Share

ليل الخناجر الباردة

Penulis: Oum saif
last update Tanggal publikasi: 2026-06-01 08:53:18

​الجزء الثاني: ليل الخناجر الباردة

​حبست سارة أنفاسها، وشعرت بأن قلبها قد توقف عن النبض تماماً وهي تراقب مقبض الباب الخشبي الثقيل وهو يتحرك ببطء إلى الأسفل. انفتح الباب بإيقاع هادئ ومخيف، ليتسلل ضوء الممر الخافت إلى عتمة غرفتها، ويرسم ظلاً طويلاً ممتداً على الأرضية الرخامية. لم يكن القادم سوى سعد.

​كان قد تخلى عن سترة حلته الرسمية ورابطة عنقه، واكتفى بقميص أسود فاخر فك أزراره العلوية، وشمّر عن ساعديه لتظهر عروقه البارزة وقوته البدنية المهيبة. كان يمسك بيده كأساً من الماء المثلج، وعيناه تلمعان في الظلام كعيني نمر يتربص بفريسته. دخل بخطوات واثقة ومنتظمة، ثم أغلق الباب خلفه برفق، لكن صوته كان كإعلان حرب في عقل سارة المذعور.

​وقفت سارة من على حافة السرير بسرعة، وتراجعت غريزياً إلى الخلف حتى ارتطمت بالشرفة المفتوحة، وجمعت ما تبقى من كبريائها لتواجه طوفان حضوره الطاغي. قالت بنبرة حاولت جاهدة أن تجعلها قوية وغير مرتجفة: "ما الذي تفعله هنا في هذا الوقت المتأخر يا سيد سعد؟ ألم تخبرني خادمتك أن هذا الجناح خاص بي؟"

​خطا سعد خطوات بطيئة نحوها، واضعاً كأسه على طاولة جانبية من الأبنوس، ودون أن تفارق عيناه جفنيها المتعبين، قال بصوت رخيّم، عميق، يحمل نبرة حارقة: "قواعد هذا القصر أضعها أنا يا سارة، وأغيرها متى شئت. ثم إنكِ تنسين بسرعة غريبة... أنتِ هنا بصفتكِ زوجتي أمام القانون وأمام الناس، ولا يوجد شبر واحد في هذا البيت محرم عليّ دخوله."

​وصل إليها حتى لم تعد تفصله عنها سوى خطوات معدودة. شعرت سارة بهالته القوية والدافئة تحاصرها، ممتزجة برائحة عطره الخشبي الحاد التي بدأت تتسلل إلى أنفاسها وتثير في داخلها اضطراباً غريباً لم تعهده من قبل. تلاقت عيونهما في مواجهة صامتة حابسة للأنفاس؛ عيناها العسليتان تتدفقان بالخوف والتمرد، وعيناه السوداوان كبحر من الظلام الذي يبتلع كل شيء.

​"أنا زوجتك بصفقة قذرة، ولست زوجتك برغبتي!" هتفت سارة وهي ترفع رأسها بشموخ مصطنع، والدموع تترقرق في عينيها كحبات لؤلؤ ترفض الهبوط. "لقد وقعتُ على عقد سجنك، لكنك لن تملك روحي ولا قلبي أبداً. يمكنك أن تحبس جسدي هنا، لكنك ستبقى دائماً رجلاً قادراً على الشراء، وعاجزاً عن النيل من احترامي."

​ارتسمت على شفتي سعد ابتسامة غامضة ملتوية، تحمل خليطاً من السخرية والإعجاب المكتوم بهذا التمرد. خطا خطوة إضافية حاسمة، ملقصاً المسافة بينهما تماماً، لتجد سارة نفسها محاصرة بين جسده الفولاذي الصلب وإطار الشرفة البارد. امتدت يده فجأة، وقبل أن تتمكن من التراجع، قبض برفق ولكن بإحكام شديد على معصميها، وثبتهما إلى جانبيها. انحنى قليلاً ليميل بمستواه إلى مستواها، وهسس بنبرة منخفضة ومشحونة بالتوتر العاطفي: "القلب والروح رفاهية لا تهمني يا زوجتي العزيزة. أنا لا أبحث عن حبكِ، بل أبحث عن انكسار هذا الكبرياء الزائف الذي ترتدينه كدرع. أريد أن أرى كيف ستتحول هذه النظرة المتمردة في عينيكِ إلى نظرة رجاء وتوسل... تماماً كما فعل والدكِ عندما جثا على ركبتيه يبحث عن مخرج لفضيحة عائلتكم."

​شعرت سارة بطعنة نافذة في صدرها عند سماع ذكر والدها. دقات قلبها تسارعت بشكل جنوني، وشعرت بحرارة جسده تنعكس على بشرتها الباردة، مما خلق جاذبية مظلمة وسامة بدأت تجذبها نحو هذه الهاوية. حاولت دفع صدره القوي بيديها المقبوضتين، لكنه كان كالجدار الذي لا يتزحزح.

​"أنت مريض بالانتقام!" صرخت وعيناها تلمعان بغضب عارم. "ما الذي فعله والدي لك في الماضي ليجعلك تحقد علينا بكل هذه الشراسة؟ لماذا لا تملك الشجاعة لتخبرني بالسبب بدلاً من استعراض قوتك على امرأة أُجبرت على بيع نفسها؟"

​اشتدت قبضتا سعد على معصميها لثوانٍ، ولمعت في عينيه شرارة غضب قديم كادت تحرق الغرفة. اقترب أكثر حتى أصبحت شفتيه على بعد إنشات قليلة من وجهها، ونظر في أعماق عينيها المرتجفتين بقسوة حارقة وقال: "السبب هو أمر ستدفعين ثمنه يوماً بعد يوم في هذا القصر. عائلتكِ دمرت كل ما هو إنساني داخلي منذ سنوات، والآن جاء دوري لأسترد ديني بفوائده. وبالمناسبة... أولى قواعد هذا المكان هي الطاعة العمياء. لا أريد أن أسمع كلمة 'لا' تخرج من بين شفتيكِ هاتين بعد الآن."

​تلاقت الأنفاس واختلطت في تلك اللحظة الحرجة. شعرت سارة بضعف غريب يسري في ركبتيها، وكأن برودة الرخام تحت قدميها قد تسللت إلى عظامها، بينما كان دفء سعد يغمرها بطريقة مرعبة ومثيرة في آن واحد. أفلت معصميها فجأة وكأن بشرتها الناعمة قد لسعت أصابعه، وتراجع خطوتين إلى الخلف وهو يتنفس بعمق، محاولاً استعادة قناعه الجليدي الصارم.

​أدار ظهره لها وتوجه نحو الباب، ثم التفت إليها قائلاً بنبرة جافة وآمرة: "غداً في تمام الساعة الثامنة صباحاً، أريدكِ أن تكوني في غرفة الطعام لنتناول الفطور معاً. لا أحب الانتظار، ولا أحب الأعذار. نامي جيداً يا سارة... فاليام القادمة ستتطلب منكِ الكثير من الطاقة لتحملي."

​خرج سعد وأغلق الباب خلفه، تاركاً إياها في حالة من الذهول والانهيار. ارتمت سارة على الأرض الرخامية، ودفنت وجهها بين ركبتيها، وانفجرت في بكاء مرير طال انتظاره. كانت تشعر بأنها تتأرجح بين مشاعر الكراهية الشديدة لجلادها، وبين ذلك الإحساس الغامض والمخيف بالجاذبية التي تشدها إليه في كل مرة يقترب منها.

​مرت ساعات الليل كأنها دهور. ومع بزوغ أولى خيوط الفجر، استيقظت سارة من غفوة قصيرة لم تخلُ من الكوابيس. توجهت إلى الحمام، وغسلت وجهها بالماء البارد لتحث نفسها على التماسك. فتحت الخزانة الكبيرة لتجدها مليئة بفساتين فاخرة، كلها صُممت بألوان هادئة وراقية تناسب ذوق سعد الصارم. اختارت فستاناً بسيطاً باللون الكحلي الداكن، يبرز قوامها الممشوق وبشرتها البيضاء، وتركت شعرها البني الطويل منسدلاً على كتفيها دون تكلف.

​في تمام الساعة الثامنة إلا خمس دقائق، كانت سارة تنزل الدرج الرخامي بخطوات ثقيلة ومترددة. قادتها خطواتها نحو غرفة الطعام الضخمة، حيث كانت تتوسطها طاولة خشبية طويلة مليئة بأصناف فاخرة من الطعام. كان سعد يجلس في رأس الطاولة، يرتدي بذلة رمادية أنيقة، ويمسك بيده جريدة الصباح ويقرأها بهدوء، بينما يرتشف من قهوته السوداء.

​لم يرفع عينيه عن الجريدة عندما دخلت، بل قال بنبرة هادئة ومستفزة: "جيد... دقيقة كالعادة. اجلسي."

​جلست سارة في المقعد المقابل له، وحاولت ألا تنظر إليه، بل بدأت تعبث بشوكتها دون أن تملك أي رغبة في الأكل. مرت دقائق من الصمت الثقيل والمخنق، لم يكن يقطعه سوى صوت تقليب أوراق الجريدة.

​فجأة، وضع سعد الجريدة جانباً، ونظر إليها بحدة. "لماذا لا تأكلين؟ هل الطعام لا يناسب ذوقكِ الرفيع، أم أنكِ تحاولين تمثيل دور الضحية المضربة عن الطعام؟"

​رفعت سارة رأسها ونظرت إليه بتحدٍ: "أنا لا أمثل يا سيد سعد. ببساطة، لا يمكنني الأكل وأنا أجلس أمام شخص يسلبني حريتي ويستمتع بإذلالي وإذلال عائلتي في كل ثانية."

​وضع سعد فنجان قهوته بقوة على الطاولة، ليصدر صوتاً حاداً جعل الخادمة الواقفة في الزاوية ترتجف وتنسحب بهدوء. مال بجسده إلى الأمام، وعيناه تشعان ببريق مرعب: "إذاً، دعينا نتحدث في العمل طالما أن شهيتكِ مغلقة. اليوم سيزورنا في المساء أحد أكبر رجال الأعمال في البلد، وهو صديق مقرب لوالدكِ ويعلم بتفاصيل زواجنا. أريدكِ أن ترتدي أفضل ما لديكِ، وأن تبتسمي وتتصرفي كزوجة عاشقة وسعيدة ببيتها الجديد. أي خطأ، أو أي نظرة حزن قد تظهر على وجهكِ، ستجعلني أرسل الملف الأول لمحامي عائلتكِ قبل أن ينتهي العشاء... هل كلامي واضح؟"

​اتسعت عينا سارة بذهول من مدى قسوته وقدرته على التلاعب بالمشاعر والظروف. شعرت بغصة في حلقها، وقالت بنبرة مخنوقة بالدموع: "أنت لست بشراً... أنت مجرد آلة تتحرك بالانتقام."

​نهض سعد من مقعده ببطء، وعدل سترة بذلته وهو ينظر إليها من الأعلى بنظرة باردة خالية من أي شفقة: "سمّني ما شئتِ يا سارة. لكن تذكري دائماً... في هذا العالم، القوة هي من تكتب القواعد، وأنا حالياً من يمسك بالقلم. أراكِ في المساء... زوجتي العزيزة."

​استدار وسار بخطواته الواثقة مغادراً الغرفة، تاركاً سارة وحيدة وسط قاعة الطعام الفاخرة، والدموع تنحدر على وجنتيها، بينما كانت تشعر بأن العاصفة التي تلتف حول حياتها قد بدأت لتوها، وأن ليل القصر البارد يخفي في طياته دهاليز ومفاجآت لم تكن تتوقعها أبداً.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • ترانيم الصمت و الرماد   بركان الرماد و جمر الحقيقة

    ​الجزء السادس: بركان الرماد وجمر الحقيقة​كان الصمت الذي خيّم على أركان المكتب بعد دخول سعد المفاجئ أشد رعباً من دوي المدافع. وقفت الثواني وتجمدت الأنفاس، ولم يكن يُسمع في المكان سوى صوت أنفاس سارة المتلاحقة والمذعورة، ووقع خطوات سعد الثقيلة المنتظمة وهو يتقدم نحوها. كانت عيناه السوداوان تشتعلان بنيران جحيمية كادت تحرق الجدران من حولهما، وملامح وجهه قد تيبست بالكامل لتتحول إلى قناع من الجبروت الخالي من أي رحمة.​نظر سعد إلى الأرض، حيث تقبع مذكراته السرية المفتوحة، ثم نقل نظراته الحادة كالشفرة إلى يدي سارة المرتجفتين اللتين كانتا تقبضان على صورة شقيقتها الراحلة رانيا. شعر بإهانة بالغة لكبريائه؛ فهذا الحصن المنيع الذي بناه طوال سنوات قد اخترقته امرأة، والسر الذي دفنه في أعمق دهاليز روحه بات عارياً أمام عينيها العسليتين.​"كيف تجرأتِ؟"​جاء صوته منخفضاً، رخيماً، لكنه كان يحمل وعيداً تزلزلت له الأرض تحت قدميها. خطا الخطوة الأخيرة التي تفصله عنها، وبحركة خاطفة وسريعة كالبرق، امتدت كفه القوية لتقبض على معصميها بقوة، جاعلاً إياها تطلق صرخة ألم خافتة. انتزع الصورة من يدها بعنف، وجذبها نحوه لي

  • ترانيم الصمت و الرماد   قناع الجليد و البحت في الرماد

    ​الجزء الخامس: قناع الجليد والبحث في الرماد​لم تدم تلك اللحظة المشحونة بالأنفاس الحارقة طويلاً؛ فقد استعاد سعد سيطرته الفولاذية على نفسه بسرعة أرعبت سارة. أفلت كتفيها بقسوة غير متوقعة، وكأن جسدها أصبح جمراً يلسع كبرياءه. تراجع خطوتين إلى الخلف، وعدّل قميصه الأسود ببرود حاد، بينما اختفت كل معالم الانكسار التي رأتها سارة منذ ثوانٍ، ليحل محلها ذلك القناع الجليدي الصارم الذي يتقن ارتداءه.​نظر إليها بنظرات فارغة، ميتة، وقال بصوت منخفض يحمل وعيداً خفياً: "لقد انتهى العرض يا سارة. توهماتكِ العاطفية لا تهمني، وما سمعتِهِ لم يكن سوى لحظة تعب عابرة لا تغير من الواقع شيئاً. أنتِ هنا لتدفعي الثمن، وهذا المكتب محرم عليكِ تماماً كالخروج من هذا القصر. والآن... اطلعي إلى جناحكِ قبل أن أغير رأيي وأنفذ تهديدي لعائلتكِ الليلة."​أشار بيده نحو الباب دون أن ينظر إليها مجدداً. شعرت سارة بغصة مريرة في حلقها؛ كيف يمكن لهذا الرجل أن يتحول من البركان الثائر إلى كتلة الثلج في أجزاء من الثانية؟ لم تنطق بكلمة واحدة، بل استدارت وخرجت من المكتب بخطوات مسرعة، وصوت دقات قلبها المكسور يتردد في ممرات القصر المظلمة حت

  • ترانيم الصمت و الرماد   شظايا الليل و الإعتراف المكتوم

    ​الجزء الرابع: شظايا الليل والاعتراف المكتوم​بقي الجسدان ملتصقين في بهو القصر الصامت، وكان صوت أنفاسهما المتسارعة يبدو كطبول حرب تدق في عتمة المكان. كانت كف سعد القوية تحيط بخصر سارة برفق آسر، في حين كانت يداها الصغيرتان مستندتين على صدره العريض، تشعران بالدفء الشديد الذي ينبعث من جسده الفولاذي. كلمات سعد الأخيرة عن دقات قلبها وتشقق قناع كراهيتها نزلت عليها كالصاعقة، جعلت عقلها يرفض الفكرة بينما جسدها الخائن يرتجف مستسلماً لهذا القرب الحارق.​حاولت سارة أن تجمع شتات كبريائها الجريح، ورفعت عينيها العسليتين المليئتين ببريق الدموع الغاضبة لتواجه نظراته المظلمة. قالت بصوت متهدج، يحمل نبرة تحدٍ مستميتة: "أنت واهم يا سيد سعد... دقات قلبي ليست سوى انعكاس لمدى رعب مقاطعتك وقرفي من الأكاذيب التي أجبرتني على قولها أمام عاصم بيه. لا تخلط بين الخوف والنفور وبين أي مشاعر أخرى، لأنك لن تكون في نظري أبداً سوى الرجل الذي اشترى عائلتي بماله."​لم تتغير ملامح سعد، بل ازدادت عيناه عمقاً وظلمة، واقترب ببطء أشد حتى شعرت بشفتيه تلامسان تقريباً أرنبة أنفها. همس بنبرة حارقة، منخفضة، تجعل القلوب ترتعد: "النف

  • ترانيم الصمت و الرماد   قناع العشق المستعار

    ​الجزء الثالث: قناع العشق المستعار​مرت ساعات النهار على سارة كأنها دهر من العذاب والمراقبة الصامتة. كانت تتحرك في أرجاء الجناح الشرقي كطيف هائم، تراقب من الشرفة تحضيرات الخدم الصاخبة في الحديقة السفلية لاستقبال ضيف المساء. كل زاوية في هذا القصر كانت تذكرها بعبوديتها الجديدة، وكل همسة من منيرة الخادمة كانت تشعرها بأنها تحت مجهر سعد، ذلك الرجل الذي يتقن قراءة صمتها قبل كلامها.​مع اقتراب الساعة السابعة مساءً، دخلت منيرة وهي تحمل فستاناً طويلاً ملفوفاً بغطاء حريري فاخر، وقالت باحترام: "مدام سارة، هذا الفستان أرسله السيد سعد شخصياً، ويرجو أن تكوني جاهزة تماماً بعد نصف ساعة."​أومأت سارة ببرود، وعندما غادرت الخادمة، سحبت الغطاء لتجد فستاناً مخملياً باللون الأحمر القاني (لون دماء الغزال)، يتميز بقصة ملكية تبرز كتفيها وتنساب بنعومة بالغة حتى الأرض. كان الفستان جريئاً، ينبض بأنوثة طاغية ويحمل ذوق سعد الذي يتعمد إظهارها كملكة يمتلكها.​ارتدت الفستان، ووقفت أمام المرآة الطويلة. وضعت لمسات خفيفة من مستحضرات التجميل لتخفي شحوب وجهها وهالات التعب تحت عينيها، ورفعت شعرها البني الطويل في كعكة كلاسي

  • ترانيم الصمت و الرماد   ليل الخناجر الباردة

    ​الجزء الثاني: ليل الخناجر الباردة​حبست سارة أنفاسها، وشعرت بأن قلبها قد توقف عن النبض تماماً وهي تراقب مقبض الباب الخشبي الثقيل وهو يتحرك ببطء إلى الأسفل. انفتح الباب بإيقاع هادئ ومخيف، ليتسلل ضوء الممر الخافت إلى عتمة غرفتها، ويرسم ظلاً طويلاً ممتداً على الأرضية الرخامية. لم يكن القادم سوى سعد.​كان قد تخلى عن سترة حلته الرسمية ورابطة عنقه، واكتفى بقميص أسود فاخر فك أزراره العلوية، وشمّر عن ساعديه لتظهر عروقه البارزة وقوته البدنية المهيبة. كان يمسك بيده كأساً من الماء المثلج، وعيناه تلمعان في الظلام كعيني نمر يتربص بفريسته. دخل بخطوات واثقة ومنتظمة، ثم أغلق الباب خلفه برفق، لكن صوته كان كإعلان حرب في عقل سارة المذعور.​وقفت سارة من على حافة السرير بسرعة، وتراجعت غريزياً إلى الخلف حتى ارتطمت بالشرفة المفتوحة، وجمعت ما تبقى من كبريائها لتواجه طوفان حضوره الطاغي. قالت بنبرة حاولت جاهدة أن تجعلها قوية وغير مرتجفة: "ما الذي تفعله هنا في هذا الوقت المتأخر يا سيد سعد؟ ألم تخبرني خادمتك أن هذا الجناح خاص بي؟"​خطا سعد خطوات بطيئة نحوها، واضعاً كأسه على طاولة جانبية من الأبنوس، ودون أن تفار

  • ترانيم الصمت و الرماد   عاصفة الرماد المرتجف

    ​الجزء الأول: عاصفة الرماد المرتجف​كانت خيوط الشمس الراحلة تطلي أفق المدينة بلون أحمر قانت، يشبه تماماً لون الدماء التي تجمدت في عروقها منذ تلك الليلة اللعينة. وقفت سارة أمام النوافذ الزجاجية الممتدة من الأرض إلى السقف في ذلك المكتب الفاخر، تشعر وكأنها طائر صغير أُلقي به في قفص من ذهب وفولاذ. أنفاسها المتسارعة كانت ترسم غشاوة مؤقتة على الزجاج، سرعان ما تمسحها بأصابعها المرتجفة وهي تراقب حركة الشارع المخنوق بالسيارات في الأسفل. لم يكن الخوف وحده ما يشل حركتها، بل كان ذلك الشعور القاتل بالعجز؛ لقد بيعت، وبيعت بأبخس الأثمان لإخماد نيران فضيحة ومؤامرة عائلية لم تكن لها فيها يد.​انفتح الباب الخشبي الضخم خلفها بصوت خفيض، لكنه بالنسبة لسمعها المرهف كان كدوي رعد في ليلة عاصفة. لم تلتفت فوراً. تيبس جسدها، وتصلبت أطرافها وهي تسمع وقع خطواته الواثقة، المنتظمة، والبطيئة التي تقترب منها. كل خطوة كانت تطحن بقايا كبريائها وتزيد من تسارع دقات قلبها المذعور.​"الالتفات للمتحدث لغة من لغات الاحترام التي يبدو أن عائلتكِ نسيت تلقينكِ إياها، يا سارة."​جاء صوته رخيماً، عميقاً، يحمل برودة تصيب العظام بال

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status