LOGIN
"هو انتي دايمًا بتدخلي أي مكان وانتي بالفوضى دي؟"
تجمدت ليان في مكانها. رفعت رأسها ببطء، لتجد زوجًا من العينين الداكنتين يحدقان بها ببرود أربكها لسبب لم تفهمه. للحظة... نسيت حتى أن تعتذر. ونسيت الأوراق المبعثرة حول قدميها. ونسيت المكان بأكمله. كل ما استطاعت التفكير فيه هو أن هذا الرجل يبدو من النوع الذي لا يجب أن تصطدم به أبدًا. لكنها لم تكن تعرف حينها... أن اصطدامها به لم يكن سوى بداية يوم سيغيّر حياتها كلها. قبل نصف ساعة... كانت تركض وكأن الوقت يلاحقها بسكين. أنفاس ليان المتقطعة امتزجت بصوت السيارات والمطر الخفيف وهي تشد حقيبتها القديمة إلى كتفها وتحاول حماية الملف الورقي بين ذراعيها من البلل. تأخرت. أغمضت عينيها لثانية وهي تلعن الحافلة التي تعطلت في منتصف الطريق، ثم تابعت ركضها بأقصى ما تستطيع. اليوم ليس عاديًا. هذه المقابلة قد تكون فرصتها الأخيرة قبل أن يطرق أصحاب الديون باب منزلها مجددًا. ارتفع أمامها المبنى الزجاجي الضخم أخيرًا، شامخًا بطريقة جعلتها تشعر بصغرها للحظة. "شركة الكيلاني للعقارات والاستثمار." حتى الحروف الفضية المعلقة على الواجهة بدت باهظة الثمن. توقفت أمام الباب للحظات قصيرة، تحاول التقاط أنفاسها وترتيب خصلات شعرها التي بعثرها المطر. ثم همست لنفسها: "ادخلي يا ليان... مش هتخسري أكتر من اللي خسرتيه يعني." دفعت الباب أخيرًا. الدفء داخل الشركة صدمها بعد برودة الخارج، وكذلك الرخام اللامع، والثريات الضخمة، والموظفون الذين يتحركون بسرعة وكأن لكل واحد منهم عالمًا لا يتوقف. شعرت بأنها لا تنتمي لهذا المكان. ملابسها البسيطة بدت عادية أكثر من اللازم هنا. حتى حذاؤها المبتل جعلها ترغب بالاختفاء. اقتربت من مكتب الاستقبال بتردد. "السلام عليكم... عندي مقابلة عمل الساعة تسعة." رفعت الموظفة عينيها نحوها سريعًا قبل أن تنظر إلى الشاشة أمامها. "اتأخرتي عشر دقائق." انخفض قلب ليان. ابتسمت بتوتر وهي تقول: "عارفة... الطريق كان—" قاطعتها الموظفة بعملية واضحة: "الطابق السادس. آخر الممر." أومأت بسرعة. "شكرًا." اتجهت نحو المصعد وهي تحاول تجاهل نظرات البعض حولها. وفي اللحظة التي فُتح فيها باب المصعد، خرج رجل طويل القامة بخطوات هادئة وثابتة. ولأن عقلها كان منشغلًا بالكامل... اصطدمت به مباشرة. تناثرت الأوراق من الملف وسقط بعضها على الأرض اللامعة. "يا ربي!" انحنت بسرعة تجمعها بينما تمتمت بتوتر: "أنا آسفة... آسفة جدًا." ساد الصمت لثانية. ثم وصلها صوته. بارد... منخفض... وحاد بطريقة غريبة. "هو انتي دايمًا بتدخلي أي مكان وانتي بالفوضى دي؟" تجمدت يدها قليلًا. رفعت رأسها نحوه أخيرًا... وشعرت لوهلة أنها نسيت الكلام. رجل في أوائل الثلاثينات ربما، يرتدي بدلة سوداء أنيقة بشكل مثالي، ملامحه حادة بصورة مخيفة، وعيناه الداكنتان كانتا ثابتتين عليها ببرود أربكها أكثر. لم يكن جميلًا بالطريقة اللطيفة... بل بالطريقة التي تجعلك تشعر بالتوتر وأنت تنظر إليه. ابتلعت ريقها بسرعة. "قلت إني آسفة." ظل ينظر إليها للحظة دون رد، قبل أن ينحني فجأة ويلتقط إحدى الأوراق التي ابتعدت قليلًا. تناولتها منه بسرعة. "شكرًا." وقبل أن تضيف شيئًا، تجاوزها ببساطة واتجه إلى الخارج. راقبته ليان باستغراب. "متكبر." تمتمت بها بخفوت وهي تعيد ترتيب أوراقها. لكن ما لم تنتبه له... هو نظرات الموظفين المرتبكة حولها. وكأنها اصطدمت بشخص لا يجب الاصطدام به. بعد دقائق... كانت تجلس أمام قاعة الاجتماعات الصغيرة، تضغط أصابعها ببعضها بتوتر. كل ما كانت تفكر به هو: أرجوك يا رب... أنا محتاجة الوظيفة دي جدًا. فُتح الباب أخيرًا وخرج رجل خمسيني يحمل بعض الملفات. "الآنسة ليان؟" وقفت بسرعة. "نعم." ابتسم ابتسامة رسمية. "اتفضلي." دخلت خلفه بخطوات مترددة. ثم توقفت فجأة عندما رأت الشخص الجالس على رأس الطاولة. هو. الرجل نفسه. شعرت وكأن الدم هرب من وجهها بالكامل. أما هو... فلم تبدُ عليه أي ردة فعل. كان يجلس بهدوء قاتل، يراجع بعض الأوراق أمامه وكأن اصطدامهما قبل دقائق لم يحدث أصلًا. اقترب الرجل الخمسيني قائلًا باحترام: "سيد آسر، دي الآنسة ليان النجار." آسر. إذن هذا هو آسر الكيلاني نفسه. المدير التنفيذي. شعرت ليان برغبة حقيقية في الهرب. رفع آسر عينيه نحوها أخيرًا. تلك النظرة الباردة نفسها. ثم قال دون أي تعبير: "اقعدي." جلست بصعوبة وهي تحاول تجاهل التوتر الذي يلتف حولها. فتح ملفها أمامه بهدوء. "اتخرجتي بتقدير ممتاز." أومأت بخفة. "أيوه." "وليه ما اشتغلتيش لغاية دلوقتي؟" ترددت لثانية. "للأسف مالقتش فرصة مناسبة ليا." كانت تكره الحديث عن ظروفها أمام الغرباء. راقبها آسر بصمت قصير قبل أن يسأل: "وإنتِ بتعتبري الشركة دي فرصة مناسبة ليكي؟" لم يعجبها أسلوبه المستفز. رفعت نظرها نحوه مباشرة لأول مرة. "أعتبرها فرصة محتاجة ليها." ارتفع أحد حاجبيه قليلًا. وكأن جوابها فاجأه. تدخل الرجل الخمسيني سريعًا: "الآنسة ليان عندها مهارات ممتازة فعلًا، واجتازت أصلًا الاختبار التحريري بأعلى الدرجات." أعاد آسر نظره إلى الملف مرة أخرى. ثم أغلقه أخيرًا. ساد الصمت للحظات جعلت قلبها يخفق بعنف. قبل أن يقول بهدوء: "هيتم قبولكِ تحت فترة اختبار لمدة ثلاثة شهور... بدءًا من الغد. استعدي." اتسعت عيناها بعدم تصديق. "بجد؟" نظر إليها مباشرة. "وهو أنا شكلي بهزر معاكي دلوقتي؟" تورد وجهها فورًا. "لأ... أنا بس... شكرًا." لم يرد. اكتفى بإعادة نظره إلى الأوراق أمامه وكأن المقابلة انتهت بالفعل. وقفت ليان بسرعة وهي تحاول كتم ابتسامتها الصغيرة. لقد حصلت على الوظيفة. أخيرًا. بعد شهور طويلة من الأبواب المغلقة، والاعتذارات المهذبة، ونظرات الشفقة التي كانت تكرهها... حصلت على فرصة. شعرت فجأة أن الحمل الثقيل فوق كتفيها خف قليلًا. لأول مرة منذ مدة... ابتسمت لها الحياة. شدّت أصابعها حول حقيبتها بعزم وهي تحدث نفسها: مش هضيّع الفرصة دي من إيدي مهما حصل. هثبت للجميع... وله هو تحديدًا، إن وجودي هنا مش صدفة، وإني أستحق الوظيفة دي بجدارة. لكن قبل أن تصل إلى الباب، أوقفها صوته البارد مجددًا: "وفي المرة الجاية... حاولي ما تخبطيش في مديرك التنفيذي." تجمدت للحظة. ثم التفتت إليه بصدمة خفيفة. ولأول مرة... رأت شيئًا قريبًا من السخرية في عينيه. شيئًا صغيرًا جدًا. لكنه كان هناك. لم تُعر الأمر اهتمامًا كبيرًا، وأسرعت نحو الباب وهي تشكره مرة أخرى. ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهها وهي تتجه إلى الخارج، لكنها كادت تصطدم بالباب فعلًا من شدة شرودها وسعادتها. وصلتها ضحكة خافتة من مساعد المدير. بينما أطلق آسر زفرة طويلة وهز رأسه وكأنه فقد الأمل منها منذ اليوم الأول. احمرّ وجهها فورًا من الإحراج. "شاطرة يا ليان... بداية ممتازة فعلًا." تمتمت بها داخلها قبل أن تفتح الباب هذه المرة بحذر شديد وتخرج مسرعة. ولم ترَ نظرة آسر الأخيرة نحو الباب المغلق. نظرة قصيرة... وصامتة... قبل أن يعيد بصره إلى الأوراق أمامه من جديد، وكأن شيئًا لم يحدث. أما هي، فكل ما كان يشغلها الآن... أنها حصلت أخيرًا على وظيفة بعد شهور طويلة من التعب والرفض. ولم تكن تعلم أن هذه الوظيفة تحديدًا... ستقلب حياتها كلها رأسًا على عقب.البيت الذي امتلأ بالضحكات...مرّت ثلاثة أشهر منذ عودتهما من شهر العسل.وثلاثة أشهر كانت كافية لتكتشف ليان حقيقة لم يخبرها بها أحد قبل الزواج...أن آسر، الرجل الذي كان يدير إمبراطورية كاملة بكل هدوء، يتحول إلى شخص آخر تمامًا عندما يتعلق الأمر بالأعمال المنزلية.في صباح أحد أيام الجمعة، استيقظت ليان على رائحة غريبة ملأت المنزل.فتحت عينيها ببطء، ثم جلست في السرير وهي تشم الهواء."إيه الريحة دي؟"لم تجد آسر إلى جوارها.ارتدت روبًا خفيفًا، واتجهت نحو المطبخ.وما إن فتحت الباب...حتى توقفت مكانها.كان المطبخ أشبه بساحة معركة.الدقيق يغطي الرخامة.والبيض على الأرض.والحليب مسكوب بجوار الموقد.أما آسر...فكان يقف في المنتصف مرتديًا مئزرًا أبيض كتب عليه:"أفضل زوج في العالم."رفع رأسه إليها مبتسمًا."صباح الخير."ظلت تنظر إليه وإلى الفوضى من حوله.ثم سألت بهدوء مخيف:"إنت... بتعمل إيه؟"أجاب بثقة وكأنه أنجز مهمة عظيمة:"بفطر مراتي."اقتربت من الموقد.نظرت إلى المقلاة.ثم عادت تنظر إليه."وده إيه؟"نظر إلى المقلاة هو الآخر."أومليت."رفعت حاجبها."متأكد؟"نظر إليها، ثم إلى اللون الأسود الذي غ
الرجل الذي ظن أن قلبه ماتكان الليل هادئًا على غير عادته.تسللت نسائم البحر إلى شرفة الفندق، تحمل معها رائحة الملح والياسمين المزروع أسفل الشرفات، بينما كانت الأمواج تتكسر برفق على الصخور في إيقاع أشبه بلحنٍ هادئ لا يعرفه إلا من عاش طويلًا وسط الضجيج.خرج آسر إلى الشرفة بعدما تأكد أن ليان قد غرقت في نومٍ عميق.كانت ملامحها ساكنة...هادئة...كأن الحياة أخيرًا اعتذرت لها عن كل ما سرقته منها.وقف طويلًا يتأملها من خلف الزجاج، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة لم يشعر بها حتى هو.منذ سنوات...كان يظن أنه نسي كيف يبتسم.---أخرج من جيب سترته دفترًا جلديًا صغيرًا.كان هدية من ليان قبل أسبوع.قالت له يومها ضاحكة:"طالما مبتعرفش تقول اللي جواك... اكتبه."ابتسم وقتها ولم يعلق.أما الآن...فتح الصفحة الأولى.ظل القلم بين أصابعه عدة ثوانٍ، قبل أن يكتب أول جملة."إلى زوجتي... التي أعادت إليّ قلبي."توقف.نظر إلى الكلمات.ثم تنهد."واضح إني فعلًا بقيت رومانسي."ضحك وحده.ثم عاد يكتب.---"كنت دائمًا أقول إن أول مرة رأيتك فيها كانت داخل الشركة...لكن الحقيقة...إن أول مرة انتبهت فيها إليك لم تكن هناك."---عا
الفصول الخاصةالفصل الخاص الثانيشهر العسل... حيث ذاب الجليدلم تكن ليان تتخيل يومًا أن أكثر ما سيربكها بعد الزواج... هو حقيبة سفر.وقفت في منتصف غرفة النوم، تحيط بها الملابس من كل اتجاه، تمسك بفستان صيفي في يد، وحذاءً رياضيًا في الأخرى، بينما كانت تنظر إلى الحقيبة المفتوحة وكأنها لغز يستحيل حله.قالت وهي تزفر للمرة العاشرة:"أنا مش عارفة آخد إيه وأسيب إيه."كان آسر يستند إلى إطار الباب، مكتفًا بمراقبتها منذ عشر دقائق كاملة، دون أن يتدخل.ابتسم وهو يعقد ذراعيه أمام صدره."بقالك نص ساعة بتلفي حوالين الشنطة."التفتت إليه باستنكار."طبعًا! دي أول مرة أسافر شهر عسل."اقترب منها بهدوء.ثم أخذ الفستان من يدها ووضعه داخل الحقيبة."خلاص."نظرت إليه."خلاص إيه؟""خلاص اتحلت."ضيقت عينيها."إنت شايف إن كل الحلول سهلة كده؟"ابتسم ابتسامته المستفزة التي كانت تعرفها جيدًا."آه."ضربته بالمخدة القريبة منها.فضحك لأول مرة بصوت مرتفع.أمسك المخدة وأعاد رميها نحوها، فأصابتها في كتفها.شهقت وهي تضحك."آسر!""نعم؟""إنت بدأت.""وأنا هكسب."أمسكت مخدة ثانية، لتبدأ بينهما معركة قصيرة انتهت بعد دقائق، حين
أول ليلة... بلا خوفلأول مرة منذ سنوات طويلة، لم يكن الليل يحمل رائحة الخطر.لم تكن هناك سيارات سوداء تراقب المكان، ولا هواتف ترن برسائل تهديد، ولا رجال يختبئون خلف الظلال، ولا رصاص ينتظر لحظة غفلة ليخترق سكون الحياة.كانت المدينة هادئة...هادئة إلى درجة أن ليان شعرت بالغرابة.جلست إلى جوار آسر في السيارة التي كانت تشق الطريق ببطء، بينما كانت أضواء الشوارع تنعكس على زجاج النافذة في خطوط ذهبية متتابعة، ولم تكن تفعل شيئًا سوى النظر إلى الخارج، وكأنها تحاول أن تتأكد أن كل ما حدث منذ ساعات لم يكن حلمًا.أخيرًا...أصبحت زوجته.أما آسر، فكان يقود بصمت، لكن ملامحه لم تعد تحمل تلك الصرامة التي اعتادها الجميع، بل شيئًا من الراحة لم تعرف طريقها إلى وجهه منذ زمن بعيد.قطع الصمت صوته الهادئ."ساكتة ليه؟"ابتسمت وهي ما تزال تنظر من النافذة."بستغرب."رفع حاجبه."من إيه؟"التفتت إليه، ثم قالت بابتسامة صغيرة:"إحنا خارجين من فرحنا... ومفيش حد بيطاردنا."ضحك بخفة، ثم هز رأسه."أهو أخيرًا."سكت لحظة، ثم أضاف وهو ينظر للطريق:"أعترف إن الموضوع غريب حتى بالنسبة لي."ضحكت ليان، فضحك معها.كانا يضحكان على
وأخيرًا... الحياةبقيت ليان تنظر إلى الأفق، بينما كانت الشمس تغيب ببطء خلف المباني القديمة، لتغمر السماء بألوان ذهبية وبرتقالية دافئة، وكأنها تحتفل معهما بانتهاء رحلة طويلة من الألم. لم تكن تعلم أن آسر، الجالس إلى جوارها، يخوض في داخله معركة لا تقل صعوبة عن كل المعارك التي خاضها من قبل.كان يستطيع مواجهة الرصاص دون أن ترتجف يده.لكن الآن...كانت أصابعه ترتجف وهو يلمس العلبة الصغيرة داخل جيبه.لاحظت ليان شروده.ابتسمت وهي تميل نحوه قليلًا."مالك؟"تنحنح بخفة."ولا حاجة."ضيقت عينيها."أنت عمرك ما عرفت تكذب."ضحك بخجل لم تره عليه من قبل.ثم وقف فجأة.مد يده إليها."تعالي."أمسكت يده، ونهضت وهي تبتسم باستغراب.سارا ببطء حتى وصلا إلى الشجرة الكبيرة التي كانت تقف في طرف الحديقة، حيث بدأت حكايتهما قبل أشهر طويلة، يوم كانت كل كلمة بينهما تنتهي بشجار.توقف آسر.وأخذ نفسًا عميقًا.ثم استدار إليها.لم يكن يحمل سلاحًا هذه المرة...ولا خطة هروب...ولا يخوض معركة.كان يحمل قلبه فقط.أخرج العلبة الصغيرة من جيبه.واتسعت عينا ليان.نظر إليها بعينين امتلأتا حبًا.ثم انخفض على ركبة واحدة.شهقت وهي وضعت
آخر رسالة... وأول حياةلأول مرة منذ سنوات طويلة...لم تكن ليان تركض.لم تكن تختبئ.لم تكن تنظر خلفها كل بضع خطوات خوفًا من رصاصة أو خيانة أو وجه يخرج من الماضي.كانت السماء فوقها صافية على نحو لم تنتبه إليه من قبل، والنسيم الخفيف الذي داعب خصلات شعرها بدا وكأنه يحمل معها آخر بقايا الألم بعيدًا، حتى شعرت وهي تسير بجوار آسر أن العالم، الذي اعتادت أن تراه مكانًا قاسيًا لا يرحم، بدأ يمنحها أخيرًا فرصة لتلتقط أنفاسها.سارا معًا في الممر الحجري المؤدي إلى المنزل الذي كانت مريم قد أوصت بأن تُفتح وصيتها الأخيرة فيه، لا في المحكمة ولا في النيابة، بل في بيتها القديم... البيت الذي شهد أجمل سنوات عمرها، قبل أن تسرقها المؤامرات من ابنتها.فتح سامر الباب ببطء.صرّ الخشب القديم تحت يده، بينما اندفعت رائحة المكان التي امتزجت برائحة الكتب والياسمين الجاف.توقفت ليان عند العتبة.شعرت بشيء يخنقها.همست دون أن تشعر:"ريحة ماما..."ساد الصمت.حتى عمر، الذي اعتاد كسر أي لحظة حزينة بمزحة، لم يجد هذه المرة كلمة واحدة يقولها.اقتربت نجلاء من ليان وربتت على كتفها برفق."ادخلي يا حبيبتي..."ابتسمت ليان ابتسامة
لم تكن ليان تعرف لماذا بقيت كلمات سيرين عالقة في رأسها طوال بقية اليوم." شكل الأستاذ آسر بيديكي اهتمام خاص شوية ولا أنا بيتهيألي ."كلما حاولت تجاهل الجملة… عادت.وكلما أقنعت نفسها أنها مجرد ملاحظة عابرة، تذكرت الطريقة التي قالتها بها.هادئة.ناعمة.لكن خلفها شيء آخر.شيء يشبه التحذير.أو التهديد.
لم تستطع ليان تجاهل شعورها بالانزعاج طوال طريق العودة إلى المنزل.كانت صورة المرأة التي دخلت الشركة آخر الدوام لا تزال عالقة داخل رأسها.سيرين الألفي.حتى اسمها بدا ثقيلًا بطريقة ما.والأغرب…تلك النظرة.النظرة التي ألقتها عليها للحظات قصيرة فقط، لكنها حملت شيئًا جعل معدة ليان تنقبض دون سبب واضح.ك
لم تستطع ليان النوم جيدًا تلك الليلة.والسبب لم يكن ضغط العمل الجديد، ولا خوفها من ارتكاب الأخطاء…بل تلك الابتسامة.أو بالأحرى، الشيء الذي بدا قريبًا من الابتسام على وجه آسر الكيلاني.كلما أغمضت عينيها، تذكرت ملامحه الجامدة ثم تلك اللحظة القصيرة التي تغيّر فيها شيء ما.ثانية واحدة فقط.لكنها كانت
رنّ المنبه للمرة الرابعة قبل أن تتمكن ليان أخيرًا من فتح عينيها بتثاقل.مدّت يدها تتحسس الهاتف فوق الطاولة الصغيرة بجانب سريرها، ثم أطفأته بسرعة قبل أن يوقظ والدتها النائمة في الغرفة المجاورة.ساد الصمت للحظات.حدقت بالسقف القديم المتشقق بينما بدأت تفاصيل الأمس تتدفق إلى عقلها تدريجيًا…المقابلة.ا







