Home / الرومانسية / بين جليده..ودفئي / "الفصل الثاني " اليوم الأول

Share

"الفصل الثاني " اليوم الأول

last update publish date: 2026-05-15 05:27:31

رنّ المنبه للمرة الرابعة قبل أن تتمكن ليان أخيرًا من فتح عينيها بتثاقل.

مدّت يدها تتحسس الهاتف فوق الطاولة الصغيرة بجانب سريرها، ثم أطفأته بسرعة قبل أن يوقظ والدتها النائمة في الغرفة المجاورة.

ساد الصمت للحظات.

حدقت بالسقف القديم المتشقق بينما بدأت تفاصيل الأمس تتدفق إلى عقلها تدريجيًا…

المقابلة.

الشركة.

الرجل البارد الذي اصطدمت به.

ثم…

اتسعت عيناها فجأة وجلست بسرعة.

"الوظيفة!"

شهقت وهي تنظر إلى الساعة، قبل أن تزفر براحة عندما أدركت أنها لم تتأخر بعد.

وضعت يدها فوق قلبها وهي تتمتم: " يالهوي قلبي كان هيقف …"

نهضت بسرعة واتجهت نحو النافذة الصغيرة، تسحب الستارة الباهتة قليلًا.

كانت الشمس قد بدأت تشرق بهدوء فوق الحي الشعبي البسيط الذي تعيش فيه.

الأصوات المعتادة بدأت تصلها من الخارج: بائع الخبز، صوت الحافلات القديمة، وصياح الأطفال الذين يركضون في الشارع الضيق.

كل شيء كما هو…

لكنها اليوم شعرت أن شيئًا ما تغيّر.

لأول مرة منذ وفاة والدها… تشعر أن بابًا صغيرًا من الأمل انفتح أمامها.

التفتت نحو صورة والدها الموضوعة فوق الخزانة القديمة.

ابتسمت بخفوت.

"لقيت وظيفة أخيراً يا بابا ."

انخفضت ابتسامتها قليلًا وهي تتذكر الديون، والأقساط المتراكمة، والليالي التي قضتها تفكر كيف ستتدبر أمورها.

لكنها هزت رأسها بسرعة.

لا.

النهاردة مش للحزن .

النهاردة بداية جديدة وأمل جديد .

بعد أقل من ساعة، كانت تقف أمام المرآة الصغيرة في غرفتها ترتب شعرها البني الطويل بعناية فائقة.

اختارت ملابسها بعد تفكير طويل: قميص أبيض بسيط، وتنورة سوداء واسعة نسبيًا، وحذاء عملي لا يبدو جديدًا لكنه مرتب.

لم تكن تملك ملابس فاخرة مثل فتيات المدينة اللواتي تراهن في الإعلانات…

لكنها على الأقل بدت مرتبة.

راقبت انعكاسها للحظات قبل أن تزفر.

" شكلي زي ما أكون طالبة أكتر من موظفة شركة عالمية ."

تمتمت بها بسخرية خفيفة.

ثم حملت حقيبتها وخرجت.

الطريق إلى الشركة هذه المرة بدا أقصر.

أو ربما لأنها كانت مشغولة بالتفكير طوال الوقت.

ماذا لو أخطأت؟

ماذا لو طردها آسر منذ اليوم الأول؟

ماذا لو لم تستطع التأقلم مع هذا المكان أصلًا؟

عضّت شفتها بتوتر وهي تنظر من نافذة الحافلة.

كانت المدينة تستيقظ تدريجيًا، والناس يركضون نحو أعمالهم كعادتهم، بينما شعرت هي وكأنها تدخل عالمًا جديدًا بالكامل.

وحين وصلت أخيرًا إلى المبنى الضخم لشركة الكيلاني…

شعرت بالتوتر يعود مجددًا.

وقفت للحظات أمام الواجهة الزجاجية الهائلة، تحدق باسم الشركة المكتوب بحروف معدنية فاخرة.

شركة الكيلاني للعقارات والاستثمار.

حتى الاسم وحده كان كافيًا ليجعلها تشعر بأنها صغيرة جدًا.

أخذت نفسًا عميقًا.

"أنتِ قادرة يا ليان."

ثم دخلت.

هذه المرة كانت أكثر انتباهًا أثناء سيرها داخل الردهة الواسعة.

تجنبت الاصطدام بأي شخص، وتمسكت بحقيبتها جيدًا وكأنها تخشى أن تسقط منها كارثة جديدة أمام المدير التنفيذي المتغطرس.

اقتربت من موظفة الاستقبال بابتسامة خجولة.

"صباح الخير."

رفعت المرأة رأسها إليها، ثم ابتسمت بخفة وكأنها تذكرتها. "الموظفة الجديدة؟"

أومأت ليان بسرعة. "أيوه ."

"الطابق السادس. سكرتيرة السيد آسر في انتظارك."

مجرد سماع اسمه جعل معدتها تنقبض قليلًا.

شكرتها واتجهت نحو المصعد.

لكن قبل أن تضغط الزر، لمحت انعكاسها على السطح المعدني اللامع.

توقفت للحظة ترتب شعرها بسرعة.

"اهدي… مش هيأكلك يعني ."

غمغمت بها لنفسها.

لكنها لم تكن واثقة فعلًا.

حين وصلت إلى الطابق السادس، كان المكان مختلفًا عن بقية الطوابق.

أكثر هدوءًا.

أكثر فخامة.

وأكثر توترًا أيضًا.

الموظفون يتحركون بسرعة وتركيز، والأحاديث بالكاد تُسمع.

وكأن الجميع يسير فوق أرض قابلة للانفجار.

اقتربت منها امرأة أنيقة تحمل ملفات عديدة.

"ليان النجار؟"

"أيوه ."

ابتسمت المرأة ابتسامة لطيفة خففت توترها قليلًا. "أنا هناء، سكرتيرة السيد آسر."

صافحتها ليان بخجل. "تشرفت بمعرفتك."

أشارت هناء لها أن تتبعها. "هوريكي مكتبك الأول ."

سارت ليان خلفها وهي تراقب المكان بانبهار واضح.

المكاتب الزجاجية، أجهزة الحاسوب الحديثة، والموظفون الذين يبدون وكأنهم خرجوا من مسلسل أجنبي.

شعرت للحظة أنها لا تنتمي هنا إطلاقًا.

وكأن أحدهم وضعها في عالم ليس عالمها.

لاحظت هناء توترها، فقالت بلطف: "ما تقلقيش، كلنا حسينا بالضياع في الأيام الأولى من الشغل ."

ابتسمت ليان بخفة. "واضح أني الوحيدة اللي خبطت في المدير التنفيذي في أول خمس دقايق."

ضحكت هناء فجأة. " يبقى انتي البنت اللي كل القسم اللي هنا بيتكلم عنها من امبارح ."

اتسعت عينا ليان بصدمة. "أيه ؟!"

ازدادت ضحكة هناء. "اهدي، الموضوع مش بالسوء اللي انتي متخيلاه."

وضعت ليان يدها على وجهها بيأس. "انا عايزة اختفي دلوقتي ."

جلست أخيرًا خلف مكتبها الجديد.

كان صغيرًا مقارنة ببقية المكاتب، لكنه بدا أجمل من أي مكان عمل دخلته من قبل.

مررت أصابعها فوق سطح المكتب برفق، وشعرت فجأة بشيء دافئ داخلها.

هذا المكان أصبح بداية جديدة لها.

أخرجت دفترًا صغيرًا من حقيبتها وكتبت بسرعة:

"اليوم الأول. لا تتأخري .ولا تكبي حاجه. ولا تخبطي في حد . ولا تزعلي المدير المرعب."

ثم ابتسمت لنفسها.

لكن ابتسامتها اختفت فورًا عندما ساد الصمت فجأة في الطابق بأكمله.

رفعت رأسها بتوتر.

كل الموظفين تقريبًا اعتدلوا في أماكنهم دفعة واحدة.

وبعد ثوانٍ…

ظهر آسر.

شعرت ليان أن الجو أصبح أبرد فجأة.

كان يسير بخطوات هادئة وواثقة، مرتديًا بدلة رمادية داكنة جعلته يبدو أكثر صرامة وهيبة.

ملامحه جامدة كعادتها.

وعيناه تتحركان بين الموظفين بنظرة حادة جعلت الجميع يتجنب النظر إليه مباشرة.

راقبته ليان بصمت دون انتباه.

حتى طريقته في المشي كانت مختلفة.

هادئة… لكنها مخيفة بطريقة غريبة.

وفجأة رفع نظره نحوها مباشرة.

تجمدت.

لثانية كاملة شعرت وكأنه ضبطها ترتكب جريمة.

لكن تعبيره لم يتغير.

اكتفى بتحويل نظره عنها ومتابعة طريقه نحو مكتبه.

تنفست أخيرًا بعدما اختفى.

"يا ساتر…"

همست بها دون شعور.

مرّت الساعة التالية وسط الشرح والتعليمات.

حاولت ليان التركيز قدر الإمكان، تدون الملاحظات بسرعة وتحاول حفظ أسماء الملفات والأقسام.

لكن كمية العمل بدت مخيفة.

"هو الناس هنا بشر زينا فعلًا؟"

تمتمت بخفوت وهي تنظر إلى أكوام الملفات.

ضحك الشاب الجالس بالمكتب المقابل لها. "هتتعزظي ماتخافيش."

رفعت رأسها نحوه بخجل. "آسفة، ماكنتش اقصد اقولها بصوت عالي ."

ابتسم لها بود. "أنا عمر."

"ليان."

أشار إلى الملفات أمامها. "أول أسبوع هو الأسوأ، بعدها هتبقي آلة زينا."

ضحكت بخفة. "دي حاجة مطمنة جدًا."

وقبل أن يرد…

فُتح باب مكتب آسر فجأة.

ساد الصمت مرة أخرى.

خرج آسر وهو يتصفح بعض الأوراق، ثم قال ببرود: "الملف الخاص بمشروع النخبة."

انتفض أكثر من موظف في اللحظة نفسها.

أما ليان فحدقت حولها بارتباك.

هل يتحدث معها؟

رفع آسر عينيه نحوها مباشرة. "أنتي."

أشارت لنفسها بتردد. "أنا؟"

"هو في غيرك قاعد يبص حوالية بحيرة غيرك ؟"

احمر وجهها فورًا.

سمعت ضحكة مكتومة من عمر بجانبها.

حاولت الحفاظ على هدوئها. "أي ملف تحديدًا؟"

نظر إليها للحظة طويلة جعلتها تشعر أنها فشلت بالحياة كلها.

ثم قال أخيرًا: "هناء هترشدك."

وغادر مجددًا.

زفرت ليان بقوة فور اختفائه. "أقسم بالله انا حاسة أنه بيستمتع بتوتيري ."

ضحك عمر بخفوت. "لا… دي هي شخصيته الطبيعية بس ."

بعد دقائق، كانت تبحث وسط الملفات بعجلة بينما تشرح لها هناء بعض الأمور.

"المشروع ده مهم جدًا للشركة، والسيد آسر بيراجع كل تفصيلة فيه بنفسه."

أومأت ليان بسرعة وهي تحاول التركيز.

لكن التوتر جعلها ترتبك أكثر من مرة.

وحين انتهت أخيرًا، حملت الملف واتجهت نحو مكتب آسر.

وقفت أمام الباب للحظات.

ثم طرقت بخفة.

"ادخل."

دخلت بحذر، لتجده جالسًا خلف مكتبه الواسع يراجع أوراقًا عديدة.

حتى مكتبه يشبهه…

مرتب، بارد، وخالٍ تقريبًا من أي شيء شخصي.

اقتربت ومدّت الملف نحوه. "الملف المطلوب."

أخذه دون أن ينظر إليها مباشرة.

وبينما كان يقلب الصفحات، بقيت واقفة بتوتر لا تعرف لماذا لم تغادر بعد.

وفجأة قال: "هتفضلي تبصيلي كده كتير من الصبح وانتي بتراقبي خير؟."

اتسعت عيناها بصدمة.

ايه؟!

رفعت صوتها بسرعة: "أنا ما—"

رفع نظره إليها أخيرًا.

توقفت الكلمات داخل حلقها.

كان ينظر إليها بهدوء مستفز، وكأنه ينتظر تبريرها.

ارتبكت أكثر. "كنت بس… براقب طريقة الشغل."

"وطريقة شغلي مثيرة للاهتمام؟"

يا ربي..

هل يستجوبها الآن؟

شدّت حقيبتها بتوتر. "لا، أقصد اي ه… لا يعنى—"

وفجأة…

لاحظت شيئًا غريبًا.

زاوية فمه تحركت قليلًا.

وكأنه… يقاوم ابتسامة.

شعرت ليان بالذهول للحظة.

هل كان يسخر منها؟

لكن ملامحه عادت باردة سريعًا.

أغلق الملف بهدوء. "أنتي بتوتري كتير."

رمشت بدهشة من ملاحظته المباشرة.

ثم قالت بعناد خفيف: "يمكن عشان مديري مرعب مثلاً ."

ساد الصمت لثانية.

قالت داخلها فورًا: ممتاز يا ليان. خليكي احفري قبرك بأيدك.

لكن المفاجأة أن آسر لم يغضب.

بل حدق بها للحظات طويلة قبل أن يقول: "ده احسن من الموظفين اللي بيتصنعو المثالية ."

شعرت بالارتباك.

لم تستطع فهمه أبدًا.

مرة يبدو وكأنه سيطردها… ومرة أخرى يتحدث معها بشكل طبيعي.

أشار نحو الباب أخيرًا. "تقدري ترجعى لشغلك ."

أومأت بسرعة. "طيب."

لكن قبل أن تخرج، أوقفها صوته مجددًا.

"ليان."

التفتت نحوه فورًا.

رفع عينيه عن الأوراق وحدق بها مباشرة. "حاولي ماتقعيش او تخبطي في حاجة وانا خارجة المرة دي ."

تجمدت لثانية…

ثم أدركت أنه يسخر منها.

اتسعت عيناها بعدم تصديق

. "أنت—"

لكنها توقفت قبل إكمال الجملة.

لأنها رأت شيئًا غريبًا جدًا.

آسر الكيلاني…

كان يبتسم.

ابتسامة خفيفة جدًا بالكاد ظهرت.

لكنها كانت حقيقية.

ولسبب غير مفهوم…

شعرت ليان أن قلبها ارتبك للحظة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • بين جليده..ودفئي   الفصل السادس والثلاثون

    هناك رجال تعلموا منذ الصغر أن الضعف يُعاقب، وأن الرحمة ثغرة، وأن التردد خسارة، لذلك حين يغضبون لا يبدو الأمر انفجارًا… بل برودًا مخيفًا يجعل الآخرين يدركون متأخرين أنهم تجاوزوا الحد الخطأ.....هبطت ليان من السيارة بسرعة قبل أن تستوعب ما تفعله، كان قلبها يضرب بعنف داخل صدرها بينما رأت المشهد أمامها يتوتر خلال ثوانٍ قليلة، الرجل الغريب الذي وقف قرب السيارة السوداء بدا في الأربعينات تقريبًا، ملامحه خشنة وعيناه تحملان ذلك الوقاحة المعتادة لدى من اعتادوا تخويف الآخرين مقابل المال، وحين دفع كتف آسر بحدة كما لو كان يختبره، شعرت ليان ببرودة حادة تسري داخل أطرافها.لكن الشيء الذي أربكها أكثر…أن آسر لم يتحرك فورًا.لم يصرخ.لم يغضب بالطريقة المعتادة.بل وقف ثابتًا.هادئًا.بهدوء سيئ.ثم أنزل نظره ببطء إلى اليد الممسكة بذراعه.ونظر إليها ثانية واحدة فقط.ثانية كانت كافية.لأن الرجل نفسه سحب يده تلقائيًا.وكأن شيئًا في نظرة آسر جعله ينتبه.متأخرًا.قال الرجل بعدها بنبرة ساخرة يحاول بها استعادة ثقته:"هو إنت مين أصلًا؟"أما آسر…فأجاب بصوت منخفض جدًا:"السؤال المهم، إنت مين، وإيه اللي جابك هنا؟"

  • بين جليده..ودفئي   الفصل الخامس والثلاثون

    هناك لحظة يتغير فيها كل شيء بين شخصين، ليست اعترافًا، ولا قبلة، ولا وعدًا واضحًا، بل لحظة يبدأ فيها أحدهما بالخوف على الآخر أكثر مما يخاف على نفسه......بقيت ليان تحدق في آسر لثوانٍ بعد جملته الأخيرة، بينما شعرت أن الهواء حولهما أصبح أثقل فجأة، لأن نبرة صوته حين قال إن هناك من يحاول سرقة ملفات الشركة لم تكن تشبه نبرته المعتادة، لم تكن نبرة مدير غاضب بسبب مشكلة عمل، بل شخص يعرف أن ما يحدث أخطر.وأخطر بكثير.أما هو…فكان ينظر إلى شاشة هاتفه مجددًا، يقرأ رسالة وصلت للتو، ومع كل ثانية تمر كانت ملامحه تصبح أكثر صلابة.شيء بارد.حاد.كأن الرجل الذي وقف قبل دقائق خائفًا عليها قرب الشارع اختفى.وحل مكانه شخص آخر.الشخص الذي يخشاه الجميع داخل الشركة.رفعت ليان رأسها نحوه ببطء.ثم سألت دون تفكير:"الموضوع كبير؟"رفع عينيه إليها.ثانية واحدة فقط.لكنه بدا مترددًا بشكل غريب.وكأن جزءًا منه لا يريد إدخالها.والجزء الآخر…متعب من إبعادها.ثم قال أخيرًا:"المفروض متشغليش بالك."تجمدت لحظة.ثم عقدت حاجبيها فورًا."ده مش رد."شيء صغير مر داخل عينيه.شيء يشبه الدهشة.ربما لأنها أول شخص منذ وقت طويل لا

  • بين جليده..ودفئي   الفصل الرابع والثلاثون

    هناك أشخاص يقضون عمرهم كاملًا في بناء الجدران حول أنفسهم، ثم يأتي شخص واحد فقط، لا يهدمها بالقوة، بل يراه في اللحظة التي ينهار فيها خلفها، وتلك… أخطر بداية ممكنة.......تجمدت ليان مكانها فور أن التقت عيناها بعيني آسر، كان يقف على بعد أمتار قليلة تحت الإضاءة الخافتة أمام الفندق، وخلفه الليل الهادئ يبدو ساكنًا بشكل يناقض التوتر الذي انفجر فجأة بينهما، أما هو فظل ينظر إليها لثوانٍ طويلة دون أن يتحرك، وثمة شيء مر داخل ملامحه سريعًا، شيء نادر، أقرب للانزعاج من كونه انكشف.أما هي…فشعرت بالارتباك أولًا.ثم بشيء آخر.شيء يشبه الحزن.لأنها للمرة الأولى رأت جزءًا من الحقيقة.رأت أن بروده لم يولد معه.بل صُنع.على يد شخص يشبهه في الملامح ويختلف عنه في كل شيء آخر.تحركت شفتيها قليلًا.أرادت الاعتذار.أو التظاهر بأنها لم تسمع.لكن الكلمات خانتها.أما آسر…فسبقها.وقال بصوت منخفض:"سمعتي؟"السؤال خرج مباشرًا.دون محاولة إنكار.ودون هروب.وهذا وحده فاجأها.ترددت لحظة.ثم أومأت ببطء.الصمت.برد الليل صار أوضح فجأة.وأخفض آسر رأسه قليلًا، كأنه يضحك بسخرية لا تخصها.ثم قال:"كويس."رمشت ليان بسرعة.ع

  • بين جليده..ودفئي   الفصل الثالث والثلاثون

    أصعب أنواع الانهيار ليست تلك التي تحدث بصراخ، بل التي تأتي بعد سنوات من التماسك، حين يتعب الإنسان فجأة من كونه قويًا طوال الوقت.......توقفت ليان عن التنفس تقريبًا بعد كلمته الأخيرة، أو ربما كان صدرها فقط قد نسي كيف يأخذ الهواء بشكل طبيعي، لأن التعب الذي ظلت تدفعه بعيدًا طوال شهور، وربما سنوات، بدأ يتحرك داخلها بعنف، ومعه ذلك الخوف القديم الذي لازمها منذ وفاة والدها، الخوف من أن تستيقظ يومًا فتجد كل شيء ينهار دفعة واحدة.البيت.الديون.والدتها.العمل.كل شيء.أما آسر…فكان ما يزال ينظر إليها.بنفس الهدوء المزعج.الهدوء الذي لا يمنحها فرصة للهروب.خفضت رأسها سريعًا.ثم خرج صوتها ضعيفًا رغم محاولتها السيطرة:"أنا… لازم أمشي."وتحركت فعلًا.خطوة واحدة فقط.لكن صوته أوقفها.هادئًا.وحاسمًا:"استني."تجمدت مكانها.وأغمضت عينيها للحظة.لا.ليس الآن.ليس وهي بهذا الشكل.لكنها سمعت خطواته تقترب قليلًا.ثم قال بصوت أخفض:"بصيلي."يا إلهي.كم تكره هذه الكلمة منه.لأنها دائمًا تجعلها تشعر أن الاختباء مستحيل.رفعت رأسها ببطء.وكانت تلك غلطة.لأنها رأت شيئًا لم تعتد رؤيته داخل عينيه.قلق.حقيقي.

  • بين جليده..ودفئي   الفصل الثاني والثلاثون

    توجد لحظات لا يستطيع الإنسان العودة بعدها إلى ما كان عليه سابقًا، ليس لأن شيئًا كبيرًا حدث، بل لأن شخصًا ما وقف إلى جانبه في الوقت الذي اعتاد فيه أن يقف وحده......بقي الصمت معلقًا فوق الشرفة لثوانٍ طويلة بعد كلمات آسر، ذلك النوع من الصمت الذي يحمل أكثر مما يقال، لأن سيرين، للمرة الأولى تقريبًا منذ عرفتها ليان، بدت عاجزة عن الرد سريعًا، اختفت ابتسامتها الواثقة قليلًا، وظهر شيء يشبه الانزعاج الحقيقي داخل عينيها.أما ليان…فوقفت مكانها متجمدة.ليس بسبب سيرين.ولا بسبب التوتر.بل بسبب جملة واحدة فقط."مبحبش حد يقلل من قيمة الناس اللي اشتغلت عشان توصل."ناس.قالها بصيغة عامة.لكن عينيه وقتها…لم تكونا على أحد غيرها.وهذا كان المشكلة.أنها بدأت تنتبه للأشياء الصغيرة.وهذا خطر.أما سيرين…فأخذت نفسًا بطيئًا، ثم عادت ترتدي هدوءها المعتاد كما لو كانت تضع قناعًا تعرفه جيدًا.ابتسمت بخفة وقالت:"واضح إنك فهمت الكلام بشكل أكبر من حجمه."رد آسر فورًا.بهدوء مرعب:"وأنتِ واضح إنك متعودة الناس تسكت."الصمت.ضربة أخرى.شعرت ليان أن الوضع بدأ يتجاوز حدود الإحراج.وقبل أن يتصاعد أكثر، تحركت خطوة للأم

  • بين جليده..ودفئي   الفصل الحادي والثلاثون

    هناك لحظة خفية تبدأ فيها المشاعر بالخروج من الظل، ليس باعتراف، ولا بكلمة واضحة، بل برد فعل صغير لا يحدث إلا حين يصبح وجود شخص ما مهمًا أكثر مما ينبغي.....ساد الصمت حول الطاولة لثوانٍ بعد كلمات آسر، ذلك النوع من الصمت الذي يبدو طبيعيًا للغرباء لكنه يحمل توترًا واضحًا لمن يجلسون داخله، توقفت ابتسامة سيرين للحظة قصيرة جدًا، قصيرة لدرجة أن غير المنتبه لن يلاحظها، لكنها كانت هناك، ارتباك صغير سرعان ما أخفته خلف هدوئها المعتاد.ثم ابتسمت بخفة وقالت بصوت ناعم:"كنت بهزر بس."أما آسر…فاكتفى بالنظر إليها ثانية واحدة قبل أن يعود إلى حديث العمل كأن شيئًا لم يحدث.لكن المشكلة…أن شيئًا حدث فعلًا.على الأقل داخل ليان.لأنها بقيت تنظر نحو كوب الماء أمامها محاولة تجاهل الإحساس الغريب الذي ظهر داخل صدرها، إحساس غير مريح لأنها للمرة الأولى رأت شخصًا مثله، باردًا، محسوبًا، لا يتدخل عادة، يقطع حديثًا بهذه الطريقة.ومن أجل ماذا؟من أجل تعليق.تعليق سخيف.إذًا لماذا شعرت أن قلبها ارتبك؟ولماذا ظهر صوت صغير داخل عقلها يهمس:"كان بيدافع عنك."أزعجتها الفكرة فورًا.فشربت الماء بسرعة كأنها تطردها.مر الوقت

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status