Se connecterمرّت الأيام التالية على نحوٍ هادئ... هدوءٍ غير معتاد، حتى بدا وكأنه استراحة قصيرة بين عاصفتين لم تأتِ إحداهما بعد.
لم يحدث شيء يُذكر في الظاهر. لا مواجهات في الجامعة، ولا توتر في الفيلا، ولا حتى ذلك الثقل الخفي الذي كان يخيّم على كل لحظة. لكن تحت هذا الهدوء، كانت أمور كثيرة تتغير. رهف... لم تعد كما كانت. في البداية، كان الأمر بسيطًا، تحية صباحية أكثر دفئًا، نظرة أطول قليلًا، صمت أقل حذرًا. ثم دون أن تشعر، بدأت تعتاد على وجود فهد. لم يعد مجرد حارس شخصي... ولا مجرد شخص أُجبرت على التعامل معه. أصبح... شيئًا مألوفًا. شيئًا ثابتًا في يومها. ...... في صباحٍ جديد، نزلت رهف إلى المطبخ بخفة، وقد أصبحت هذه العادة جزءًا من روتينها اليومي. فتحت الثلاجة وأخرجت المكونات، وبدأت تحضّر شطيرتين. واحدة لها والأخرى له. لم تعد تفكر كثيرًا في السبب. في البداية، كانت مجرد لفتة شكر ثم تحولت إلى عادة. والآن، أصبحت شيئًا تنتظره. وضعت الشطيرتين في صندوقين صغيرين، ثم أغلقت أحدهما بإحكام، وابتسمت لنفسها. "أتمنى أن تعجبه اليوم." همست بها دون وعي، ثم حملت حقيبتها وخرجت. كان جاسر بانتظارها كعادته. لكن هذه المرة، لاحظ شيئًا مختلفًا. لم تتجه نحو الباب الخلفي. توقفت للحظة... ثم فتحت الباب الأمامي، وجلست بجانبه. رفع نظره إليها، بدهشة خفيفة لم يحاول إخفاءها. أما هي، فتظاهرت بالانشغال بربط حزام الأمان، قبل أن تقول ببساطة: "صباح الخير يا فهد." أجابها بعد لحظة: "صباح الخير يا آنسة رهف." انطلقت السيارة، لكن هذه المرة... لم يكن الصمت كما كان من قبل. كان أخف وأقل حذرًا. ثم أخرجت رهف الصندوق من حقيبتها، ومدّته نحوه دون أن تنظر إليه مباشرة: "فطورك." نظر إليه لثوانٍ، ثم قال: "لا داعي أن تتعبي نفسك كل يوم." التفتت نحوه، بعينين فيهما شيء من العناد الخفيف: "وأنا أحب أن أتعب." توقف للحظة... ثم أخذ الصندوق بهدوء: "شكرًا." ابتسمت، وعادت تنظر أمامها. مرت الدقائق الأولى بصمت مريح، قبل أن تتحدث فجأة: "هل تحب السفر؟" سؤال بسيط... لكنه جاء دون مقدمات. أجابها: "إلى حدٍ ما." "إلى حدٍ ما؟" ابتسمت بخفة وتابعت قائلة: "إما أن تحبه أو لا." نظر إليها سريعًا، ثم قال: "يعتمد على المكان." أمالت رأسها قليلًا، وكأنها تفكر: "أنا... أحب السفر كثيرًا." ثم أضافت، وعيناها تلمعان بشيء مختلف: "أشعر أن العالم أكبر بكثير مما نراه." لم يعلّق، لكنه استمع. "أريد أن أرى كل شيء... الناس، اللغات، العادات... كل التفاصيل الصغيرة التي تجعل كل مكان مختلفًا." توقفت لحظة، ثم قالت بابتسامة خفيفة: "ربما هذا السبب الذي جعلني أختار كلية الألسن." هنا... التفت إليها جاسر بشكل أوضح. "تدرسين لغات؟" أومأت: "نعم، الترجمة تحديدًا." ثم سكتت للحظة، وكأنها تفكر إن كانت ستكمل... لكنها فعلت. "بعد التخرج، أريد أن أفتح مكتب ترجمة خاص بي." قالتها ببساطة، لكن نبرتها كانت تحمل حلمًا حقيقيًا. "مكتب صغير في البداية ثم يكبر مع الوقت." نظرت أمامها، لكنها لم تعد ترى الطريق. بل كانت ترى حلمها. "أريد أن أترجم كتبًا... مقالات... ربما حتى أعمالًا أدبية." ابتسمت لنفسها: "أنقل أفكار الناس من لغة إلى أخرى كأنني أبني جسورًا بينهم." ساد صمت قصير. لكنه لم يكن فارغًا، بل كان ممتلئًا بشيء لم يتوقعه جاسر. فلم يكن هذا ما تخيله. ابنة مدحت... لم تتحدث عن أموال ولا نفوذ ولا حتى حياة مترفة. كانت تتحدث عن عمل بسيط. حلم صغير. شيء... نظيف. نظر إليها للحظة، دون أن تشعر. "لا تشبهه." كانت هذه الفكرة تتكرر في ذهنه. منذ البداية... كان يشك. كان يتساءل إن كانت جزءًا من عالم والدها. لكن الآن... كل كلمة قالتها وكل تفصيلة في حديثها كانت تبعدها أكثر عن ذلك العالم. "ولماذا الترجمة تحديدًا؟" سألها، هذه المرة باهتمام حقيقي. نظرت إليه، وكأنها فوجئت بالسؤال، ثم ابتسمت: "لأنها تجعلني أشعر أنني قريبة من العالم، حتى وأنا في مكاني." توقفت لحظة، ثم أضافت: "وأيضًا لأنها تعطيني حرية." "حرية؟" "نعم." نظرت إلى النافذة، وصوتها أصبح أهدأ: "أن أختار ما أريد... أن أعمل في شيء أحبه... وأن أكون نفسي." لم يقل شيئًا، لكنه فهم أكثر مما قالت. ...... مرت الأيام وأصبح هذا الحديث عادة. لم تعد الرحلة إلى الجامعة مجرد طريق صامت. أصبحت مساحة صغيرة تتكلم فيها رهف. عن أحلامها وعن دراستها وعن أشياء بسيطة... لكنها حقيقية. وفي كل مرة، كان جاسر يستمع. لا يقاطع كثيرًا ولا يسأل كثيرًا، لكن حضوره كان كافيًا. وفي أحد الأيام، وبينما كانت تتحدث بحماس عن دولة تريد زيارتها، توقفت فجأة، ثم ضحكت: "أشعر أنني أتكلم كثيرًا." نظر إليها، وقال بهدوء: "لا بأس." ابتسمت: "ألا تمل؟" أجاب ببساطة: "لا." كانت إجابته قصيرة... لكنها كانت صادقة. نظرت إليه للحظة ثم عادت تبتسم. أما هو، فكان شيئًا آخر يحدث بداخله. لم يعد يراها فقط كجزء من مهمته. ولا كخيط قد يقوده إلى مدحت. بدأ يراها... كما هي. فتاة... تحلم. بسيطة رغم كل شيء. وبعيدة تمامًا عن العالم الذي يعيش فيه والدها، وكان هذا ما أربكه أكثر. "إذا كانت لا تعلم بشأن والدها..." "إذن ماذا سيحدث عندما تعلم؟" سؤال بدأ يفرض نفسه، لكنه لم يكن يملك الإجابة. وفي كل يوم يمر، كانت الثقة التي تبنيها نحوه تكبر. وكان هو... يقترب أكثر من حقيقة لا يعرف إن كان مستعدًا لها. حقيقة... قد تكسر كل شيء.تصلب جسد رهف بالكامل في اللحظة التي وقعت فيها عيناها على سيارات مدحت السوداء المتوقفة بين الأشجار، وشعرت وكأن العالم الذي استطاعت بصعوبة أن تبنيه خلال الأسابيع الماضية قد انهار فجأة فوق رأسها بلا رحمة. لم تعد تسمع شيئًا بوضوح؛ لا صوت الرياح، ولا حفيف الأشجار، ولا حتى دقات قلبها التي كانت تضرب صدرها بعنفٍ يكاد يمزقه، فقد تحول كل شيء داخلها إلى حالة من الذعر الخالص، ذلك الرعب البدائي الذي يشل التفكير ويجعل الإنسان يشعر أنه عاد فجأة إلى أضعف لحظات حياته. تراجعت ببطء عن النافذة، بينما كانت أنفاسها تتسارع بصورة مرعبة، وعقلها يدور في دوامة من الأسئلة المخيفة التي لم تجد لها إجابة. ماذا ستفعل الآن؟ هي وحدها… فهد ليس هنا… لا أحد يستطيع حمايتها إن دخلوا المنزل. هل سيأخذها مدحت مجددًا؟ هل انتهى كل شيء؟ هل كانت تلك الأيام القليلة من الطمأنينة مجرد وهمٍ قصير قبل أن تعود حياتها إلى الجحيم مرة أخرى؟ وشعرت فجأة ببرودةٍ قاسية تسري في أطرافها، حتى إن قدميها بالكاد استطاعتا حملها، بينما بدأت صور الماضي تنهال فوق رأسها بلا توقف؛ وجه مدحت الغاضب، قبضته العنيفة، نظراته التي كانت تملؤها السيطرة وال
مرّت ثلاثة أيامٍ أخرى بطيئة وثقيلة، وكأن الزمن نفسه صار يتحرك بحذر مترقب لما هو قادم. ففي تلك الليالي الثلاث كانت الغابة تغرق في هدوئها المعتاد، بينما كانت العاصفة الحقيقية تتشكل بعيدًا عنها دون أن يشعر أحد. أما مدحت، فلم يكن يعيش سوى على الأخبار التي تصله تباعًا من رجاله، ينتظر أي خيطٍ جديد يقوده أخيرًا إلى فهد ورهف، وقد تحولت مطاردته لهما إلى هوسٍ كامل استحوذ على عقله حتى لم يعد يرى شيئًا سواهما. وفي إحدى الليالي، وبينما كان جالسًا داخل مكتبه شبه المظلم، تحيط به أعقاب السجائر الفارغة وزجاجات الخمر المبعثرة، دُق الباب سريعًا قبل أن يدخل أحد رجاله وعلى وجهه ملامح انتصارٍ واضحة. رفع مدحت رأسه فورًا، وكأن جسده بأكمله استيقظ دفعة واحدة، ثم ثبت عينيه عليه منتظرًا أن يتحدث. قال الرجل بصوتٍ متحمس وهو يحاول إخفاء لهثه: "لقد توصلنا إلى مكانهم تقريبًا يا سيدي." ضاقت عينا مدحت بترقبٍ حاد، فاقترب الرجل أكثر وأكمل: "رجالنا مشطوا الغابة بالكامل خلال الأيام الماضية… لم نترك طريقًا ولا كوخًا ولا ممرًا إلا وفتشناه، ولم يتبقَّ سوى منزل صغير قرب البحيرة في الجهة الجنوبية… ومن المؤكد أنهم هناك."
مرّ شهر كامل منذ اختفاء رهف وجاسر داخل تلك الغابة البعيدة، شهر بدا بالنسبة لهما وكأنه عالم منفصل تمامًا عن الواقع، حتى إن الأيام بدأت تتشابه بهدوئها ودفئها البسيط، بينما في الخارج كانت العواصف تتشكل ببطء دون أن يدركا حجمها الحقيقي بعد. خلال ذلك الشهر، تحولت الحياة بينهما إلى روتين هادئ لم يعتده أيٌّ منهما من قبل. ومع مرور الأيام، لم تعد تشعر بذلك الخوف الدائم الذي كان يرافقها حتى أثناء نومها، بل بدأت تستعيد شيئًا من شخصيتها الحقيقية التي دفنتها سنوات الرعب داخل فيلا مدحت. أصبحت تضحك أكثر. تتكلم أكثر. وتتشاجر مع فهد على أمور سخيفة فقط لأنها أصبحت تشعر بالأمان الكافي لتفعل ذلك. أما جاسر فكان يلتزم بروتينه الأسبوعي بدقةٍ تكاد تكون عسكرية؛ ففي صباح كل أسبوع، وقبل أن تستيقظ الغابة تمامًا من سكونها البارد، كان يخرج بسيارته متجهًا نحو المدينة، يشق الطرق الترابية الطويلة بعينين متيقظتين لا تهدآن، وكأن الأشجار نفسها قد تخبئ خلفها عيونًا تراقبه في صمت. كانت رحلته إلى المدينة تبدو عادية لأي عابر طريق، لكنها بالنسبة له كانت مخاطرة محسوبة بعناية. إذ كان أول ما يفعله فور وصوله هو الذهاب إلى
مرّت الأيام التالية على رهف بطريقة لم تكن تتخيل يومًا أنها قد تعيشها، حتى إنها أحيانًا كانت تستيقظ صباحًا وتتوقف للحظات تحدق في سقف الغرفة بصمت، وكأن عقلها ما يزال غير قادر على استيعاب أن هذا الهدوء حقيقي، وأنها لم تعد في تلك الفيلا الباردة التي كانت تخنق أنفاسها مع كل ليلة تمر. لأول مرة في حياتها… لم تكن تستيقظ على الخوف. بل على رائحة القهوة التي يعدّها فهد في المطبخ، أو على صوت خطواته الهادئة وهو يتحرك داخل المنزل، أو على ضوء الشمس المتسلل من النافذة ليغمر الغرفة بدفءٍ ناعم يجعلها تشعر بشيء غريب ومؤلم في الوقت نفسه… الراحة. وكان ذلك الشعور وحده كافيًا ليجعل قلبها يرتبك كلما فكرت فيه. أما جاسر، فكان يراقبها بصمت أغلب الوقت، يلاحظ كيف بدأت ملامحها تتغير تدريجيًا، وكيف اختفى ذلك الذعر الدائم من عينيها شيئًا فشيئًا، حتى إن ضحكتها أصبحت أكثر ظهورًا، أكثر صدقًا، وكأن روحها التي ظلت حبيسة لسنوات بدأت أخيرًا تخرج إلى النور ببطء. وفي تلك الغابة البعيدة عن العالم، بدأ الاثنان يعيشان أيامًا بسيطة للغاية… لكنها بالنسبة لهما كانت أشبه بحياة كاملة. كانا يستيقظان معًا كل صباح تقريبًا، يتناول
مرّت الساعات على رهف ببطءٍ غريب، حتى إن صوت الرياح بين الأشجار كان يبدو أوضح من المعتاد داخل ذلك المنزل الصغير المعزول. ومع كل دقيقة تتأخر فيها عودة فهد، كانت تجد نفسها تنظر نحو الباب بلا وعي، ثم تعود لتلوم نفسها بانزعاج، وكأنها غاضبة من قلبها لأنه بدأ يعتاد وجود شخص بهذه السرعة. حاولت إشغال نفسها كما فعلت طوال اليوم، رتبت بعض الأشياء مجددًا رغم أنها رتبتها بالفعل، ومسحت الطاولة مرة أخرى بلا داعٍ، ثم جلست قرب النافذة تراقب الأشجار بصمت، لكن عقلها كان منشغلًا بشيء واحد فقط… متى سيعود؟ وحين بدأت الشمس تميل نحو الغروب، سمعت أخيرًا صوت سيارة يقترب من الخارج. اتسعت عيناها فورًا، ونهضت من مكانها بسرعة حتى إنها لم تشعر بنفسها وهي تتجه نحو الباب بخطوات متعجلة. وما إن فُتح الباب ودخل فهد حاملًا عدة أكياس، حتى ظهرت على وجهها ابتسامة تلقائية واسعة وهي تقول بسرعة امتزجت فيها الراحة بالفرح: "لقد أتيت!" توقف جاسر للحظة عند الباب، ونظر إليها بدهشة خفيفة، كأنّه لم يتوقع أبدًا أن يجد أحدًا ينتظره بهذه الطريقة، ثم تسللت إلى شفتيه ضحكة قصيرة دافئة وهو يضع الأكياس أرضًا قليلًا ويقول مازحًا: "ماذا؟
ما إن غادر جاسر المنزل وأغلق الباب خلفه بهدوء، حتى بقي واقفًا للحظات أمام السيارة، يحدق نحو الأشجار الكثيفة التي تحيط بالمكان من كل جانب، وكأنّه يتأكد بعينيه للمرة الأخيرة أن لا شيء يهدد ذلك الهدوء المؤقت الذي ترك رهف بداخله. ثم تنفّس ببطء وأخرج مفاتيحه، قبل أن يستقل السيارة وينطلق عبر الطريق الترابي الضيق المؤدي خارج الغابة. لكنه لم يكن متجهًا مباشرة إلى المتجر كما أخبر رهف، بل كانت له وجهة أخرى أكثر أهمية… وأكثر خطورة. ...... بعد قرابة ساعة من القيادة الحذرة، توقفت السيارة أخيرًا أمام مبنى رمادي ضخم يبدو من الخارج كمؤسسة حكومية عادية، بلا أي ملامح مميزة تلفت الانتباه، لكن الداخل كان شيئًا مختلفًا تمامًا. مبنى المخابرات. ترجل جاسر من السيارة بخطوات ثابتة، رغم الإرهاق الواضح في عينيه، ثم دخل عبر البوابة الإلكترونية بعد إجراءات أمنية سريعة اعتادها منذ سنوات، قبل أن يتجه مباشرة إلى الطابق السفلي حيث غرفة الاجتماعات الخاصة بالفريق المسؤول عن قضية مدحت. وما إن فتح الباب حتى توقفت الأحاديث للحظة قصيرة، واتجهت الأنظار نحوه. كان العقيد شوقي يجلس في مقدمة الطاولة الطويلة، وأمامه عدة م
استيقظت حور في ذلك الصباح وكأنها لم تنم أصلًا. لم يكن هناك كابوس محدد أيقظها… بل كان شعور ثقيل، مستمر، يضغط على صدرها منذ أن فتحت عينيها. ظلت مستلقية لعدة دقائق، تحدّق في السقف الأبيض، وكأنها تنتظر أن يتغير شيء… أن تختفي فكرة واحدة فقط من رأسها. لكنها لم تختفِ. الحفل. تنهدت ببطء وأغمضت عينيه
انتهت المحاضرة الأخيرة، وخرجت حور من القاعة وهي تشعر بإرهاقٍ غريب… لم يكن إرهاق الجسد، بل ثقل ذلك الشعور الدائم بأنها مراقبة. فظهور فهد في حياتها يشعرها بأن خطواتها لم تعد طبيعية. كل شيء أصبح محسوبًا، وكل حركة مرصودة. تنهدت وهي تسير نحو بوابة الجامعة، تحاول إقناع نفسها أن تتجاهل وجوده، أن تتصر
وقفت حور أمام البحر، كأنها تقف على حافة عالمين؛ عالمٍ تعرفه بكل قسوته، وآخر مجهول يغريها بصمته الواسع. كانت الأمواج تتكسر أمامها بلا توقف، تصرخ ثم تهدأ، كأنها تعيد تمثيل ما يدور في داخلها. لأول مرة منذ سنوات، لم تحاول أن تكون قوية. تركت كل شيء ينهار. وانفجرت بالبكاء. لم يكن بكاءً عاديًا، بل
توقفت لحظة أمام المرآة، تتأمل ملامحها التي فقدت بريقها، وعينيها اللتين أثقلهما التعب والحزن. مرّرت أصابعها المرتجفة على وجنتيها، ثم تمنت بداخلها ألا تلتقي بمالك مرة أخرى. أغمضت عينيها للحظة لتجمع شتات نفسها، ثم استدارت وغادرت. خرجت من دورة المياه بخطوات متثاقلة، كأنها تحمل فوق كتفيها عبئًا لا يُ







