Share

بين قلبه وسلاحه
بين قلبه وسلاحه
Author: ياسمين

الفصل 1

Author: ياسمين
last update publish date: 2026-04-03 05:36:19

استيقظ جاسر الشرقاوي على صوت المنبّه عند تمام السابعة صباحًا، ذلك الصوت الحاد الذي قطع سكون شقته الواسعة. فتح عينيه ببطء، لا لأن النعاس يثقل جفنيه، بل لأن عقله كان قد استيقظ قبله بلحظات، مدركًا أن هذا اليوم لن يكون عاديًا.

مدّ يده ليغلق المنبّه، ثم جلس على حافة السرير لثوانٍ، يحدّق في الفراغ أمامه. كان الصمت يحيط به من كل جانب، صمت اعتاده، بل وربما اختاره. نهض أخيرًا، واتجه نحو النافذة بخطوات ثابتة. سحب الستار قليلًا، فتسللت أشعة الشمس إلى الداخل، وانعكست على الأثاث الفاخر، لتكشف عن حياة تبدو مثالية لمن يراها من الخارج… لكنها، في الحقيقة، كانت باردة، خالية من الدفء.

جاسر لم يكن رجلًا عاديًا. في الثلاثين من عمره، يحمل على كتفيه مسؤوليات لا يحتملها كثيرون. ضابط مخابرات، اعتاد أن يعيش في الظلال، أن يرى ما لا يُقال، وأن يشكّ في كل شيء. اختار أن يعيش وحيدًا، رغم أن والديه على قيد الحياة، ليس جفاءً… بل لأن حياته لم تترك له رفاهية القرب. عمله لا يعرف الاستقرار، ولا يسمح للعلاقات أن تنمو، ولا يعترف بالمشاعر إلا كضعف يجب تجنبه.

بعد دقائق، كان قد ارتدى بدلته الرسمية بإتقان، وربط ربطة عنقه بحركة اعتيادية. نظر إلى انعكاسه في المرآة، فعادت تلك الملامح الصارمة التي يخفي خلفها كل ما لا يُقال. رجل متماسك، هادئ، لا يُظهر شيئًا… حتى لو كان بداخله عاصفة.

فاليوم… لديه مهمة.

……

دخل جاسر إلى مبنى المخابرات بخطوات واثقة، حتى توقف أمام باب مكتب العقيد شوقي. طرق الباب طرقات خفيفة، قبل أن يأتيه الصوت المألوف: "ادخل يا جاسر."

فتح الباب، ودخل بقامته الطويلة وهيبته المعتادة. وما إن وقع نظر العقيد عليه، حتى ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه.

"تفضل يا جاسر، لقد دعوتك اليوم لأوكل لك مهمتك الجديدة."

جلس جاسر بهدوء، بينما مدّ العقيد يده بملفٍ سميك ووضعه أمامه.

"هذه المهمة ليست سهلة." قالها بنبرة جادة، "وبما أنك من أكفأ ضباطنا، وقع الاختيار عليك."

فتح جاسر الملف، وبدأت عيناه تتحركان بسرعة فوق السطور، يلتقط التفاصيل بدقة اعتاد عليها.

تابع العقيد:

"مدحت زهران… رجل أعمال معروف، لكننا نشتبه في تورطه بأعمال غير قانونية؛ تجارة سلاح ومخدرات وأكثر من ذلك."

توقف لحظة، ثم أضاف: "وابنته الوحيدة… رهف. قد تكون جزءًا من هذه اللعبة."

توقفت عينا جاسر للحظة عند صورتها… شيء ما لم يفهمه مرّ في داخله، لكنه تجاهله سريعًا.

أغلق الملف بهدوء وقال: "لا تقلق يا فندم، سأبذل قصارى جهدي للوصول للحقيقة."

نظر إليه العقيد بثقة: "نعلم ذلك، فأنت لم تخذلنا من قبل."

نهض جاسر وأدى التحية العسكرية، ثم غادر المكتب…

لكن هذه المرة، لم تكن أفكاره مرتبة كما اعتاد.

كيف سيتسلل إلى حياتهم؟ وكيف سيقترب… دون أن يُكشف؟

......

على الجانب الآخر من المدينة، كانت بداية يوم مختلفة تمامًا.

استيقظت رهف على ضوء الصباح الذي تسلل إلى غرفتها، ففتحت عينيها ببطء، وكأنها تحاول تأجيل واقع لا ترغب في مواجهته.

بشرتها البيضاء، وشعرها الأسود الطويل الذي انسدل حولها كستارٍ ليلي… كانت تبدو كلوحة هادئة، تخفي خلفها ضجيجًا لا يُرى.

نهضت بهدوء واستعدت للذهاب إلى الجامعة. كانت في سنتها الرابعة بكلية الألسن، قسم اللغة الإنجليزية… عالمها الوحيد الذي تشعر فيه بشيء من الحرية.

لكن الحرية… لم تكن كاملة.

بعد أن انتهت، نزلت إلى الطابق السفلي بخطوات مترددة، وفي داخلها دعاء صامت أن يكون قد غادر.

لكن الحظ لم يكن في صفها.

كان مدحت زهران يجلس على مائدة الإفطار.

لكنها قررت تجاهله كأنه غير موجود.

خطوة واحدة كانت تفصلها عن الباب… قبل أن يخترق صوته المكان: "يا لكِ من ابنة عاقة، كيف تتجاهلين والدكِ هكذا؟"

توقفت للحظة، ثم التفتت ببرود: "أنا متأخرة على المحاضرة. إذا لم يكن لديك شيء مهم، سأذهب."

لم تنتظر ردّه، وخرجت مسرعة وكأن الهواء خارج الفيلا أخفّ من داخله.

……

في الخارج، اتجهت نحو السيارة، وقالت بصوت حاولت أن تجعله طبيعيًا:

"صباح الخير يا عم عثمان، إلى الجامعة بسرعة، من فضلك."

"حاضر يا آنسة رهف."

انطلقت السيارة… ومعها أخذت رهف نفسًا عميقًا، كأنها تحاول النجاة من شيء لا يُرى.

……

بعد انتهاء المحاضرات، خرجت رهف برفقة زميلتها ندى. لم تكن تملك أصدقاء حقيقيين، فقط وجوه عابرة وعلاقات سطحية. وذلك بسبب حادث من الماضي.

ندى… كانت الأقرب، لكنها لم تكن تعرف كل شيء.

وبينما كانتا تسيران، اعترض طريقهما ثلاثة شبان.

تجمدت ملامح حور فورًا.

حاولت تجاوزهم، لكن أحدهم أمسك يدها.

انتزعتها بسرعة، وتراجعت للخلف: "ماذا تريد يا مازن؟ ابتعد عني!"

ابتسم مازن بسخرية: "اهدئي… لمَ تبدين خائفة هكذا؟ أنا أريد التحدث معكِ فحسب."

"وأنا لا أريد." قالتها بحدة، ثم أمسكت بذراع ندى واندفعت نحو الخارج.

لم تتوقف إلا عند بوابة الجامعة.

قالت ندى بقلق وهي تلهث: "مهلًا يا رهف، أنا فقط لا أعلم لماذا لا تخبري والدكِ أن مازن وأصدقائه يزعجونكِ؟ مازن معروف بسمعته السيئة في الجامعة، والجميع يعلم أنه إن أعجب بفتاة يحصل عليها مهما حدث. أنا خائفة عليكِ."

سكتت رهف.

كانت خائفة أيضًا، لكن لا يمكنها إخبار والدها بهذا الأمر، فهو إن علم لن يتصرف مثل الآباء الأخرين، بل سيلقي باللوم عليها وقد يمنعها من الذهاب إلى الجامعة.

هو لا يحبها ولم يحبها قط، لكن لا أحد يعلم ذلك سواها. فهو أمام الجميع الأب المثالي الذي يعامل ابنته كالأميرات. ولم يكن بإمكانها أن تخبر أحد عن معاملته السيئة لها وإلا سيزداد عقابها ولن ينقذها منه أحد.

عادت رهف من دوامة أفكارها وقالت بهدوء مصطنع: "أنا فقط لا أريد إزعاج أبي بهذه المشاكل التافهة، فهو مشغول دائما كما تعلمين."

نظرت لها ندى بعدم اقتناع: "كما تشائين… لكن كوني حذرة."

أومأت رهف، ثم اتجهت نحو السيارة.

وقبل أن تصعد، ألقت نظرة سريعة خلفها…

وكأنها تشعر أن شيئًا ما يقترب.

شيء سيغير كل شيء.

……

في مكانٍ ما… كان جاسر يفتح نفس الملف مرة أخرى.

وبين سطور الحقيقة… كانت قصة أخرى تبدأ.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • بين قلبه وسلاحه   الفصل 72

    ظل جاسر ممسكًا بالهاتف لعدة ثوانٍ بعد انقطاع الاتصال، وكأن عقله يرفض تصديق الصمت الذي حل فجأة مكان صوت رهف المرتجف. كانت أنفاسه مضطربة بصورة مؤلمة، بينما عيناه مثبتتان على شاشة الهاتف السوداء وكأنها قد تعود للحياة في أية لحظة، لكن لا شيء حدث… فقط صمت ثقيل مخيف جعله يشعر وكأن قلبه يُسحق ببطء داخل صدره. مرر يديه داخل شعره بعصبية وهو يحاول التفكير، لكن عقله بدا مشلولًا تمامًا من شدة الرعب والغضب معًا. كانت صورة رهف وهي تبكي وتتوسل تتكرر داخل رأسه بلا توقف، وصوت مدحت البارد وهو يهددها يعيد إشعال النار داخل صدره كل ثانية. شعر للحظة برغبة عارمة في التوجه مباشرة إلى الفيلا واقتحامها مهما كان الثمن، لكنه أجبر نفسه على التوقف والتفكير، لأن أي تصرف متهور قد يعني نهايته قبل أن يصل إليها حتى… وإذا مات هو، فلن يبقى أحد قادر على إنقاذ رهف من مدحت أبدًا. أغمض عينيه للحظة محاولًا السيطرة على أنفاسه، ثم أخذ يفكر بسرعة رغم الفوضى التي تضرب رأسه. كان يعلم أن مدحت لن يقتل رهف، فهو يريد إخضاعها، يريد أن يشعر بأنها عادت تحت سيطرته بالكامل، حتى يستفيد منها في أحد صفقاته، وهذا ما طمأنه قليلًا. رفع

  • بين قلبه وسلاحه   الفصل 71

    اندفع الرجال نحو رهف فور أن عثروا عليها داخل الدولاب، وكأنهم وجدوا فريسة ظلت تهرب منهم طويلًا، فقبض أحدهم على ذراعها بعنف بينما أمسك الآخر بكتفها وسحبها إلى الخارج رغم مقاومتها الهستيرية، لتتعثر قدماها وتسقط على ركبتيها فوق الأرض الخشبية قبل أن يجروها مجددًا بقسوة جعلتها تصرخ من الألم والرعب معًا. كانت تحاول التمسك بأي شيءٍ حولها؛ بحافة السرير، بمقبض الباب، حتى بالسجاد الصغير الممتد على الأرض، لكن قبضاتهم كانت أقوى من محاولاتها المرتجفة، بينما ارتفع صوت بكائها بصورة هستيرية وهي تصرخ طالبة منهم أن يتركوها، إلا أن كلماتها كانت تضيع وسط خطواتهم الثقيلة ونظراتهم الباردة التي خلت من أي رحمة. شعرت رهف في تلك اللحظة أن العالم ينهار حولها ببطءٍ قاسٍ، وأن كل شيءٍ ظنت أنها نجت منه قد عاد ليبتلعها من جديد. كان الخوف داخلها أكبر من مجرد خوفٍ عادي؛ كان ذلك الرعب القديم الذي سكن روحها طويلًا، الرعب الذي جعلها تشعر دائمًا بأنها مطاردة حتى وهي تبتسم، وأن الأمان الذي عاشته خلال الأسابيع الماضية لم يكن سوى هدنة قصيرة قبل أن يعود الكابوس الحقيقي. كانت أنفاسها تتقطع بعنف وهي تُسحب عبر الممر الضيق نح

  • بين قلبه وسلاحه   الفصل 70

    تصلب جسد رهف بالكامل في اللحظة التي وقعت فيها عيناها على سيارات مدحت السوداء المتوقفة بين الأشجار، وشعرت وكأن العالم الذي استطاعت بصعوبة أن تبنيه خلال الأسابيع الماضية قد انهار فجأة فوق رأسها بلا رحمة. لم تعد تسمع شيئًا بوضوح؛ لا صوت الرياح، ولا حفيف الأشجار، ولا حتى دقات قلبها التي كانت تضرب صدرها بعنفٍ يكاد يمزقه، فقد تحول كل شيء داخلها إلى حالة من الذعر الخالص، ذلك الرعب البدائي الذي يشل التفكير ويجعل الإنسان يشعر أنه عاد فجأة إلى أضعف لحظات حياته. تراجعت ببطء عن النافذة، بينما كانت أنفاسها تتسارع بصورة مرعبة، وعقلها يدور في دوامة من الأسئلة المخيفة التي لم تجد لها إجابة. ماذا ستفعل الآن؟ هي وحدها… فهد ليس هنا… لا أحد يستطيع حمايتها إن دخلوا المنزل. هل سيأخذها مدحت مجددًا؟ هل انتهى كل شيء؟ هل كانت تلك الأيام القليلة من الطمأنينة مجرد وهمٍ قصير قبل أن تعود حياتها إلى الجحيم مرة أخرى؟ وشعرت فجأة ببرودةٍ قاسية تسري في أطرافها، حتى إن قدميها بالكاد استطاعتا حملها، بينما بدأت صور الماضي تنهال فوق رأسها بلا توقف؛ وجه مدحت الغاضب، قبضته العنيفة، نظراته التي كانت تملؤها السيطرة وال

  • بين قلبه وسلاحه   الفصل 69

    مرّت ثلاثة أيامٍ أخرى بطيئة وثقيلة، وكأن الزمن نفسه صار يتحرك بحذر مترقب لما هو قادم. ففي تلك الليالي الثلاث كانت الغابة تغرق في هدوئها المعتاد، بينما كانت العاصفة الحقيقية تتشكل بعيدًا عنها دون أن يشعر أحد. أما مدحت، فلم يكن يعيش سوى على الأخبار التي تصله تباعًا من رجاله، ينتظر أي خيطٍ جديد يقوده أخيرًا إلى فهد ورهف، وقد تحولت مطاردته لهما إلى هوسٍ كامل استحوذ على عقله حتى لم يعد يرى شيئًا سواهما. وفي إحدى الليالي، وبينما كان جالسًا داخل مكتبه شبه المظلم، تحيط به أعقاب السجائر الفارغة وزجاجات الخمر المبعثرة، دُق الباب سريعًا قبل أن يدخل أحد رجاله وعلى وجهه ملامح انتصارٍ واضحة. رفع مدحت رأسه فورًا، وكأن جسده بأكمله استيقظ دفعة واحدة، ثم ثبت عينيه عليه منتظرًا أن يتحدث. قال الرجل بصوتٍ متحمس وهو يحاول إخفاء لهثه: "لقد توصلنا إلى مكانهم تقريبًا يا سيدي." ضاقت عينا مدحت بترقبٍ حاد، فاقترب الرجل أكثر وأكمل: "رجالنا مشطوا الغابة بالكامل خلال الأيام الماضية… لم نترك طريقًا ولا كوخًا ولا ممرًا إلا وفتشناه، ولم يتبقَّ سوى منزل صغير قرب البحيرة في الجهة الجنوبية… ومن المؤكد أنهم هناك."

  • بين قلبه وسلاحه   الفصل 68

    مرّ شهر كامل منذ اختفاء رهف وجاسر داخل تلك الغابة البعيدة، شهر بدا بالنسبة لهما وكأنه عالم منفصل تمامًا عن الواقع، حتى إن الأيام بدأت تتشابه بهدوئها ودفئها البسيط، بينما في الخارج كانت العواصف تتشكل ببطء دون أن يدركا حجمها الحقيقي بعد. خلال ذلك الشهر، تحولت الحياة بينهما إلى روتين هادئ لم يعتده أيٌّ منهما من قبل. ومع مرور الأيام، لم تعد تشعر بذلك الخوف الدائم الذي كان يرافقها حتى أثناء نومها، بل بدأت تستعيد شيئًا من شخصيتها الحقيقية التي دفنتها سنوات الرعب داخل فيلا مدحت. أصبحت تضحك أكثر. تتكلم أكثر. وتتشاجر مع فهد على أمور سخيفة فقط لأنها أصبحت تشعر بالأمان الكافي لتفعل ذلك. أما جاسر فكان يلتزم بروتينه الأسبوعي بدقةٍ تكاد تكون عسكرية؛ ففي صباح كل أسبوع، وقبل أن تستيقظ الغابة تمامًا من سكونها البارد، كان يخرج بسيارته متجهًا نحو المدينة، يشق الطرق الترابية الطويلة بعينين متيقظتين لا تهدآن، وكأن الأشجار نفسها قد تخبئ خلفها عيونًا تراقبه في صمت. كانت رحلته إلى المدينة تبدو عادية لأي عابر طريق، لكنها بالنسبة له كانت مخاطرة محسوبة بعناية. إذ كان أول ما يفعله فور وصوله هو الذهاب إلى

  • بين قلبه وسلاحه   الفصل 67

    مرّت الأيام التالية على رهف بطريقة لم تكن تتخيل يومًا أنها قد تعيشها، حتى إنها أحيانًا كانت تستيقظ صباحًا وتتوقف للحظات تحدق في سقف الغرفة بصمت، وكأن عقلها ما يزال غير قادر على استيعاب أن هذا الهدوء حقيقي، وأنها لم تعد في تلك الفيلا الباردة التي كانت تخنق أنفاسها مع كل ليلة تمر. لأول مرة في حياتها… لم تكن تستيقظ على الخوف. بل على رائحة القهوة التي يعدّها فهد في المطبخ، أو على صوت خطواته الهادئة وهو يتحرك داخل المنزل، أو على ضوء الشمس المتسلل من النافذة ليغمر الغرفة بدفءٍ ناعم يجعلها تشعر بشيء غريب ومؤلم في الوقت نفسه… الراحة. وكان ذلك الشعور وحده كافيًا ليجعل قلبها يرتبك كلما فكرت فيه. أما جاسر، فكان يراقبها بصمت أغلب الوقت، يلاحظ كيف بدأت ملامحها تتغير تدريجيًا، وكيف اختفى ذلك الذعر الدائم من عينيها شيئًا فشيئًا، حتى إن ضحكتها أصبحت أكثر ظهورًا، أكثر صدقًا، وكأن روحها التي ظلت حبيسة لسنوات بدأت أخيرًا تخرج إلى النور ببطء. وفي تلك الغابة البعيدة عن العالم، بدأ الاثنان يعيشان أيامًا بسيطة للغاية… لكنها بالنسبة لهما كانت أشبه بحياة كاملة. كانا يستيقظان معًا كل صباح تقريبًا، يتناول

  • بين قلبه وسلاحه   الفصل 5

    استيقظت حور في ذلك الصباح وكأنها لم تنم أصلًا. لم يكن هناك كابوس محدد أيقظها… بل كان شعور ثقيل، مستمر، يضغط على صدرها منذ أن فتحت عينيها. ظلت مستلقية لعدة دقائق، تحدّق في السقف الأبيض، وكأنها تنتظر أن يتغير شيء… أن تختفي فكرة واحدة فقط من رأسها. لكنها لم تختفِ. الحفل. تنهدت ببطء وأغمضت عينيه

  • بين قلبه وسلاحه   الفصل 4

    انتهت المحاضرة الأخيرة، وخرجت حور من القاعة وهي تشعر بإرهاقٍ غريب… لم يكن إرهاق الجسد، بل ثقل ذلك الشعور الدائم بأنها مراقبة. فظهور فهد في حياتها يشعرها بأن خطواتها لم تعد طبيعية. كل شيء أصبح محسوبًا، وكل حركة مرصودة. تنهدت وهي تسير نحو بوابة الجامعة، تحاول إقناع نفسها أن تتجاهل وجوده، أن تتصر

  • بين قلبه وسلاحه   الفصل 7

    وقفت حور أمام البحر، كأنها تقف على حافة عالمين؛ عالمٍ تعرفه بكل قسوته، وآخر مجهول يغريها بصمته الواسع. كانت الأمواج تتكسر أمامها بلا توقف، تصرخ ثم تهدأ، كأنها تعيد تمثيل ما يدور في داخلها. لأول مرة منذ سنوات، لم تحاول أن تكون قوية. تركت كل شيء ينهار. وانفجرت بالبكاء. لم يكن بكاءً عاديًا، بل

  • بين قلبه وسلاحه   الفصل 6

    توقفت لحظة أمام المرآة، تتأمل ملامحها التي فقدت بريقها، وعينيها اللتين أثقلهما التعب والحزن. مرّرت أصابعها المرتجفة على وجنتيها، ثم تمنت بداخلها ألا تلتقي بمالك مرة أخرى. أغمضت عينيها للحظة لتجمع شتات نفسها، ثم استدارت وغادرت. خرجت من دورة المياه بخطوات متثاقلة، كأنها تحمل فوق كتفيها عبئًا لا يُ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status