ناعم يستقر على كل سطح، ونوع من الزهور المجففة التي كانت تعلق في بيوت جدتها عندما كانت طفلة، تلك الرائحة الحادة الحلوة التي تختلط برائحة العمر الممضوغ. كان هناك أيضاً رائحة خفيفة من البخور أو العود، شيء شرقي ثقيل يكاد يخنق الأنفاس، كأن المكان مصمم ليكون مقبرة جميلة. فتحت عينيها أخيراً، ووجدت نفسها تنظر إلى سقف مرتفع منقوش بزخارف هندسية دقيقة، النقوش كانت معقدة ومتقنة، وكأنها رسمت بيد فنان قديم قضى سنوات في إتقانها. الضوء الخافت كان يتسلل من بين ستائر مخملية ثقيلة بلون النبيذ الداكن، يرسم خطوطاً ذهبية على الجدران الكريمية المعلقة عليها لوحات زيتية لطبيعة صامتة. لم تكن هذه غرفتها، ولا غرفة لينار، ولا أي غرفة عرفتها من قبل. كانت غرفة من عالم آخر، عالم قديم، عالم كان ينتظرها منذ زمن، كأنها وضعت في صندوق ثمين وأغلقت عليه. حاولت الجلوس، فشعرت بثقل غريب في قدمها اليمنى. نظرت إلى أسفل، ورأت سلسالاً حديدياً رفي
سقط المساء على الشقة كغطاء ثقيل من صوف رمادي، يتسلل بين شقوق الستائر القديمة التي لم تغيرها سيلين منذ سنوات. كانت تجلس على حافة السرير، وركبتاها مرتفعتان إلى صدرها، وذراعاها تلتفان حول ساقيها كطفلة تختبئ من عاصفة. كان لينار نائماً على جنبه الأيسر، ووجهه نصف مغمور في الوسادة، ونفسه يخرج بهدوء منتظم يكاد يكون موسيقياً في هدوء الغرفة. تركت عيناها تنسابان فوق ملامحه ببطء، كمن يقرأ كتاباً للمرة الأخيرة قبل أن يحرقه. شعره الأسود القصير المبعثر على وسادته البيضاء بدا كحبر مسكوب على صفحة فارغة. جفونه المغلقة بتكاسل تخفي تلك العيون الكحلية التي كانت تسحرها كلما نظرت إليه. وخداه الناعمان اللذان لمستهم شفتاها مراراً، وشفاهه التي تعرف طعمها كما تعرف طريق منزلها، وكانت تشعر بألم غريب في صدرها وهي تنظر إليه، ألم يشبه الحنين إلى شيء لم تفقده بعد. رفعت يدها ببطء شديد، كأنها تخشى أن توقظه، ووضعتها على صدره. شعرت بدفء جلده ينبض تحت كفها، ونبضات قلبه الثقيلة المنتظمة كساعة قديمة توقفت عن العد ولكنها ما زالت تتحرك. أحنت رأسها قليلاً، ووضعت أذنها على صدره، واستمعت إلى دقات قلبه. كانت تتساءل: كيف يمكن ل