Masukهناك رجال تعلموا منذ الصغر أن الضعف يُعاقب، وأن الرحمة ثغرة، وأن التردد خسارة، لذلك حين يغضبون لا يبدو الأمر انفجارًا… بل برودًا مخيفًا يجعل الآخرين يدركون متأخرين أنهم تجاوزوا الحد الخطأ.....هبطت ليان من السيارة بسرعة قبل أن تستوعب ما تفعله، كان قلبها يضرب بعنف داخل صدرها بينما رأت المشهد أمامها يتوتر خلال ثوانٍ قليلة، الرجل الغريب الذي وقف قرب السيارة السوداء بدا في الأربعينات تقريبًا، ملامحه خشنة وعيناه تحملان ذلك الوقاحة المعتادة لدى من اعتادوا تخويف الآخرين مقابل المال، وحين دفع كتف آسر بحدة كما لو كان يختبره، شعرت ليان ببرودة حادة تسري داخل أطرافها.لكن الشيء الذي أربكها أكثر…أن آسر لم يتحرك فورًا.لم يصرخ.لم يغضب بالطريقة المعتادة.بل وقف ثابتًا.هادئًا.بهدوء سيئ.ثم أنزل نظره ببطء إلى اليد الممسكة بذراعه.ونظر إليها ثانية واحدة فقط.ثانية كانت كافية.لأن الرجل نفسه سحب يده تلقائيًا.وكأن شيئًا في نظرة آسر جعله ينتبه.متأخرًا.قال الرجل بعدها بنبرة ساخرة يحاول بها استعادة ثقته:"هو إنت مين أصلًا؟"أما آسر…فأجاب بصوت منخفض جدًا:"السؤال المهم، إنت مين، وإيه اللي جابك هنا؟"
هناك لحظة يتغير فيها كل شيء بين شخصين، ليست اعترافًا، ولا قبلة، ولا وعدًا واضحًا، بل لحظة يبدأ فيها أحدهما بالخوف على الآخر أكثر مما يخاف على نفسه......بقيت ليان تحدق في آسر لثوانٍ بعد جملته الأخيرة، بينما شعرت أن الهواء حولهما أصبح أثقل فجأة، لأن نبرة صوته حين قال إن هناك من يحاول سرقة ملفات الشركة لم تكن تشبه نبرته المعتادة، لم تكن نبرة مدير غاضب بسبب مشكلة عمل، بل شخص يعرف أن ما يحدث أخطر.وأخطر بكثير.أما هو…فكان ينظر إلى شاشة هاتفه مجددًا، يقرأ رسالة وصلت للتو، ومع كل ثانية تمر كانت ملامحه تصبح أكثر صلابة.شيء بارد.حاد.كأن الرجل الذي وقف قبل دقائق خائفًا عليها قرب الشارع اختفى.وحل مكانه شخص آخر.الشخص الذي يخشاه الجميع داخل الشركة.رفعت ليان رأسها نحوه ببطء.ثم سألت دون تفكير:"الموضوع كبير؟"رفع عينيه إليها.ثانية واحدة فقط.لكنه بدا مترددًا بشكل غريب.وكأن جزءًا منه لا يريد إدخالها.والجزء الآخر…متعب من إبعادها.ثم قال أخيرًا:"المفروض متشغليش بالك."تجمدت لحظة.ثم عقدت حاجبيها فورًا."ده مش رد."شيء صغير مر داخل عينيه.شيء يشبه الدهشة.ربما لأنها أول شخص منذ وقت طويل لا
هناك أشخاص يقضون عمرهم كاملًا في بناء الجدران حول أنفسهم، ثم يأتي شخص واحد فقط، لا يهدمها بالقوة، بل يراه في اللحظة التي ينهار فيها خلفها، وتلك… أخطر بداية ممكنة.......تجمدت ليان مكانها فور أن التقت عيناها بعيني آسر، كان يقف على بعد أمتار قليلة تحت الإضاءة الخافتة أمام الفندق، وخلفه الليل الهادئ يبدو ساكنًا بشكل يناقض التوتر الذي انفجر فجأة بينهما، أما هو فظل ينظر إليها لثوانٍ طويلة دون أن يتحرك، وثمة شيء مر داخل ملامحه سريعًا، شيء نادر، أقرب للانزعاج من كونه انكشف.أما هي…فشعرت بالارتباك أولًا.ثم بشيء آخر.شيء يشبه الحزن.لأنها للمرة الأولى رأت جزءًا من الحقيقة.رأت أن بروده لم يولد معه.بل صُنع.على يد شخص يشبهه في الملامح ويختلف عنه في كل شيء آخر.تحركت شفتيها قليلًا.أرادت الاعتذار.أو التظاهر بأنها لم تسمع.لكن الكلمات خانتها.أما آسر…فسبقها.وقال بصوت منخفض:"سمعتي؟"السؤال خرج مباشرًا.دون محاولة إنكار.ودون هروب.وهذا وحده فاجأها.ترددت لحظة.ثم أومأت ببطء.الصمت.برد الليل صار أوضح فجأة.وأخفض آسر رأسه قليلًا، كأنه يضحك بسخرية لا تخصها.ثم قال:"كويس."رمشت ليان بسرعة.ع
أصعب أنواع الانهيار ليست تلك التي تحدث بصراخ، بل التي تأتي بعد سنوات من التماسك، حين يتعب الإنسان فجأة من كونه قويًا طوال الوقت.......توقفت ليان عن التنفس تقريبًا بعد كلمته الأخيرة، أو ربما كان صدرها فقط قد نسي كيف يأخذ الهواء بشكل طبيعي، لأن التعب الذي ظلت تدفعه بعيدًا طوال شهور، وربما سنوات، بدأ يتحرك داخلها بعنف، ومعه ذلك الخوف القديم الذي لازمها منذ وفاة والدها، الخوف من أن تستيقظ يومًا فتجد كل شيء ينهار دفعة واحدة.البيت.الديون.والدتها.العمل.كل شيء.أما آسر…فكان ما يزال ينظر إليها.بنفس الهدوء المزعج.الهدوء الذي لا يمنحها فرصة للهروب.خفضت رأسها سريعًا.ثم خرج صوتها ضعيفًا رغم محاولتها السيطرة:"أنا… لازم أمشي."وتحركت فعلًا.خطوة واحدة فقط.لكن صوته أوقفها.هادئًا.وحاسمًا:"استني."تجمدت مكانها.وأغمضت عينيها للحظة.لا.ليس الآن.ليس وهي بهذا الشكل.لكنها سمعت خطواته تقترب قليلًا.ثم قال بصوت أخفض:"بصيلي."يا إلهي.كم تكره هذه الكلمة منه.لأنها دائمًا تجعلها تشعر أن الاختباء مستحيل.رفعت رأسها ببطء.وكانت تلك غلطة.لأنها رأت شيئًا لم تعتد رؤيته داخل عينيه.قلق.حقيقي.
توجد لحظات لا يستطيع الإنسان العودة بعدها إلى ما كان عليه سابقًا، ليس لأن شيئًا كبيرًا حدث، بل لأن شخصًا ما وقف إلى جانبه في الوقت الذي اعتاد فيه أن يقف وحده......بقي الصمت معلقًا فوق الشرفة لثوانٍ طويلة بعد كلمات آسر، ذلك النوع من الصمت الذي يحمل أكثر مما يقال، لأن سيرين، للمرة الأولى تقريبًا منذ عرفتها ليان، بدت عاجزة عن الرد سريعًا، اختفت ابتسامتها الواثقة قليلًا، وظهر شيء يشبه الانزعاج الحقيقي داخل عينيها.أما ليان…فوقفت مكانها متجمدة.ليس بسبب سيرين.ولا بسبب التوتر.بل بسبب جملة واحدة فقط."مبحبش حد يقلل من قيمة الناس اللي اشتغلت عشان توصل."ناس.قالها بصيغة عامة.لكن عينيه وقتها…لم تكونا على أحد غيرها.وهذا كان المشكلة.أنها بدأت تنتبه للأشياء الصغيرة.وهذا خطر.أما سيرين…فأخذت نفسًا بطيئًا، ثم عادت ترتدي هدوءها المعتاد كما لو كانت تضع قناعًا تعرفه جيدًا.ابتسمت بخفة وقالت:"واضح إنك فهمت الكلام بشكل أكبر من حجمه."رد آسر فورًا.بهدوء مرعب:"وأنتِ واضح إنك متعودة الناس تسكت."الصمت.ضربة أخرى.شعرت ليان أن الوضع بدأ يتجاوز حدود الإحراج.وقبل أن يتصاعد أكثر، تحركت خطوة للأم
هناك لحظة خفية تبدأ فيها المشاعر بالخروج من الظل، ليس باعتراف، ولا بكلمة واضحة، بل برد فعل صغير لا يحدث إلا حين يصبح وجود شخص ما مهمًا أكثر مما ينبغي.....ساد الصمت حول الطاولة لثوانٍ بعد كلمات آسر، ذلك النوع من الصمت الذي يبدو طبيعيًا للغرباء لكنه يحمل توترًا واضحًا لمن يجلسون داخله، توقفت ابتسامة سيرين للحظة قصيرة جدًا، قصيرة لدرجة أن غير المنتبه لن يلاحظها، لكنها كانت هناك، ارتباك صغير سرعان ما أخفته خلف هدوئها المعتاد.ثم ابتسمت بخفة وقالت بصوت ناعم:"كنت بهزر بس."أما آسر…فاكتفى بالنظر إليها ثانية واحدة قبل أن يعود إلى حديث العمل كأن شيئًا لم يحدث.لكن المشكلة…أن شيئًا حدث فعلًا.على الأقل داخل ليان.لأنها بقيت تنظر نحو كوب الماء أمامها محاولة تجاهل الإحساس الغريب الذي ظهر داخل صدرها، إحساس غير مريح لأنها للمرة الأولى رأت شخصًا مثله، باردًا، محسوبًا، لا يتدخل عادة، يقطع حديثًا بهذه الطريقة.ومن أجل ماذا؟من أجل تعليق.تعليق سخيف.إذًا لماذا شعرت أن قلبها ارتبك؟ولماذا ظهر صوت صغير داخل عقلها يهمس:"كان بيدافع عنك."أزعجتها الفكرة فورًا.فشربت الماء بسرعة كأنها تطردها.مر الوقت







