Home / الرومانسية / بين زهرة و البندقية / الثاني: رصاصة تحت الثريا

Share

الثاني: رصاصة تحت الثريا

last update publish date: 2026-08-14 05:48:44

انكسر الصمت بصوت "تشانغ دو":

— «هذا غير معقول يا أبي!»

كان يقف في وسط القاعة وملامحه مشدودة بالغضب، بينما ظل الجنرال "تشانغ بي" ثابتاً خلف مكتبه. أخرج ظرفاً أحمر مختوماً ووضعه على الطاولة بصوت هادئ لكنه قاطع، وجانبه حزمة صغيرة من بطاقات الدعوة المذهبة:

— «البطاقة جاهزة، وأسماءكما وتواريخ ميلادكما مختومة من الكاهن الأكبر. غداً حفل الخطوبة، وبعد أسبوع الزفاف. هذا ليس طلبًا... هذا قرار. وهذه البطاقات لكِ يا آنسة لي ميا، إن أردتِ دعوة من يعز عليكِ من معارفكِ.»

ضرب "تشانغ دو" بقبضته على حافة الطاولة:

— «قرارك أنت، وليس قراري! كيف يمكنك أن تقرر أن أتزوج امرأة لم أرها منذ سنوات وكأن حياتي ورقة من أوراق الجيش؟»

رفع الجنرال عينيه إليه بصرامة:

— «لأنك ابني، ولأنك تعرف جيداً ما تمر به البلاد. عائلة لي تحتاج إلى حماية، وعائلتنا تحتاج إلى تحالف يحفظ مصالحها. هذا الزواج سيمنح الطرفين ما يحتاجانه.»

— «أنا لا أتزوج من أجل المصالح السياسية.»

— «بل ستفعل.»

اقترب "تشانغ دو" منه:

— «وماذا لو رفضت؟»

نهض الجنرال ببطء، ولم تتغير نبرته:

— «حينها ستثبت أنك لست أهلاً للرتبة التي تحملها.»

اشتعل الغضب في عيني "تشانغ دو":

— «تستخدم رتبتي لإجباري على الزواج؟»

— «وأنت تستخدم كبرياءك لتدمير مستقبل فتاة لا ذنب لها.»

ساد الصمت.

كان "تشانغ دو" يعرف أن والده أصاب نقطة حساسة، لكنه لم يكن مستعداً للتراجع. التفت نحو "لي ميا" بحدة:

— «وأنتِ؟ هل كنتِ تعرفين بهذا؟»

هزت رأسها ببرود:

— «كنت أعرف بوجود اتفاق قديم بين والدي والجنرال، لكنني لم أعرف أن الأمر يتعلق بك.»

ضحك "تشانغ دو" بسخرية:

— «رائع. إذن نحن الاثنان ضحيتان في صفقة أبرمها والدان قبل أن نسأل عن رأينا.»

رفعت "لي ميا" ذقنها بكرامة:

— «لا تجعلني أبدو كأنني سعيدة بهذا أكثر منك.»

نظر إليها للحظة، ثم أدار وجهه متفادياً عينيها.

تدخل الجنرال بصوت حاسم:

— «انتهى الحديث.»

خرج "تشانغ دو" من القاعة، وارتج الباب خلفه. لكن بعد خطوات قليلة، سمع صوت والده خلفه:

— «وتشانغ دو... غداً أريدك أن ترتدي بزتك الرسمية.»

في منتصف الليل، كان الهدوء يخيم على القصر.

وبينما كان "تشانغ دو" يمر بالحديقة الخلفية في طريقه إلى جناحه، رأى "لي ميا" جالسة تحت ضوء القمر وأمامها أوراق وقلم.

قال بسخرية:

— «بدأتِ دور الزوجة المطيعة مبكراً؟»

رفعت عينيها إليه بثبات، ومدت إليه ملفاً دون أن ترتبك:

— «أحلامك وحدك يا سيد تشانغ. هذا عقد يحدد شروطنا لما بعد الزفاف. اقرأه... وإن وافقت، وقّع.»

أخذ الأوراق وبدأ القراءة تحت ضوء الخافق. كان البند الأول ينص على احترام خصوصية كل طرف وعدم التدخل في شؤونه العسكرية أو الخاصة، أما البند الثالث فكان متعلقاً بتقسيم جناح النوم بعد الزواج.

رفع حاجبه باستنكار:

— «أنام على الأرض وأنتِ على السرير؟ أنا ضابط في هذا البيت، لا خادم.»

— «وأنا لست خادمة ستقبل بفرض حضورك عليها.»

تبادلا نظرات حادة، وبعد مساومة طويلة، اتفقا على تقسيم الغرفة إلى مساحتين مستقلتين بحدود واضحة.

وقّع "تشانغ دو" بضيق، ثم سحبت "لي ميا" العقد من يده بثقة:

— «تصبح على خير.»

استدارت وغادرت نحو جناح الضيوف، بينما حدق في ظهرها وتمتم:

— «يابانية... وينقصك التهذيب.»

في اليوم التالي، كان القصر يعج بالضيوف بمناسبة حفل الخطوبة.

ضباط، تجار، ووجوه بارزة ملأت القاعة الكبرى، والموسيقى تعزف بينما تدور الكؤوس بين المدعوين.

وفجأة، اتجهت الأنظار نحو أعلى السلم.

ظهرت "لي ميا" بثوب الشيونغسام الأحمر المطرز بالذهب، تنزل الدرج بخطوات ثابتة ورزينة. استقبلت الضيوف بابتسامة رسمية وهادئة، ثم توجهت نحو الجنرال وزوجته ورفعت يديها لتحيتهما باحترام.

أثناء عودتها متجهة نحو جانب القاعة، اقترب منها ضيف شاب، أنيق وهادئ الملامح، ابتسم لها بدفء بمجرد أن التقت أعينهما:

— «لي ميا... هل تذكرينني؟»

اتسعت عيناها بدهشة لطيفة:

— «جين هاو؟»

ضحك خفيفاً:

— «دعوتكِ وصلتني، وكنت أخشى أنك نسيتني بعد كل هذه السنوات في اليابان.»

ابتسمت للمرة الأولى منذ وصولها للقصر، وكان تفاعلها دافئاً وصادقاً.

من بعيد، كان "تشانغ دو" يراقب المشهد. دفعه الفضول والضيق للتوجه نحوهما بخطوات متزنة.

ما إن اقترب "تشانغ دو" حتى نظر "جين هاو" إليه وقال بهدوء يحمل تحدياً خفياً:

— «إذن أنت الضابط تشانغ دو... خطيبها.»

رد "تشانغ دو" ببرود وهو يقف إلى جوار "لي ميا":

— «بالضبط. وأنت؟»

— «صديق قديم يعرف لي ميا منذ الصغر... أرجو أن تكون جديرًا بها.»

انحنى "جين هاو" بلطف لـ "لي ميا" ثم انسحب بذكاء نحو إحدى الطاولات الأخرى ليترك لهما المساحة.

وفي الزاوية البعيدة من القاعة، كان هناك نادل يحمل صينية كؤوس... وما إن وقعت عيناه على "لي ميا" حتى ارتجفت يده لثانية، ومالت الصينية بين أصابعه قبل أن يستعيد توازنه بسرعة، ثم اختفى بين زحام الضيوف.

نظر "تشانغ دو" إلى "لي ميا" ببرود، ثم أدار وجهه مستعداً للابتعاد عنها بضع خطوات...

وفجأة—

«طااااق!»

دوى صوت طلقة حادة اخترقت زجاج النافذة العلوية!

استدار "تشانغ دو" بردة فعل عسكرية سريعة. أصابت الرصاصة صدر "لي ميا"، وانتشر الحبر الأحمر فوق الحرير المذهب.

تمايل جسدها للحظة، ثم سقطت على الأرض الرخامية وسط صرخات الضيوف وتوقف الموسيقى.

وقَف "تشانغ دو" في مكانه متجمداً، وعيناه متسعتان بالصدمة وهو ينظر إلى جسدها الملقى أمامه.

Continue to read this book for free
Scan code to download App
Comments (1)
goodnovel comment avatar
اهسنيه باك
مبدعة استمري
VIEW ALL COMMENTS

Latest chapter

  • بين زهرة و البندقية    الفصل السادس عشر: الوجه خلف الاسم

    لم تستطع لي ميا أن تنام. كانت جالسة أمام النافذة، وذهنها يعيد تفاصيل الأمسية الأخيرة مرة بعد أخرى. تشين خاو مات منذ ثلاث سنوات. الرجل الذي عرفته في طفولتها، الرجل الذي كانت عائلتها تعرفه، الرجل الذي يحمل في ذاكرتها تفاصيل لا يمكن أن تخطئ فيها... مات. لكنها قابلت رجلًا في المستشفى يحمل اسمًا قريبًا من اسمه، ويبدو مطابقًا له أمام الجميع. إلا أنه ليس هو. فالوحمة اختفت. والاسم الذي سمعته في المقهى لم يكن صينيًا. تاكيدا ريوجي. وضعت لي ميا يدها على صدرها. كانت تعرف أن مواجهة جين هاو الآن ستكون أكبر غلطة يمكن أن ترتكبها. إذا كان فعلًا ينتحل هوية رجل ميت، فهو بالتأكيد لن يسمح لها بالعيش بعد أن تعرف الحقيقة. لذلك لن تسأله. ولن تواجهه. بل ستعرف كل شيء أولًا. في صباح اليوم التالي، غادرت لي ميا المستشفى أثناء استراحة الغداء. لم تتجه إلى منزل عائلتها، ولم تدخل أي متجر، بل دخلت مقهى صغيرًا في شارع جانبي قريب. جلست في زاوية بعيدة، وطلبت كوب شاي. بعد دقائق، رفعت سماعة الهاتف الأرضي الموضوع قرب صندوق الحساب. طلبت رقمًا تحفظه عن ظهر قلب. جاءها صوت امرأة من الطرف الآخر. — «من؟» خفض

  • بين زهرة و البندقية    الفصل الخامس عشر: الاسم الذي مات صاحبه

    لم تستطع لي ميا أن تنسى الرسالة التي وجدتها فوق مكتبها صباحًا.«هل ما زلتِ تثقين بكل من هم حولكِ في هذا المكان؟»ظلت الكلمات عالقة في ذهنها طوال ساعات العمل.من كتبها؟ولماذا أرسلها إليها؟هل كان يعرف شيئًا لا تعرفه؟رفعت عينيها عن الأوراق، وفي اللحظة نفسها رأت الطبيب جين هاو يقترب منها.ابتسامته الهادئة كانت كما هي."لي ميا، هل انتهيتِ من مراجعة ملفات التوريد؟"أغلقت الملف أمامها."بقيت بعض الصفحات."وضع ملفًا آخر بجانبها."حسنًا. عندما تنتهين منها، أحتاج مساعدتكِ في غرفة الإجراءات."نظرت إليه."بالتأكيد."بعد قليل، كانت لي ميا تقف إلى جوار جين هاو في غرفة الإجراءات، ترتدي ثوبها الأبيض وتساعده في تجهيز الأدوات.فتح الطبيب صنبور الماء وغسل يديه بعناية، ثم رفع أكمام ثوبه حتى مرفقيه.كانت لي ميا تجهز الأدوات عندما توقفت يدها فجأة.حدقت في مرفقه.علامة صغيرة داكنة.كانت ذكرى قديمة تقفز إلى ذهنها.ضحكة طفل.حديقة واسعة.صبي صغير كان يمد ذراعه إليها بفخر ويقول:«انظري، هذه العلامة لن تختفي أبدًا.»تشين خاو.صديق طفولتها.كانت لديه وحمة واضحة على مرفقه الأيسر.لكن الرجل الواقف أمامها الآن..

  • بين زهرة و البندقية    الفصل الرابع عشر: تحت المراقبة

    منذ صباح اليوم التالي، تغير شيء خفي ورقيق في حياة "لي ميا".لم يكن تغييراً صارخاً أو واضحاً يمكنها الإمساك به بأصابعها أو توجيه الاتهام إليه، بل مجرد إحساس غامض وثقيل بالهواء من حولها، يشبه الشعور بأن عينين مجهولتين تلتفتان إليها أكثر من المعتاد، وتتتبعان حركة ظلها على الطرقات.خرجت من البوابة الرئيسية للقصر الفاخر بعد أن ودّعت السيدة "تشانغ" بابتسامة اقتطعتها من بين أحزانها المكتومة. استقلت السيارة العسكرية المخصصة لنقلها، والتي أمر والده الجنرال بأن تصحبها يومياً إلى المستشفى الكبير.جلست "لي ميا" خلف الزجاج المعتم، تضع حقيبتها الجلدية البسيطة على حجرها، وتقلب في ذاكرتها أوراق الأيام الماضية التي ازدادت قسوة.قضية والدها وتهمه السياسية المعلقة في الهواء...الرسائل الغامضة والتهديدات بعطر الشانيل والفول السوداني المحمص...القائد "تشانغ دو" الذي تحول في الآونة الأخيرة إلى كتلة من الصمت والمرارة والجفاف...وأخيراً، الطبيب "جين هاو" الذي بدا اهتمامه بها وبأخبار القصر وخطوط الإمدادات العسكرية يتزايد بصورة غير مريحة في الأيام الأخيرة.تنهدت بهدوء، وأسندت رأسها على زجاج النافذة البارد، وتم

  • بين زهرة و البندقية    الفصل الثالث عشر: الشك

    ألقى المساء بثقله المظلم على مقر القيادة العسكرية بقصر آل تشانغ، لكن الهدوء لم يجد طريقه إلى المكاتب المغلقة. كان الصمت في الخارج خادعاً، أما في الداخل فكانت العقول تغلي. جلس القائد "تشانغ دو" خلف مكتبه العريض المصنوع من خشب الساج الداكن، وأمامه مجموعة من التقارير السريّة والبرقيات التي وصلت تباعاً منذ عدة ساعات. كانت الأوراق مبعثرة، بعضها يحمل ختم "عاجل" باللون الأحمر. أحد التقارير يتعلق بانفجار مستودع المؤن العسكرية في الميناء الجنوبي. والآخر يتحدث عن تحركات مشبوهة ورصد لنقاط تواصل سرية تابعة للعدو قرب حواشي المدينة. رفع "تشانغ دو" التقرير الأخير بين أصابعه، وأعاد قراءته للمرة الثالثة بتركيز شديد. عيناه الصقريتان تتحركان سريعاً بين السطور. المشكلة الرئيسية بالنسبة له لم تكن فقط في وقوع الهجوم الكارثي، بل في دقة المعلومات البالغة التي استند إليها العدو الياباني. لقد عرفوا المكان بالتحديد. وعرفوا الوقت بالدقيقة. وعرفوا طبيعة المؤن المخزنة وشحنات الذخيرة الملحقة بها. وضع التقرير على الطاولة ببطء. وهذا يعني بوضوح تام أن المعلومة لم تصل إليهم عن طريق الصدفة أو ا

  • بين زهرة و البندقية    الفصل الثاني عشر: الطُعم لا يعض مرتين

    لم ينم تشانغ دو تلك الليلة.ظل واقفًا أمام النافذة في مكتبه، يراقب أضواء شنغهاي البعيدة وهي تتلاشى خلف ستار المطر.كان حريق الميناء قد انتهى، لكن رائحة الدخان بقيت عالقة في ذاكرته.شحنة كاملة من المؤن اختفت خلال ساعات.لم يكن الأمر مجرد خسارة عسكرية.كان يعني شيئًا واحدًا.هناك شخص يتحدث.وشخص آخر يصغي.فتح تشانغ دو الملف الموضوع أمامه، وأعاد قراءة قائمة الأسماء التي حصل عليها من التحقيق الأولي.ضباط.موظفون.عمال في الميناء.أشخاص من دائرة القيادة.كل واحد منهم كان يمكن أن يكون الحلقة التي تبحث عنها المخابرات.لكن المشكلة أن اتهام أحدهم دون دليل قد يجعل الخائن يختفي قبل أن يعرفوا من يقف خلفه.طرق الباب.دخل مساعده وأغلقه خلفه.— «سيدي، وصلت التقارير.»رفع تشانغ دو عينيه.— «تكلم.»وضع المساعد ثلاثة ملفات على الطاولة.— «كما أمرت، لم نكشف لأي شخص الخطة الحقيقية. لكننا أعطينا ثلاثة ضباط معلومات مختلفة.»فتح تشانغ دو الملف الأول.— «الأول؟»— «أُبلغ بأن الشحنة القادمة ستُنقل إلى محطة الشمال.»أغلق الملف.— «والثاني؟»— «أُبلغ بأنها ستُنقل إلى مستودع قريب من النهر.»ثم أضاف المساعد:— «أ

  • بين زهرة و البندقية    الفصل الحادي عشر: الطُعم

    في صباح اليوم التالي، بدت أجواء قصر آل تشانغ طبيعية بصورة تثير الريبة. لم تتحدث الصحف عن حريق الميناء إلا بإيجاز، واكتفت بالإشارة إلى خسائر مادية لحقت ببعض المخازن في الحي الجنوبي. أما داخل القصر، فقد استمرت حركة الخدم كالمعتاد، وامتلأت قاعة الطعام برائحة الشاي الساخن والأرز المطهو على البخار. جلست لي ميا أمام فنجانها، تراقب تشانغ دو من الطرف الآخر للطاولة. كان هادئًا. هادئًا أكثر مما ينبغي. لم يكن غاضبًا، ولم يرفع صوته، ولم يتحدث عن الحريق إلا عندما سأله والده عنه. قال الجنرال تشانغ بي وهو يطوي الصحيفة: — «خسارة شحنة كاملة في هذه الظروف ليست أمرًا بسيطًا.» أجاب تشانغ دو وهو يضع الفنجان على الصحن: — «أعرف.» — «هل بدأت التحقيق؟» رفع تشانغ دو عينيه نحو والده. — «لا يوجد ما يستدعي العجلة.» رمقته لي ميا باستغراب. لم تفهم كيف يستطيع أن يبدو بهذا الهدوء بعد خسارة مؤن يحتاج إليها الجيش بشدة. وبعد لحظات، قالت دون قصد: — «ألم يغضبك ما حدث؟» التفت إليها تشانغ دو. ساد صمت قصير. ثم أجاب: — «الغضب لا يعيد الشحنة.» ظلت تنظر إليه. — «أنت هادئ جدًا.» ارتسمت على شفتيه ابتسامة خف

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status