لم يكن الليل في تلك المدينة يشبه أي ليلة أخرى. كانت السماء ملبدة بغيوم ثقيلة حجبت القمر، والمطر ينقر زجاج النوافذ بإيقاع متواصل، بينما بدت الشوارع القديمة شبه خالية إلا من بعض السيارات التي تمر مسرعة ثم تختفي في الضباب. في الطابق الثالث من مبنى دار النشر، كان آدم يجلس وحيدًا خلف مكتبه. لم يكن العمل هو ما أبقاه مستيقظًا. منذ ساعات، كان يحدق في صورة قديمة موضوعة أمامه. صورة باهتة التقطت قبل خمسة عشر عامًا. ثلاثة رجال يقفون أمام مبنى الشركة. كان أحدهم والده. والثاني رجل يعرفه جيدًا من الصور القديمة التي احتفظت بها العائلة. أما الثالث... فلم يكن يعرفه. رفع آدم الصورة بالقرب من المصباح، محاولًا رؤية ملامح الرجل بوضوح. كان في منتصف الأربعينيات تقريبًا، يرتدي بدلة داكنة، ويبتسم للكاميرا بثقة غريبة. لكن شيئًا آخر جذب انتباه آدم. على ظهر الصورة كان هناك رقم صغير مكتوب بقلم رصاص. ظل يحدق فيه طويلًا. ثم وضع الصورة على المكتب، وأسند ظهره إلى الكرسي. قبل ساعات فقط، كان يعتقد أن وفاة والده قبل خمسة عشر عامًا مجرد حادث مأساوي أغلق صفحته الزمنية. أما الآن... فقد بدأ يشك في كل شيء.
Last Updated : 2026-07-28 Read more