Mag-log inالمستشفى القديم
كان الطريق إلى المستشفى القديم خاليًا بصورة مخيفة. مصابيح الشوارع المتباعدة كانت تمر فوق وجه آدم للحظات، فتُظهر ملامحه المتوترة ثم تعيدها إلى الظلام. جلست ليان إلى جواره، صامتة. منذ أن رأيا الصورة القديمة، لم تستطع إخراجها من رأسها. هي وآدم... طفلان. في المكان نفسه. قبل الحريق بسنوات. وأحدهما لم يكن يعرف الآخر، على الأقل كما كانت تظن. قطعت الصمت أخيرًا: ـ آدم. ـ نعم؟ ـ هل كنت تعرفني قبل الحريق؟ ظل ينظر إلى الطريق. ـ لا. ـ إذن كيف ظهرت صورتنا معًا؟ قبض على المقود. ـ لا أعرف. ـ أنت تكذب. نظر إليها للحظة. ـ لو كنت أعرف، لأخبرتك. ـ لماذا أثق بك؟ خرجت منه ضحكة قصيرة بلا فرح. ـ لا ينبغي أن تثقي بي. التفتت إليه. ـ لكنك طلبت مني أن أذهب معك. ـ لأنني لا أستطيع تركك وحدك. ـ وهذا ليس جوابًا. ساد الصمت. ثم قال بصوت أخفض: ـ لأنني بدأت أخاف عليكِ. توقفت عن الكلام. لم تكن الجملة رومانسية بالمعنى الذي اعتادته في الروايات... لكنها كانت صادقة. ولهذا كانت أخطر. أدارت وجهها نحو النافذة حتى لا يرى ارتباكها. أما آدم، فعاد إلى الطريق وكأنه لم يقل شيئًا. --- توقفت السيارة أمام المستشفى القديم. كان المبنى مهجورًا منذ سنوات. نوافذه مكسورة، وأبوابه صدئة، والجدران مغطاة بآثار الرطوبة. قالت ليان: ـ المكان يبدو كأنه لم يدخله أحد منذ سنوات. أجاب آدم: ـ وهذا بالضبط ما يجعلني لا أثق به. ترجل من السيارة. ثم فتح لها الباب. مد يده. نظرت إلى يده لحظة، ثم أمسكت بها. لم يتركها فورًا. ولا هي سحبت يدها. تبادلا نظرة قصيرة. ثم قال: ـ ابقي قربي. ابتسمت بخفة. ـ هذه المرة لن أجادلك. قال: ـ بدأتِ تتعلمين. ـ لا تفرح كثيرًا. دخل الاثنان المبنى. كان الصمت في الداخل خانقًا. وفجأة... اشتعل ضوء واحد في نهاية الممر. توقف آدم. ـ لا تتحركي. قالت: ـ هل هناك أحد؟ لم يجب. تقدم ببطء. ثم وجد بابًا يحمل رقم: 17 فتح الباب. كانت الغرفة خالية. لكن فوق السرير القديم كان هناك ظرف أبيض. اقترب آدم. فتح الظرف. فوجد صورة. الصورة نفسها التي شاهداها من قبل. لكن هذه المرة... كان هناك شخص ثالث يقف بجوار الطفلين. تغير وجه آدم. قالت ليان: ـ من هذا؟ رفع الصورة نحو الضوء. ثم همس: ـ لا أعرف. قلب الصورة. كانت هناك عبارة مكتوبة: "اسألا عن الغرفة 17." وفجأة... سمعا صوت باب يُغلق خلفهما. استدار آدم بسرعة. كانت ليان واقفة أمام الباب. لكن الباب لم يكن مغلقًا فقط... بل كان هناك شخص يقف خلف زجاجه. رجل يرتدي معطفًا أسود. ثم رفع يده... وأظهر خاتم الذئب. تراجع آدم خطوة. ـ ليان، ابتعدي عن الباب. لكن الرجل اختفى. اندفع آدم وفتح الباب. لم يجد أحدًا. فقط ممر طويل مظلم. ثم سمعا صوت خطوات تصعد الدرج. ركض آدم خلفه. تبعتْه ليان. وصلا إلى الطابق الثاني... لكن الرجل لم يكن هناك. وفجأة... أُغلق باب معدني خلفهما. توقفت ليان. ـ آدم... التفت إليها. كانا محاصرين. وفي نهاية الممر... اشتعلت شاشة صغيرة معلقة على الحائط. ظهر عليها رجل مجهول. لم تظهر ملامحه. وقال: ـ كنتما أبطأ مما توقعت. قال آدم بغضب: ـ من أنت؟ ضحك الرجل. ـ السؤال الأهم... لماذا كانت ليان هنا قبل عشرين عامًا؟ تجمدت. ـ ماذا؟ أجاب الرجل: ـ نعم يا ليان... أنتِ لم تدخلي هذا المستشفى للمرة الأولى الليلة. أنتِ كنتِ هنا طفلة. ثم ظهرت على الشاشة صورة قديمة. كانت ليان طفلة فعلًا. تقف داخل المستشفى... وبجانبها آدم، وهو طفل أيضًا. شهقت ليان. ـ هذه الصورة مزورة. قال الرجل: ـ أتمنى ذلك. ثم ظهرت صورة ثانية. كان والد ليان يقف خلفهما. وبجواره يوسف السيوفي. لكن المفاجأة كانت في الشخص الثالث. فؤاد. قال الرجل: ـ في تلك الليلة... كان آباؤكم الأربعة معًا. ثم أضاف: ـ وهناك شيء آخر لا تعرفانه. ظهرت شاشة سوداء. ثم ظهرت جملة واحدة: "الحريق لم يبدأ في المصنع." شهقت ليان. نظر آدم إليها. وفي اللحظة نفسها... صدر انفجار هائل في الطابق السفلي. اهتز المبنى بعنف. سقط جزء من السقف. وأمسك آدم بليان وجذبها إلى صدره قبل أن تسقط عليها قطعة من الحطام. احتضنها لحمايتها. وضعت يديها على صدره دون تفكير. كانت تسمع ضربات قلبه المتسارعة. قال بالقرب من أذنها: ـ هل أنتِ بخير؟ همست: ـ نعم... ثم رفعت عينيها إليه. كان وجهه قريبًا جدًا. للحظة... نسيا الخطر. لكن صوت الرجل عاد من الشاشة: ـ استمتعا بهذه اللحظة... لأن أحدكما لن يخرج من هذا المستشفى. وانطفأت الشاشة. ثم بدأ الدخان يتسلل من أسفل الباب. نظر آدم إلى ليان. وقال: ـ الآن... علينا أن نركض. أمسك يدها. وانطلقا في الممر بينما كان الحريق يشتعل أسفل المبنى. لكن خلفهما... بدأت صورة قديمة معلقة على الحائط تسقط. وانكشف خلفها نقش محفور في الجدار: "ليان وآدم... البداية كانت هنا."أبوك الحقيقي توقفت ليان عن التنفس. كان الرجل الواقف أمامهما يشبه آدم بدرجة مخيفة. نفس ملامح الوجه... نفس العينين... لكن السنوات تركت على وجهه قسوة لم تكن موجودة في ملامح آدم. أما آدم، فبقي جامدًا. كأنه فقد القدرة على الكلام. قال أخيرًا: ـ أنت... ابتسم الرجل. ـ نعم. ـ أنت مت. ـ الجميع يعتقد ذلك. ـ رأيت قبرك. ـ القبر لا يعني أن صاحبه مات. اقترب آدم خطوة. ـ أين كنت طوال هذه السنوات؟ ـ أراقبك. ـ لماذا؟ ـ لأعرف إن كنت ستصل إلى الحقيقة. ضحك آدم بمرارة. ـ الحقيقة؟ وأشار إلى ليان. ـ أي حقيقة؟ أنني لست ابنك؟ ـ هذه واحدة منها. تدخلت ليان: ـ من أنت؟ نظر إليها الرجل. ـ اسمي نادر السيوفي. ثم قال: ـ وأنا والد آدم. سألته: ـ ولماذا كنت موجودًا ليلة الحريق؟ تغيرت ملامحه. ـ لأنني كنت أحاول إنقاذكما. قال آدم: ـ أنا وليان؟ ـ نعم. ـ لماذا؟ صمت نادر. ثم قال: ـ لأن أخي كان يريد قتلكما. اتسعت عينا آدم. ـ أي أخ؟ ـ سامي. تجمدت ليان. ـ عمي؟ ـ نعم. قال نادر: ـ سامي لم يكن يحميك يا ليان. ـ إذن لماذا كان يتظاهر
لم تتحرك ليان. كانت الجملة الأخيرة تدور في رأسها كأنها رصاصة لم تجد طريقها للخروج. "أنتما تشتركان في الأب نفسه." نظرت إلى آدم. كان وجهه شاحبًا. لكن عينيه لم تغادرا عيني الرجل. قال آدم: ـ أعطني الورقة. لم يتحرك الرجل. ـ لماذا؟ ـ أعطني الورقة. اقترب ياسين، وانتزع الملف من يد الرجل، ثم أعطاه لآدم. فتح آدم التقرير. قرأ السطور مرة... ثم أعاد قراءتها. كانت نتيجة فحص الحمض النووي واضحة. تطابق بنسبة كبيرة. رفع عينيه ببطء. ـ هذه النتيجة مزورة. ابتسم الرجل. ـ لماذا أنت متأكد؟ ـ لأنني أعرف فصيلة دم أبي. ـ الورقة لا تتحدث عن فصيلة الدم. ـ بل تتحدث عني. ثم أشار إلى النتيجة. ـ لكن العينة المستخدمة ليست لي. تغير وجه ياسين. قال: ـ كيف عرفت؟ ـ لأنني أجريت فحصًا منذ سنوات. ـ ولماذا؟ ـ بسبب مرض وراثي في العائلة. توقف. ثم نظر إلى ليان. ـ ولو كانت النتيجة صحيحة... صمت. لم يستطع إكمال الجملة. قالت ليان: ـ ماذا؟ رفع عينيه إليها. ـ لكانت كل تحاليل حياتي كاذبة. قال سامي من الخلف: ـ لأنها كاذبة فعلًا. التفت الجميع إليه. ك
ظلّت ليان تحدّق في سليم.الرجل الذي قيل إنه مات منذ سنوات...يقف أمامها الآن.حيًّا.هادئًا.وكأنه لم يختفِ من العالم يومًا.قال آدم بحدة:ـ سليم...ابتسم الرجل.ـ اشتقت إليك يا آدم.رفع آدم سلاحه.ـ لا تتحرك.ضحك سليم.ـ ما زلت تتصرف بعقل الصبي الذي كنت عليه.ـ وأنت ما زلت تهرب من الحساب.ـ الحساب؟تقدم سليم خطوة.ـ لو كنت تعرف نصف ما أعرفه، لعرفت أنني لم أهرب من شيء.قالت ليان:ـ أنت قتلت أبي؟نظر إليها سليم.ـ أي أب تقصدين؟تجمدت.ـ ماذا؟ـ سامي الشاذلي؟ثم ابتسم.ـ أم سامي السيوفي؟شهقت ليان.نظر آدم إليه.ـ ماذا تقصد؟قال سليم:ـ والدك الحقيقي ليس هو السؤال الذي يجب أن تبحث عنه.ثم أشار إلى ليان.ـ السؤال هو: لماذا كنتِ أنتِ المفتاح؟قالت:ـ مفتاح ماذا؟ـ للحقيقة.ـ كفى ألغازًا!ارتفع صوتها.ـ أين أبي؟قال سليم:ـ حي.تنفست بارتجاف.ـ أريد أن أراه.ـ سترينه.ـ الآن.ـ ليس بعد.تدخل آدم:ـ لن تلمسها.نظر إليه سليم.ـ أنت لا تزال تحميها.ـ نعم.ـ رغم ما حدث لأخيك؟ـ أنت تعرف أن ياسين لم يمت.اختفت الابتسامة من وجه سليم.ـ إذن قابلته.ـ نعم.ـ خطأ.قال آدم:ـ لماذا؟ـ لأن ياسين لا ي
الوجه الذي في الذاكرةظلّت ليان تحدّق في آدم.لم يكن في عينيها اتهام واضح...ولا ثقة.كان هناك شيء أسوأ.الخوف.الخوف من أن تكون ذاكرتها قد قالت الحقيقة أخيرًا.أما آدم فبقي ثابتًا، رغم أن الكلمات التي قرأها على الورقة كانت تدور في رأسه:"اسأل ليان عمّن ضغط الزر."قال بصوت خافت:ـ ليان...رفعت يدها.ـ لا تقترب.توقف.ـ أنا لم أفعل شيئًا.ضحكت بمرارة.ـ لكن ذاكرتي تقول إنك فعلت.ـ ذاكرتك مجتزأة.ـ كيف تعرف؟ـ لأنني كنت طفلًا وقتها.ـ وأنا كنت طفلة.ـ بالضبط.اقترب خطوة، ثم توقف عندما رآها تتراجع.ـ أنتِ لا تتذكرين ما حدث قبل الزر، ولا ما حدث بعده.قالت:ـ لكنني أتذكرك.ـ ماذا رأيتِ؟أغمضت عينيها.عاد المشهد.مصنع.دخان.صرخات.والدها.رجل يحمل خاتم الذئب.ثم...آدم.كان واقفًا أمامها.مد يده نحو زر أحمر.وقال:"اضغطيه."فتحت عينيها فجأة.ـ كنت هناك.قال آدم:ـ نعم.ـ وكنت تعرف ماذا سيحدث.ـ لا.ـ لماذا إذن طلبت مني الضغط عليه؟ـ لم أطلب منك.ـ أنا رأيتك!ـ رأيتِ شيئًا حدث منذ عشر سنوات وأنت طفلة، ولا تعرفين إن كان حقيقيًا أم ذكرى زرعها أحد في رأسك.صمتت.كان كلامه منطقيًا.لكن قلبها لم
لم تستطع ليان أن تتنفس.كانت الذكرى أمام عينيها واضحة هذه المرة.رجل يقف أمامها وهي طفلة.صوته هادئ.حنون.لكنه ليس صوت والدها.ومع ذلك...كانت تناديه:"أبي."وضعت يدها على فمها.ـ هذا ليس أبي...قال آدم:ـ ماذا رأيتِ؟هزت رأسها.ـ رجل آخر.ـ من؟ـ لا أعرف.ثم رفعت عينيها إليه.ـ لكنه كان يتصرف كأنه أبي.اقترب آدم منها.ـ هل رأيتِ وجهه؟أغمضت عينيها.حاولت استدعاء الصورة.لكن وجه الرجل ظل غارقًا في الظلام.قالت:ـ لا.ثم همست:ـ لكنني أتذكر شيئًا.ـ ماذا؟ـ كان يضع خاتم الذئب.تبادل آدم وليان النظرات.قال آدم:ـ إذن الخاتم لم يكن دليلًا على شخص واحد.ـ ماذا تقصد؟ـ كل شخص رأيناه كان يحمل الخاتم.ـ أبي...ـ ياسين...ـ سليم...ـ وربما الرجل الذي قتل العقيد.قالت ليان:ـ إذن الخاتم رمز.أومأ آدم.ـ وليس هوية.***اقترب آدم من جهاز التسجيل.أعاد المقطع الأخير.هذه المرة ركز على صوت الطفل."اضغطي الزر يا ليان."ثم أعاد تشغيله.مرة ثانية.وثالثة.قالت ليان:ـ هناك شيء خلف الصوت.رفع آدم الصوت.ظهر تشويش خافت.ثم صوت آخر.رجل يتحدث بعيدًا.ـ عندما تضغط الزر، سينتهي كل شيء.ثم صوت سامي:ـ لا!
الزر الأحمرتوقفت ليان عن التنفس.كانت تنظر إلى آدم وكأنها تراه للمرة الأولى.ـ أنت قلت لي أن أضغط الزر...لم يجب.ـ أليس كذلك؟قال آدم بصوت منخفض:ـ لا أتذكر.ضحكت بمرارة.ـ بالطبع لا تتذكر.ـ ليان، كنت طفلًا.ـ لكنني كنت طفلة أيضًا!ارتفع صوتها:ـ لماذا أتذكر أنا وحدي؟!اقترب منها آدم.فتراجعت.توقف مكانه.كانت المسافة بينهما أكبر من أي وقت مضى.قال:ـ لا أعرف ماذا حدث في تلك الليلة.ـ لكنك كنت هناك.ـ نعم.ـ وقلت لي أن أضغط الزر.ـ ربما...توقف.ـ ربما كنت أحاول إيقاف شيء.قال الرجل الغامض:ـ لا تكذب عليها يا آدم.استدار آدم نحوه.ـ أنت لا تعرف شيئًا.ابتسم الرجل.ـ بل أعرف أكثر منك.رفع آدم سلاحه.ـ اخلع القناع.ـ لماذا؟ـ أريد أن أعرف من أتحدث إليه.ـ ستعرف.ثم نظر إلى ليان.ـ لكن ليس الآن.قالت ليان:ـ لماذا تجمعونني حول هذه الذكريات؟ـ لأنك الوحيدة التي تستطيعين فتح الحقيقة.ـ وأين أبي؟ـ قريب.ـ أريد رؤيته.ـ سترينه.ـ متى؟ابتسم.ـ عندما تتذكري من أعطاك الأمر.ثم استدار نحو الباب.قال آدم:ـ لن تخرج.توقف الرجل.ـ لو أردت قتلكما، لما تحدثت إليكما كل هذا الوقت.ثم أضاف:ـ اسأل







