LOGINتفاجئت من حديثه وعدم اكتراثه الذي اعتاد عليه لتقضم شفتيها بغيظ من تلك الطريقة التي يتحدث بها ثم حدثته قائلة:
- يعني أنا طالع عيني من الصبح ما بين شغل وبيت وأولاد وانت مقضيها كافيهات وخروج مع اصحابك يرضي مين دا بس يا ربي. قلب عينيه بملل من حديثها المتكرر التي لا تكف عنه أبدًا ثم تحدث ينفاذ صبر: - اخلصي يا ضحى انا مش فايق لك كنتي عايزة حاجة ولا بتتصلي علشان تقولي الكلمتين اللي مالهومش لازمة دول. تحدثت بأسى على ما آلت إليه حياتها: - كنت بكلمك من ساعة فاتت علشان تروح تجيب الولاد من عند ماما أنا هتأخر في الشغل شوية والجو برد وخايفة الولاد لو خرجوا في الجو ده يتعبوا وانا كمان مجهدة جدا ومش هقدر أفوت آخدهم. نفخ خديه وتحدث من بين أسنانه غير مكترثًا لكل ما قالته. - بقولك إيه أنا ماليش دعوة بالحوار ده انتي حرة تجبيهم متجبيهومش ميلزمنيش دي مسؤوليتك يا هانم مش مسؤوليتي ولو شايفة انك مش قد المسؤولية دي اقعدي من الشغل واتفرغي لبيتك وأولادك ولو مش قادرة تروحي تجبيهم خليهم بايتين عند مامتك كدا كدا بكرة الجمعة ومفيش مدارس وياريت تروحي تباتي معاهم انتي كمان وتريحيني من زنك شوية. قال ذلك ولمح وعد آتية من بعيد فأغلق الهاتف في وجه ضحى قبل أن يتسنى لها الرد على كلماته المسمومة. لتنظر الى الهاتف بعد أن أغلق الخط في صدمة مما قاله لها فكيف يكون ذلك رده على كل ما تفعله من أجله هو وطفليهما لتهز رأسها في أسى ولما العجب فتلك طريقته دائمًا التي لم ولن تتغير. لم تشعر بتلك الدموع التي أغرقت وجهها ندما على اختيارها وشفقة على حالها وما وصلت إليه معه لتحاول كتم شهقاتها حتى لا يشعر بها أحد من زملائها ثم جففت دموعها وعادت لعملها مرة أخرى. ❈-❈-❈ جلست بتوتر ظاهر على تقاسيم وجهها ليسألها عما حدث فأجابت عليه بأسف لأنها مضطرة لإنهاء هذا اللقاء الذي يشبه الحلم: - لا أبدا مفيش بس أنا اتأخرت أوي ولازم أمشي دلوقتي علشان قلقانين عليا في البيت. ربت على يدها مدعيا الاهتمام راسما ذلك الوجه المتفهم ببراعة على وجهه ثم عقب قائلا: - ولا يهمك يا حبيبتي تعالي أوصلك علشان متتأخريش أكتر من كدا. همت بحمل حقيبتها لتنهض ولكنه قام بإمساك يدها وحدثها وهو ينظر في عينيها: - شوفتي الكلام خدنا ونسيت أديكي هديتك. قربت ما بين حاجبيها وتحدثت بتعجب: - هدية! هدية ايه؟ أخرج من جيب بنطاله تلك العلبة المخملية الصغيرة زرقاء اللون ثم قدمها إليها معقبًا مع تلك النظرات العاشقة التي ينظر بها إليها: - دي هدية بسيطة حبيت أجيبهالك علشان تفتكري بيها أول مقابلة بينا وتفضل محفورة جواكي زي ما هي محفورة في قلبي. لم تستطع السيطرة على تلك المشاعر التي شعرت بها فدمعت عيناها ونظرت إليه نظرة مليئة بالعشق الخالص ثم أخذت منه العلبة بيد مرتعشة وعندما قامت بفتحها خرجت منها شهقة عالية نوعا ما ووضعت يدها على فمها لا تصدق ما تراه فلقد أحضر لها تلك القلادة الرائعة التي حلمت بامتلاكها يوما ما وهنا لم تستطع السيطرة على تلك الدموع التي ملأت عينيها ونزلت على وجهها ثم تحدثت بصوت كاد أن يخرج متقطعًا من فرط تلك المشاعر: - دي ليا أنا؟ بجد مش عارفة أقولك إيه ربنا يخليك ليا يا أحمد ويقدرني إني أسعدك. ابتسم لها تلك الابتسامة الجذابة التي جعلتها تقع في حبه أكثر وأكثر ثم تحدث معقبا: - دي أقل حاجة ممكن اقدمهالك مش هي دي السلسلة اللي كنتي مشيرة صورتها عالفيسبوك من فترة؟ علشان تعرفي بس إني واخد بالي من كل حاجة تخصك. أعقب حديثه بغمزة من إحدى عينيه ليزداد خجلها ولم تستطع النطق بعد سماعها لحديثه ذلك كل ما استطاعت عمله هو أن نكست رأسها للأسفل فوضع يده أسفل ذقنها ليرفع وجهها وجعلها تنظر إلى عينيه وحدثها قائلا: - إيه لازمة الكسوف ده دلوقتي احنا خلاص مابقاش في بينا كسوف واعملي حسابك إني مبحبش الست اللي بتتكسف. ابتسمت إليه وقامت بهز رأسها لأعلى ولأسفل كعلامة على استجابتها لحديثه قام بدفع فاتورة الحساب ونهضا سويًا ليوصلها إلى مكان قريب من منزلها فلقد رفضت أن يوصلها للمنزل مباشرة حتى لا يراها أحدهم ويتحدث عنها بسوء فهي تقطن في منطقة شعبية أسهل شيء بها هو القيل والقال. ❈-❈-❈ أغلقت الهاتف مع ابنتها ثم التفتت فزعة على ذلك الصوت الغاضب الذي لا تكره سواه: - كنتي بتكلمي مين يا ولية؟ تلعثمت وهي تجيبه بخوف وترقب من ردة فعله: - دي، دي وعد يا سي عادل كنت بشوفها اتأخرت ليه. رأت شرارات الغضب تتطاير من عينيه ليعلو صوته وهو يتحدث لتتيقن أن جميع جيرانهم قد سمعوا صوته: - والله عال الساعة عشرة وربع ومقصوفة الرقبة دي لسه مرجعتش، طبعًا مهي مالهاش ظابط ولا رابط وتحدث من بين أسنانه ليتوعد لها: - تيجي بس وتقع بين ايديا وانا هوريها هي اظاهر وحشتها عُلَق زمان أفكرها بيها بقى أحسن ما عيارها يفلت أكتر وتعمل زي الصايعة التانية اللي محدش قادر يلمها وكل يوم نطالي في بلد شكل ويا عالم بتعمل إيه وهي هناك. حاولت سميحة تهدئته بكل الطرق حتى لا يصب جام غضبه عليها وعلى ابنتها المسكينة لتربت على كتفه وهي تعقب قائلة: - اهدى بس يا خويا علشان صحتك والبت معذورة غصب عنها اتأخرت في الشغل ومعرفتش تطلع الساعة ٨ زي كل يوم وخلوها تقعد ساعتين كمان بالعافية. ولأنها تعلم مفاتيحه جيدا أكملت حديثها على النحو الذي يحبه هو: - وهتاخد فلوس زيادة على التأخير ده وأهو احنا أولى بالقرشين الزيادة ولا انت رأيك ايه؟ كلامها الأخير أطرب أذنيه فهو لا يعشق في حياته أكثر من المال لتلين نبرته قليلا وهو يقول: - فلوس زيادة؟ أما نشوف ولو إن الواحد مش شايف منكم ولا أبيض ولا أسود دفعت دم قلبي في تعليمهم وفي الآخر مستفدتش منهم بحاجة. لم تصدق ما سمعته أذنيها لتفتح فمها وعينيها في بلاهة شديدة من هول ما قاله فأين هي النقود التي قام بدفعها لتعليم ابنتيه فلقد كان يريد إدخالهم مدرسة للتعليم الفني بعد أن حصلوا على الشهادة الإعدادية بحجة أنه لا يستطيع تحمل نفقات الثانوية العامة ولولا وقوف عهد أمامه وهي في ذلك السن الصغير وتصميمها على تكملة تعليمها ونزولها للعمل في متجر لبيع الملابس حتى تستطيع الإنفاق على تعليمها ومن ثم تعليم شقيقتها الصغرى لما استطاعتا دخول الجامعة أو حتى العبور من أمامها . تنهدت بحزن وألم وهي تتذكر معاملته لها ولبناتها وكيف تحملوا قسوته عليهم وأخذه نقودهم عنوة. - سرحانة في إيه يا ولية انتي؟ ما تقومي تفذي تعمليلي كوباية شاي بدل ما انتي قاعدة زي قلتك كدا. أفاقت على صوته الصارخ بتلك الكلمات السامة فعلى ما يبدوا أنه كان يتحدث منذ مدة وهي لم تسمتع لشيء مما قاله. قامت مسرعة وهي تتعثر في خطواتها وتقول بتلعثم: - حاضر يا خويا دقيقة والشاي يكون قدامك. دخلت المطبخ وهي تسبه في داخلها بكل أنواع السباب الذي لا تستطيع قوله أمامه فإن كانت تعجز عن سبه علانية فلتفعلها بينها وبين نفسها إذن علها تطفئ تلك النيران المشتعلة بداخلها والذي هو السبب بها. أما هو فأخذ ينفث من دخان النارجيلة خاصته صانعًا سحابة سوداء تملأ المكان من حوله وتحدث إلى نفسه ساخطًا على كل من حوله: - عيلة هم انا عارف أنا مستحملكم على إيه السنين دي؟ كلها جاتكوا القرف. يتبعتجمع الناس حول السيارة وقاموا باستدعاء سيارة الإسعاف لتأخذه إلى المشفى رغم اعتراضه ولكنهم أصروا على ذلك حتى يتسنى له الخضوع للكشف الطبي للاطمئنان بأنه لم تحدث مضاعفات من أثر الحادث كـ ارتجاج بالمخ أو نزيف داخلي.خضع لبعض الفحوصات بداخل المشفى وقام بعمل أشعة مقطعية للاطمئنان عليه واقترح الطبيب أن يبقى بالمشفى لدة أربعٍ وعشرون ساعة ليكون تحت ملاحظتهم تحسبًا لأي مضاعفات ورغم رفضه في البداية إلا أنه وافق في النهاية وهو يرتسم على وجهه ابتسامة ماكرة فلم لا يستغل الحادث لمصالحتها فهو متأكد من أنها ستهرول لرؤيته فور معرفتها بما حدث.أخذ يفكر كيف يمكنه الوصل إليها فلم يجد طريقة سوى عن طريق مروان ووعد فهاتفه قاصصًا له ما حدث طالبا منه المساعدة وهو لم يتردد في ذلك فجعل وعد تهاتف شقيقتها لتخبرها بأمر الحادث وعنوان المشفى.ما إن بلغها الخبر، حتى تجمّدت أنفاسها في صدرها، واتّسعت عيناها كأنّها رأت شبحًا، سقطت كلّ حواجز الغضب، وتلاشت جدران الزعل التي شيدتها بقلبها يومًا لم تعد تذكر سبب خصامهما، لم تعد تُجيد الحسابات ولا العتاب كلّ ما خطر ببالها أنّه هناك، يتألّم وحده، بعيدًا عنها.ركضت، لا تدري كيف و
تجلس بخجل على أحد المقاعد مرتدية فستانًا رقيقًا باللون الأبيض كانت مطأطأة الرأس إلى أن استمعت للجملة الشهيرة التي تقال دائما في نهاية عقد القران:- بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.نظرت إليه بعينين تملؤهما الدموع ولكنها اليوم دموع الفرح لا تصدق أنها الآن أصبحت زوجته.اقترب منها بعد أن تم عقد قرانهما مقبلًا يديها وجبهتها هامسًا في أذنها بكلمات لامست وجدانها:- مبروك يا أميرتي أخيرًا بقينا لبعض.احمر وجهها وشعرت بالحرارة تغزو جسـ دها فنظرت أرضًا ولكنه أبى ذلك ورفع رأسها بيده وتحدث بمشاكسة:- لا مش وقت كسوف النهاردة خالص دنا ما صدقت.أخفظت رأسها مرة أخرى فابتسم على خجلها وحاوطها بزراعه وتمتم وهو يتنهد بتعب:- أخيرًا أنا مش مصدق.أشار لطفليها ليأتيا نحوهما وقام بحملهما معًا وتحدث وهو يحتضنهما:- يلا يا حبايبي علشان نمشي.نظرت إليه بابتسامة ممتنة فلقد ظنت بأنه لن يرحب بطفليها خاصة في هذه الليلة ورأت والدتها تقبل عليهم متحدثة بود:- سيبهم معايا اليومين دول يا مراد يبني علشان تاخدوا راحتكم وبعد كدا ابقوا خدوهم.نفى برأسه وعقب وهو ينظر إلى الطفلين بحب:- معلش يا ماما مش عايزين
قالت ذلك وقامت بإعادت تشغيله مرة أخرى فأعطتها سلوى ظهرها في محاولة بائسة منها أن تلملم شتات نفسها فمن الواضح بأنها قد أوقعت بنفسها في هاوية لا قاع لها:- انتي عايزة إيه دلوقتي يعني يا عهد ومشغلة الفويس ده ليه أنا معرفش حاجة عنه.أغلقته وفتحت قائمة الهاتف تريد طلب رقم ما وتحدثت وهي تضغط على زر الإتصال:- طب خلاص طالما مش عارفة أتصل بمباحث الانترنت وهي تعرفك.هرولت نحوها تمنعها من ذلك وحدثتها برجاء:- لا يا عهد أبوس ايدك بلاش.دفعتها بعيدًا عنها وعقبت بهدوء دمر أعصابها:- يبقى سكة ودوغري كدا تقوليلي الحوار من أوله، إيه حكاية الفويس ده؟ وعملتيه إزاي وليه؟ازدردت بخوف وبدأت تقص عليها ما حدث فلم تجد بدًا من ذلك فإما هذا وإما أن يتم القبض عليها:- أنا هحكيلك على كل حاجة بس بالله عليك ما تئذيني أنا ماليش دعوة بحاجة.اومأت برأسها تحثها على الحديث بعد أن قامت بتفعيل وضع التسجيل على هاتفها دون أن تلاحظ الأخرى ذلك لتبدأ في سرد ما حدث:- من كام يوم لقيت واحدة غريبة بتتصل بيا وطلبت مني نتقابل في مصلحة وافقت وروحت الميعاد اللي قالتلي عليه وهناك عرضت عليها ١٠٠ ألف جنيه مقابل اني أديها فوس نوت بصوتي
ما كادت تغلق الباب فور عودتها هي ووالدتها من قسم الشرطة حتى سمعت طرقات عليه ففتحت لتتفاجأ به واقفٌ أمامها لم تصدق عيناها فور رؤيته توقف الزمن لوهلة، أو هكذا خُيّل لها حين وقعت عيناها عليه.كان واقفًا هناك، أمامها، كما لو أن الغياب الطويل لم يكن سوى كابوسٍ عابر، شعرت بقلبها يختلج بين ضلوعها، يتأرجح بين الفرح والذهول، كأن صدرها ضاق فجأة على نبضٍ كان ينتظر هذا اللقاء بشغفٍ مؤلم.القلق الذي كان ينهشها طيلة الأيام الماضية، بحثها المحموم عنه، الرسائل التي لم تجد طريقها إليه، كلها تزاحمت دفعة واحدة في عينيها. دموعها لم تستأذنها، انسكبت بصمت، تحمل بين قطرتها ألف سؤال وألف وجع.تقدّمت نحوه خطوة، ثم تراجعت، لا تصدّق بعد أنه استطاع أن يفعل بها ذلك أرادت أن تعاتبه، أن تصرخ، أن تقترب وتلمسه فقط لتتأكد، لكنها بقيت واقفة، ترتجف، بين الانهيار والاحتضان، بين اللوم والحنين.وقف أمامها وقد امتلأت عيناه بأشياء لا تُقال، شوقٌ يتدفق في دمه كأنها الغائب الذي لا يُعوَّض، وحنينٌ يوشك أن يكسر صمته، لكنه لا يُكمل طريقه إلى صدره، بداخاله شكٌ يكاد أن يفتك به صراع بين قلبه وعقله ولا يعلم من منهما سيتغلب على الآخر
عقدت حاجبيها وهي تتساءل بغير فهم:- هما خدوه المشرحة ليه؟ أجابت بلامبالاة:- شاكين في شبهة جنائية علشان كدا الجثة بتتشرح علشان يعرفوا سبب الوفاة.شهقة خرجت منها وهي تعقب باندهاش:- يا خبر أبيض يعني ممكن عمو عادل يكون مات مقتول؟!حركت كتفيها لأعلى ولأسفل بعدم معرفة وتحدثت باقتضاب:- الله أعلم- طب ما تكلمي يونس ممكن بمعارفه يقدر يجيبلنا الأخبار.زفرت بضيق وهي تتذكر تجنبه إياها في اليومين الماضيين وعدم رده على مهاتفاتها ورسائلها فعقبت بقلق:- أنا معرفش عن يونس حاجة بقالي يومين برن عليه وببعتله رسايل مبيردش ولا حتى بيفتحها وقلقانة عليه جدا.انتابها القلق هي الأخرى وحدثتها باهتمام:- طب مفيش طريقة تانية توصليله بيها؟عقبت بحزن ظهر جليًا على قاسيم وجهها:- مش عارفة مروان مسافر ومعرفش عنوانه ولا عنوان الشركة بتاعته هنا ودا اللي هيجنني واتصلت بفندق الأقصر قالوا إنه لسه في القاهرة ومرضيوش يدوني أي عناوين.ضيقت ما بين حاجبيها وعقبت بتعجب ولكنها حاولت طمأنتها قدر استطاعتها:- غريبة دي، بس عموما لو كان حصل حاجة بعد الشر كانوا أكيد قالولك ممكن يكون جاتله سفرية مستعجلة ولا حاجة وانشغل وملحقش يقول
حين جاءها الخبر، لم تبكِ. لم تصرخ. لم تنهَار كما يفعل الآخرون حين يفقدون آباءهم، تجمدت، كأن الزمن توقف للحظة، لكنها لم تشعر بذلك الفراغ الذي يتحدثون عنه دائمًا. في داخلها، دوّى صمت غريب، لا حزن فيه ولا راحة، فقط دوشة مشاعر متداخلة، كأن عقلها لا يعرف أيّ زرٍّ يضغط. هل تُبدي الأسى على رحيله؟ أم ترتاح أخيرًا لأنه اختفى من عالمها؟ هو الأب، نعم، لكنّه كان الجرح أيضًا، كانت تتوق لغيابه، لكنها لم تتخيل أن حضوره سينتهي هكذا فجأة. ابتلعت ريقها بصعوبة، ونظرت في الفراغ بعينين قد تحجرت بهما الدمعات تمر الذكريات أمام عينيها كأنها شريط مصوَّر، لتنسكب مشاهد الماضي في عقلها دفعة واحدة متذكرة ما فعله بها من يوم مولدها حتى غاب عن حياتها منذ بضعة أشهر ذكريات عديدة لا يوجد بها ذكرى سعيدة واحدة لا تتذكر أن ابتسم بوجهها يومًا، أو أتى لها بلعبة، أو ذهب معها لمكان كما يفعل جميع الأباء مع أطفالهم لا تحمل له سوى الألم والبغض ولا تدري كيف يمكنها تخطي ذلك.نظرت بتيه نحو باب الغرفة الذي فُتِح فجأةً لتجد رهف تدخل إليها تعانقها بشدة دون أن تنطق بشيء تعرف بأنها الآن لا تريد شيء سوى الشد من أزرها ومؤازرتها حتى تمر
أفاقت من تلك الحالة على نداء أحدهم عليها من الخارج: - آنسة عهد ياريت تخرجي من المقبرة بسرعة. لم تلتفت للصوت في بادئ الأمر فلقد كانت في حالة من النشوة تتخيل اسمها وهو يذكر في المحافل العالمية مقترن بذلك الاكتشاف العظيم. أخذت تفحص المقبرة والنقوش التي بها ليزداد يقينها أنها تخص كاهن ما كما لم تأخذ
تملكها الغضب الشديد من طريقة كلامه فعن أي صباح يتحدث ولقد قارب النهار أن ينتصف فكادت أن توبخه ولكنها حاولت ضبط أعصابها بكل الطرق الممكنة حتى لا يعلو صوتها أو تقول كلام يأخذه ذريعة ولا يذهب للمقابلة فتحدثت بأهدى نبرة صوت استطاعت أن تنطق بها: - معلش يا حبيبي بس لو مكانتش حاجة مهمة مكنتش كلمتك. قلب
أحضر توًا يا سيدى يا من ذهبت بعيدًا أحضر لكى تفعل ما كنت تحبه تحت الأشجار لقد أخذت قلبى بعيدًا عنى آلاف الأميال معك أنت فقط أرغب فى فعل ما أحب إذا كنت قد ذهبت إلى بلد الخلود فسوف أصحبك فأنا أخشى أن يقتلنى طيفون (الشيطان ست) لقد أتيت هنا من أجل حبى لك فلتحرر جسدى من حبك. "مقولة فرعو
"لقد أثار حبيبي قلبي بصوته، وتركني فريسة لقلقى وتلهفي، إنه يسكن قريبًا من بيت والدتي، ومع ذلك فلا أعرف كيف أذهب نحوه، ربما تستطيع أمي أن تتصرف حيال ذلك، ويجب أن أتحدث معها وأبوح لها، إنه لا يعلم برغبتي في أن آخذه بين أحضاني، ولا يعرف بما دفعني للإفصاح بسري لأمي، إن قلبي يسرع في دقاته عندما







