LOGINالفصل السادس: محطة القطار القديمة
لم ينم أحد تلك الليلة. بقي المنزل القديم غارقًا في صمت ثقيل، بينما كانت الرياح تمر بين الأشجار المحيطة به وتصدر أصواتًا متقطعة خلف النوافذ. جلس آدم أمام المدفأة الحجرية التي لم تعد تشتعل، يتأمل الأوراق والوثائق التي وجدوها داخل القبو، بينما كانت ليان تجلس على الأريكة المقابلة، تمسك ساعة والدها بين يديها. كانت الساعة قديمة، لكن عقاربها ما زالت تعمل. كلما فتحت غطاءها، ظهرت أمامها صورتها وهي طفلة، وتحتها العبارة التي نقشها والدها: "إلى ليان... الحقيقة تحتاج إلى الشجاعة أكثر مما تحتاج إلى القوة." مررت إصبعها فوق الكلمات بحنان. لم تكن تعرف لماذا شعرت بأن والدها يحاول التحدث إليها من خلال كل شيء تركه خلفه. لم يكن يترك لها مجرد أدلة. كان يترك لها طريقًا. طريقًا لم تكن مستعدة للسير فيه عندما كان حيًا. لكنها الآن لم تعد تملك خيارًا آخر. قطع كريم الصمت وهو يقلب صفحات دفتر الملاحظات الذي وجدوه داخل الصندوق. قال: "هناك شيء غريب." رفع آدم رأسه. "ماذا؟" أشار كريم إلى الصفحة الأخيرة. "الاسم الذي وجدناه... الدكتور سليم النجار." اقترب آدم منه. كان الاسم مكتوبًا بخط مرتجف، وتحته تاريخ يعود إلى خمسة عشر عامًا. قال آدم: "ابحث عنه." فتح كريم حاسوبه المحمول، وبدأ يبحث في قواعد البيانات القديمة. مرت دقائق. ثم عقد حاجبيه. "الغريب أن المعلومات عنه قليلة جدًا." قالت ليان: "ماذا وجدت؟" أجاب: "كان مستشارًا ماليًا للشركة. عمل مع والدك ووالد آدم لعدة سنوات." سأل آدم: "وماذا حدث له؟" واصل كريم البحث. ثم قال: "اختفى." قال مازن: "اختفى؟" "نعم. آخر ظهور رسمي له كان قبل انهيار الشركة بأيام." تدخل سليم؟ لم يكن سليم معهم بعد. أعاد كريم النظر إلى الشاشة. "هناك شيء آخر." اقترب آدم. قال كريم: "تم حذف معظم ملفاته من السجلات الرسمية بعد اختفائه." قالت ليان: "من يستطيع فعل ذلك؟" رفع كريم كتفيه. "شخص يملك صلاحيات كبيرة." نظر آدم إلى مازن. ثم قال: "نادر الكيلاني." لم يجب مازن. كان واقفًا بالقرب من النافذة، يراقب الحديقة المظلمة. لاحظت ليان توتره. قالت: "مازن... هل تعرف الدكتور سليم؟" استدار ببطء. "نعم." تبادل آدم وكريم النظرات. تابع مازن: "كنت أعرفه." سأله آدم: "لماذا لم تخبرنا من قبل؟" أجاب: "لأنني لم أكن متأكدًا من أنه ما زال حيًا." قالت ليان: "وماذا تعرف عنه؟" تنهد مازن. "كان رجلًا ذكيًا جدًا. لم يكن يثق بسهولة بأحد، وكان دائمًا يحذر والدك من الحسابات التي تمر عبر الشركة." سأله آدم: "هل كان يعرف شيئًا عن الظل؟" صمت مازن. ثم قال: "ربما." اقترب آدم منه. "ماذا يعني ربما؟" خفض مازن عينيه. "كان الدكتور سليم أول من أخبر والدك أن هناك أموالًا تتحرك خارج النظام." قال كريم: "إذن هو من اكتشف الاختلاس." أومأ مازن. "كان أول من لاحظ ذلك." قالت ليان: "إذن علينا العثور عليه." نظر إليها مازن. "إذا كان لا يزال حيًا." بعد ساعة، كانوا يجلسون حول الطاولة في غرفة المعيشة. كانت الأوراق موزعة أمامهم، والخرائط القديمة معلقة على الجدار. أخرج كريم خريطة للمدينة. قال: "إذا اختفى سليم قبل انهيار الشركة مباشرة، فمن المحتمل أنه غادر المدينة." قال آدم: "أو أُجبر على الاختفاء." سألته ليان: "هل تعتقد أنه يعرف من هو الظل؟" أجاب: "أعتقد أنه يعرف أكثر مما قاله والدك في التسجيل." قال مازن: "ربما يكون الدكتور سليم هو الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يخبرنا بما حدث في الأيام الأخيرة." وفجأة... رن هاتف ياسر. كان قد جلس في غرفة أخرى منذ عودتهم من الحديقة، ولم يتحدث كثيرًا. نظر إلى شاشة الهاتف. ثم تغيرت ملامحه. رفع الهاتف وأجاب. لم يتحدث. ظل يستمع. بعد ثوانٍ أغلق الخط. خرج إلى الغرفة. سأله آدم: "من كان؟" قال ياسر: "رقم مجهول." "وماذا أراد؟" نظر إلى الجميع. "قال جملة واحدة." سأله كريم: "ماذا؟" أجاب: "إذا أردتم العثور على الدكتور سليم النجار... فاذهبوا إلى محطة القطار القديمة قبل منتصف الليل." ساد الصمت. نظر آدم إلى الساعة. كانت العاشرة وأربعين دقيقة. قال كريم: "أمامنا ساعة وعشرون دقيقة." وقف آدم. "سنذهب." قال مازن: "قد يكون فخًا." أجاب آدم: "كل ما واجهناه حتى الآن كان يمكن أن يكون فخًا." ثم نظر إلى ليان. "لكننا لم نصل إلى هنا بالتراجع." وقفت ليان. "أنا ذاهبة." لم يعترض آدم. كان يعرف أنها اتخذت قرارها. انطلقت السيارة في شوارع المدينة القديمة. كان الطريق شبه خالٍ، وأضواء المصابيح تنعكس على الإسفلت المبلل. جلس آدم خلف المقود، بينما كانت ليان بجواره. في المقعد الخلفي جلس كريم ومازن وياسر. أما الدكتور سليم، فلم يكن أحد يعرف إن كان سيظهر أصلًا. قال كريم وهو ينظر إلى ساعته: "تبقى أربعون دقيقة." أجاب آدم: "سنصل قبل ذلك." ظل مازن صامتًا. لاحظت ليان ذلك. قالت: "أنت تعرف شيئًا." رفع عينيه إليها. "ماذا تقصدين؟" "منذ أن وجدنا اسم سليم وأنت متوتر." صمت. ثم قال: "كنت أراه كثيرًا مع والدك." "متى؟" "قبل اختفائه بأسابيع." سألت: "وماذا كانا يفعلان؟" أجاب: "كانا يراجعان الحسابات." قال كريم: "هل اكتشفوا شيئًا؟" "نعم." "ماذا؟" تردد مازن. ثم قال: "تحويلات مالية إلى حسابات لا تحمل أسماء أصحابها." نظر آدم إلى الطريق. "حسابات الظل." أجاب مازن: "ربما." قالت ليان: "لماذا لم تخبرني بهذا من قبل؟" قال: "لأنني كنت أحاول حماية والدك." ردت: "لكنه مات." أطرق رأسه. "أعرف." ساد الصمت من جديد. وصلوا إلى محطة القطار القديمة قبل منتصف الليل بعشر دقائق. كان المبنى مهجورًا منذ سنوات. الأرصفة مغطاة بالغبار، والعربات القديمة متوقفة على خطوط السكك الحديدية، بينما كانت ساعة المحطة الكبيرة متوقفة عند الثانية عشرة تمامًا. ترجل آدم من السيارة. نظر حوله. قال: "لا أحد." أجاب كريم: "هذا ما يبدو." أخرج مصباحه. "سأذهب إلى غرفة المراقبة." قال آدم: "لا تبتعد." ثم التفت إلى ليان. "أنت معي." أومأت. أما مازن وياسر فاتجها نحو الرصيف الأخير. بدأوا البحث. كانت المحطة غارقة في الظلام. كل خطوة كانت تثير صدى طويلًا. دخلت ليان قاعة الانتظار القديمة. توقفت فجأة. كانت هناك حقيبة جلدية موضوعة فوق أحد المقاعد. اقتربت منها. لم تكن مغطاة بالغبار. قالت: "آدم." جاء إليها بسرعة. نظر إلى الحقيبة. قال: "لا تلمسيها." لكن ليان كانت قد لاحظت شيئًا. كانت هناك ورقة صغيرة تحت الحقيبة. التقطها آدم. قرأ: "إلى من يبحث عن الحقيقة." فتح الحقيبة بحذر. كان بداخلها دفتر صغير. وصورة قديمة. ومفتاح نحاسي يحمل الرقم: 24 شهقت ليان. "الرقم نفسه." قال آدم: "لا يمكن أن تكون مصادفة." وقبل أن يواصل، جاء صوت من خلفها. "لم تكن مصادفة." استدارت ليان بسرعة. وقف رجل نحيل في أواخر الستينيات أمامها. كان يرتدي معطفًا داكنًا، وقبعة تخفي جزءًا من وجهه. لكن عينيه كانتا واضحتين. قال: "كنت أعلم أنك ستجدين الحقيبة." تراجعت ليان خطوة. رفع آدم يده محذرًا. "من أنت؟" نظر الرجل إلى ليان. ثم قال: "أنا الدكتور سليم النجار." تسارعت أنفاسها. أخرجت جهاز الاتصال من جيبها. همست: "كريم... آدم... وجدته." اقترب آدم. "أثبت أنك الدكتور سليم." ابتسم الرجل بحزن. "والدك كان يقول إنك تشبهينه عندما تغضبين." تجمدت ليان. لم يكن من السهل أن يعرف أحد هذه الجملة. قالت: "كيف عرفت ذلك؟" أجاب: "لأنني كنت أعرف والدك جيدًا." ثم أضاف: "وكنت آخر شخص تحدث معه قبل اختفائه." في تلك اللحظة... انطفأت جميع أضواء المحطة. غرق المكان في ظلام دامس. سمعت ليان صوت آدم: "لا تتحركي." ثم دوى صوت رصاصة في مكان بعيد. تحطم زجاج إحدى النوافذ. صرخ كريم من الجهة الأخرى: "انبطحوا!" سقط الجميع خلف المقاعد. قال آدم: "هناك قناص!" أصابت رصاصة ثانية العمود الحجري القريب منهم. أمسك آدم بيد ليان وسحبها خلف حاجز إسمنتي. كان الدكتور سليم مختبئًا خلف المقعد. قال بصوت متوتر: "لقد وجدونا." سأله آدم: "من؟" أجاب: "الذين كنت أهرب منهم طوال خمسة عشر عامًا." قال كريم: "علينا الخروج!" أجاب آدم: "أين المخرج؟" قال سليم: "هناك ممر خلف غرفة التحكم." ركض كريم نحو الغرفة. وبعد ثوانٍ، عاد التيار للحظة. استغل آدم الفرصة. قال: "الآن!" ركضوا جميعًا. كان إطلاق النار قد توقف. لكنهم لم يتوقفوا. وصلوا إلى الممر الخلفي، وفتح كريم الباب. خرجوا إلى الزقاق. ركضوا نحو السيارة. انطلق آدم بسرعة. وبقيت محطة القطار خلفهم. بعد دقائق، أصبحوا بعيدين عن المكان. جلس الدكتور سليم في المقعد الخلفي، شاحب الوجه. كانت الحقيبة الجلدية بجانبه. قالت ليان: "أريد الحقيقة." نظر إليها. "أي حقيقة؟" "كل شيء." صمت سليم. ثم قال: "الحقيقة لن تكون سهلة." أجاب آدم: "لم نعد نبحث عن السهل." نظر سليم إليه. ثم قال: "قبل خمسة عشر عامًا، اكتشفت أن الشركة كانت تُستخدم لتحويل أموال إلى حسابات سرية." قال كريم: "من كان يحول الأموال؟" "لم نعرف." "وفارس؟" "كان ينفذ الأوامر." سأل آدم: "أوامر من؟" تردد سليم. ثم قال: "شخص لم يظهر اسمه في أي مستند." قال آدم: "الظل." أومأ سليم. "نعم." سألت ليان: "هل رأيته؟" أجاب: "لا." "هل سمعت صوته؟" "نعم." "هل تعرف من يكون؟" صمت طويل. ثم قال: "أعرف أنه كان قريبًا جدًا من آبائكم." قال كريم: "إلى أي درجة؟" قال سليم: "درجة جعلتهم يثقون به." ساد الصمت. ثم أخرج سليم مفتاحًا صغيرًا من جيبه. وضعه بجوار المفتاح الذي وجدته ليان. كان المفتاحان متطابقين. قال: "المفتاحان يفتحان صندوقًا واحدًا." سأله آدم: "أين؟" "في البنك." قالت ليان: "أي بنك؟" أجاب: "البنك الذي كانت الشركة تتعامل معه." قال كريم: "هل الخزنة ما زالت موجودة؟" أومأ. "نعم." ثم قال: "لكنها لا تُفتح إلا بحضور وريثَي الشخصين اللذين سجلاها." نظر آدم إلى ليان. فهما الأمر في اللحظة نفسها. والداهما. قال آدم: "ماذا يوجد داخلها؟" أجاب سليم: "الأدلة." "أي أدلة؟" "عقود أصلية... حسابات... تسجيلات... وقائمة بأسماء الأشخاص الذين شاركوا في المؤامرة." قالت ليان: "واسم الظل؟" لم يجب سليم مباشرة. ثم قال: "ربما." وفجأة رن هاتفه. نظر إلى الشاشة. كان رقمًا مجهولًا. أجاب. لم يتحدث. استمع فقط. ثم أغلق الهاتف. سأله آدم: "من كان؟" قال سليم بصوت منخفض: "شخص لا أعرفه." "ماذا قال؟" نظر إلى ليان. ثم إلى آدم. وقال: "قال إننا إذا ذهبنا إلى البنك صباحًا... فلن نخرج منه أحياء." ساد الصمت. لكن آدم لم يتراجع. بل ابتسم ابتسامة خفيفة. قال: "هذا يعني أننا نسير في الطريق الصحيح." نظرت ليان إليه. ثم قالت: "أبي كان يقول دائمًا إن الخوف يبدأ عندما نقترب من الحقيقة." أجاب آدم: "إذن سنقترب أكثر." في مكان آخر من المدينة، كان فارس الجندي يقف أمام نافذة مكتبه. كان الليل يحيط بالمبنى، بينما كانت أضواء المدينة تلمع من بعيد. دخل مساعده. قال: "لقد وصلوا إلى الدكتور سليم." لم يلتفت فارس. "أعرف." "وسيعرفون مكان الخزنة." ابتسم فارس. "هذا ما أريده." اقترب المساعد. "لكن إذا فتحوا الخزنة..." استدار فارس. "فلن يفتحوا الخزنة." سأله المساعد: "كيف؟" أجاب فارس: "لأنهم لا يعرفون أن الوصول إليها ليس نهاية الطريق." صمت قليلًا. ثم أخرج مفتاحًا ذهبيًا قديمًا من جيبه. تأمله. وقال: "إنها البداية." سأله المساعد: "هل سيظهر الظل؟" تغيرت ملامح فارس قليلًا. ثم قال: "ليس بعد." أعاد المفتاح إلى جيبه. "دعهم يقتربون." ثم ابتسم. "كلما اقتربوا من الخزنة، اقتربوا أكثر من الشخص الذي يبحث عنهم." كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل عندما توقفت سيارة آدم أمام مكان آمن في أطراف المدينة. ترجل الجميع. وقف آدم أمام السيارة. نظر إلى الدكتور سليم. قال: "سنذهب إلى البنك مع شروق الشمس." أومأ سليم. ثم نظر إلى ليان. "قبل أن تفتحي الخزنة، تذكري شيئًا." سألته: "ماذا؟" قال: "لا تثقي بكل ما ستقرئينه." عقدت حاجبيها. "لماذا؟" أجاب: "لأن والدك كان يعرف أن أحدًا سيحاول تغيير الحقيقة." قال آدم: "هل تقصد أن بعض الوثائق مزورة؟" "أو أن بعض الحقائق ناقصة." نظر إلى ليان طويلًا. "والأخطر... أن اسم الظل قد لا يكون الاسم الذي تتوقعونه." ثم ابتعد. بقي آدم وليان واقفين للحظات. كانت السماء قد بدأت تتلون بلون الفجر. قالت ليان: "هل تعتقد أن الخزنة ستعطينا الإجابة؟" نظر آدم إليها. "لا أعرف." ثم ابتسم. "لكنها ستقودنا إلى السؤال التالي." نظرت إلى ساعة والدها. كانت عقاربها تشير إلى السادسة إلا قليلًا. أغلقت الغطاء. وقالت: "إذن لن نتوقف." أجاب آدم: "لن نتوقف." وفي مكان بعيد، كانت سيارة سوداء تراقبهم. رفع الرجل الجالس خلف المقود هاتفه. قال: "لقد وصلوا إلى الدكتور سليم، وسيذهبون إلى البنك صباحًا." جاءه صوت بارد من الطرف الآخر: "اتركهم." سأل الرجل: "لكنهم سيصلون إلى الخزنة." أجاب الصوت: "أعرف." ثم أضاف: "فليصلوا." تردد الرجل. "ولماذا؟" ساد صمت قصير. ثم جاء الرد: "لأن الخزنة تحتوي على شيء أخطر من الحقيقة." انقطع الاتصال. ظل الرجل يحدق في سيارة آدم حتى اختفت في نهاية الطريق. أما آدم وليان، فلم يكونا يعلمان أن الساعات القادمة ستفتح بابًا لم يستطع أحد فتحه منذ خمسة عشر عامًا. بابًا سيقودهما إلى أول اسم حقيقي في شبكة الظل. نادر الكيلاني. لكن ذلك الاسم لن يكون إلا بداية السر. أما الحقيقة الكاملة... فقد كانت تنتظر خلف باب الخزنة رقم أربعة وعشرين. انتهى الفصل السادس.الفصل 135: الاسم الذي سبق آدم— الاسم اللي اتولد قبل اسم آدم.فضلت الجملة معلقة في الظلام.ليان كانت واقفة جنب آدم، إيدها ماسكة إيده بقوة، بينما يوسف ونادر كانوا في الخلف، وكل واحد فيهم بيحاول يفهم آخر حاجة سمعوها.ثم ظهر نور خافت.آدم رفع عينيه.— بابا...ليان بصت له.— سمعت صوته؟— أيوه.— قال اسمك؟— لأ.— أمال قال إيه؟آدم حط إيده على رأسه.— قال إن فيه اسم اتولد قبلي.نادر قرب.— ما تحاولش تفتكره بالقوة.آدم بص له.— ليه؟— لأن الذاكرة اللي اتقفلت بالقوة ممكن تفتح بطريقة مؤذية.يوسف قال:— مؤذية إزاي؟نادر رد:— ممكن تخلط بين ذكرياتك وذكريات غيرك.آدم ضحك بسخرية.— أنا بقالى أيام مش عارف ذكرياتي بتاعتي من ذكريات مين.ليان قالت:— عشان كده لازم نعرف.نادر هز رأسه.— نعرف، آه. بس مش بالطريقة دي.الصوت رجع من السماعة.— نادر عنده حق.آدم رفع رأسه.— إنت لسه هنا؟— أنا عمري ما مشيت.ليان قالت:— إنت مين؟— لسه بتسألي؟— أيوه.— ومش هجاوب.ليان انفعلت:— ليه؟— لأنك لو عرفتي أنا مين قبل ما تعرفي هوية أبوكي، هتربطي حاجات ببعض غلط.آدم قال:— وإحنا مطلوب مننا نعمل إيه؟— تفتكر.— أفتكر
الفصل 134: الصوت الذي ادعى أنه الأب— أنا أبوكي.الجملة وقعت على ليان كأنها ضربة.فضلت واقفة قدام الباب، إيدها على المقبض، وعينيها مثبتة عليه.آدم وقف جنبها فورًا.— متفتحيش.ليان بصت له.— بس الصوت...— سمعتي صوت أبوكي من شوية.— أيوه.— وكان بيقول لنا ما نفتحش.الصوت من ورا الباب ضحك.— آدم...آدم اتجمد.الصوت كمل:— لسه زي ما أنت... بتحاول تحمي الناس حتى لما مش فاهم أنت بتحميهم من إيه.آدم قرب من الباب.— لو أنت فعلًا والد ليان، قول لي حاجة ما يعرفهاش غيرك.سكت الصوت.ليان قالت:— آدم، اسأل عن الميدالية.— أي ميدالية؟— اسأله عن أول مرة ادهالي.آدم قال:— إمتى أول مرة اديت ليان الميدالية؟الصوت رد من غير تردد:— ليلة اختفائي.ليان شهقت.آدم بص لها.الصوت كمل:— حطيتها في إيدها وهي نايمة.ليان قالت:— كداب.سكت الصوت.— ليه؟— لأن الميدالية كانت معايا قبل الليلة دي.آدم بص لها.— متأكدة؟— أيوه.الصوت من خلف الباب قال:— فاكرة غلط.ليان ردت:— لأ.— ذاكرتك مش كاملة.— يمكن.— يبقى ما تثقيش فيها.ليان قربت من الباب.— وإنت مين علشان تقول لي أثق في ذاكرتي أو لأ؟الصوت قال:— الشخص الل
الفصل 133: الشخص الذي أخفاه— اختفى... علشان يخفي الشخص اللي كان هيقتله.فضل صوت الرجل يتردد في الغرفة.ليان كانت واقفة قدام الملف، وإيدها لسه على الغلاف، لكن عقلها كان واقف عند الجملة الأخيرة.آدم قرب منها.— ليان...ما ردتش.— ليان، بصيلي.رفعت عينيها له.— هو كان بيحمي حد.— أيوه.— مش بيحميني أنا بس.— أيوه.— كان بيخبي شخص تاني.آدم بص للملف.— واضح.— بس مين؟قبل ما آدم يرد، ظهر سطر جديد على الحائط."لا تبحثوا عن الشخص الذي كان سيُقتل... ابحثوا عن السبب."آدم قرأ الجملة بصوت منخفض.— السبب...ليان قالت:— يعني الشخص ده مش هو المهم.— المهم ليه كانوا عايزين يقتلوه.فجأة خرج صوت من السماعة القديمة الموجودة فوق الباب.— لأن وجوده كان هيكشف الحقيقة.آدم رفع رأسه.— مين؟الصوت سكت.ليان قالت:— أنت؟جاء الرد:— مش مهم مين أنا.آدم انفعل.— كل مرة نفس الكلام!ليان مسكت إيده.— آدم، استنى.— إزاي أستنى؟ كل إجابة بتجيب سؤالين!الصوت قال:— لأن الحقيقة مش بتتفتح مرة واحدة.آدم بص للسماعة.— وإنت مين علشان تقرر؟— شخص أخطأ.ليان قربت من السماعة.— إنت كنت تعرف أبويا؟— أيوه.— وكنت تعرفني
الفصل 132: الرجل الذي أجبره على الاختفاء— سامحوني...فضلت الكلمة معلقة في الهوا ثواني طويلة.ليان كانت لسه ماسكة الميدالية بين صوابعها، وآدم واقف جنبها مش قادر يبعد عينه عنها.يوسف قرب خطوة.— إيه اللي حصل؟آدم ما ردش.يوسف بص لنادر.— الصوت اللي طلع من الميدالية... كان صوته؟نادر هز راسه.— أيوه.— ومتأكد؟— أنا سمعت الصوت قبل كده.آدم لف له بسرعة.— إنت سمعته قبل كده؟نادر سكت.آدم قرب منه.— نادر، متخلينيش أكرر السؤال.— أيوه، سمعته.ليان بصت له.— فين؟نادر اتنهد.— من سنين.— فين؟— في البيت القديم.آدم قطب حاجبيه.— بيت مين؟— بيت مريم.مريم اتحركت فجأة.— نادر...نادر بص لها.— خلاص يا مريم.— متقولش.— لازم يعرفوا.آدم بص لمريم.— يعرفوا إيه؟مريم فضلت ساكتة.ليان قربت منها.— إنتِ كنتِ عارفة إن الميدالية فيها تسجيل؟مريم هزت راسها.— لأ.— لكنك عارفة الصوت.— عارفته.— من إمتى؟مريم بصت لليان بحزن.— من يوم ما اتولدتِ.ليان اتجمدت.— يعني إيه؟— يعني الصوت ده كان آخر صوت سمعته قبل ما أبوكي يختفي.آدم قال بهدوء:— هو مش اختفى لوحده.مريم رفعت عينيها له.— لأ.— حد أجبره.— أي
الفصل 131: الرجل خلف البابما إن فتح آدم الباب حتى اندفع الضوء إلى الغرفة.لم يظهر الرجل.لم يظهر أحد.فقط ضوء أبيض قوي ابتلع كل شيء، ثم انغلق الباب خلف آدم وليان في اللحظة نفسها.صرخ يوسف من الخارج:— آدم!لكن صوته اختفى.لم يعد هناك نادر.ولا مريم.ولا ريان.ولا يوسف.كان آدم وليان وحدهما.ثم سمعا صوتًا.صوت طفل يضحك.التفت آدم.— أين نحن؟قالت ليان:— لا أعرف.كان المكان مختلفًا.لم تعد الغرفة الأولى غرفة.كانت ممرًا طويلًا، وعلى جانبيه أبواب صغيرة.فوق أول باب رقم واحد.ثم اثنان.ثم ثلاثة.وفي نهاية الممر كان هناك باب أبيض.قالت ليان:— هذا هو.— ماذا؟— الباب الذي رأيته في ذاكرتي.اقترب آدم.— وأنا رأيت الرجل يقف أمامه.قالت:— إذن هذه هي الذكرى.— كاملة.هزت رأسها.— هذه المرة لا أشعر أنها ذكرى تخصني وحدي.أمسك آدم يدها.— وأنا أيضًا.فجأة ظهر طفلان أمامهما.طفل صغير يشبه آدم.وطفلة صغيرة تشبه ليان.لكن هذه المرة لم يكونا بعيدين.كانا يمشيان معًا.قال آدم:— نحن.قالت ليان:— نعم.ثم ظهر الرجل.لأول مرة لم يكن ظهره للطفلين.كان واقفًا أمامهما.لكن وجهه ظل محجوبًا بضوء أبيض.قال
الفصل 130: الذكرى التي عاشها اثنانلم يتحرك آدم.ظل ينظر إلى ليان، بينما كانت الكلمات الأخيرة على الجدار تختفي ببطء."عندما يتذكر آدم من كان الرجل... ستتذكر ليان من كان أبوها."قال آدم:— هذه ليست مصادفة.نظرت إليه ليان.— ماذا تقصد؟— الذكرى التي رأيتها أنتِ... والذكرى التي رأيتها أنا ليستا ذكريتين مختلفتين.اقترب يوسف.— كيف عرفت؟أجاب آدم:— لأنني رأيت بداية شيء، وهي رأت نهايته.قالت ليان:— صحيح.— ماذا رأيتِ؟أغمضت عينيها.— رأيت الرجل يقف بجانب السرير.— وأنا رأيته قبل أن يدخل الغرفة.تبادل الاثنان النظرات.قالت ليان:— أنت رأيت الرجل يتحدث مع أبيك.— وأنت رأيته يتحدث مع مريم.— إذن...قال يوسف:— أنتما كنتما في الغرفة نفسها.قال نادر:— وفي اللحظة نفسها.ساد الصمت.قال آدم:— لكن لماذا لم نتذكرها بالطريقة نفسها؟أجاب نادر:— لأن الذكرى لم تُحفظ في شخص واحد.نظر إليه آدم.— ماذا تقصد؟— تم تقسيمها.قالت ليان:— بيننا؟— على الأرجح.سأل يوسف:— لماذا؟قال نادر:— لأن الرجل كان يحاول إخفاء هويته.ثم أضاف:— إذا كانت ذكرى واحدة موجودة في عقل شخص واحد، يمكن استخراجها.نظر إلى ليان.







