FAZER LOGINمنظور ميا
أقطع ثلاثة مربعات سكنية قبل أن ينتزع مني أول نشيج. المدينة تضبب—سيارات الأجرة تزمر، المشاة يسرعون، السماء الرمادية اللامبالية تضغط كأنها تعرف ما الذي مشيتُ بعيداً عنه للتو. كعبي يطرق الرصيف بصوت عالٍ جداً، كل خطوة تردد كلمة «لا» التي قذفتُها في وجهه كسلاح. يجب أن أشعر بالنصر. قلتها في وجهه. نظرتُ في عيني رايدر فون—الرجل الذي كسرني ذات يوم تماماً حتى هربت عائلتي من الولاية—واخترتُ الكرامة على اليأس. بدلاً من ذلك أشعر بالفراغ. هاتفي يهتز في جيب معطفي. أمي. أجيب فوراً. «مرحباً يا حبيبتي.» صوتها أنحف من أمس. أضعف. «كيف سارت المقابلة؟» أبلع الكتلة في حلقي. «رفضتها.» صمت. ثم تنهيدة ناعمة متعبة تنحت قطعة أخرى مني. «ميا… العرض كان حقيقياً؟» «ثلاثة أضعاف راتبي. مزايا. كل شيء.» صوتي يتشقق. «لكنه كان هو يا أمي. رايدر. لا أستطيع. أنا فقط… لا أستطيع.» وقفة أخرى. أطول هذه المرة. أسمع صوت صفير جهاز التسريب الوريدي في الخلفية، الجهاز الذي بالكاد نستطيع تحمّل تكلفته. «أفهم» تقول بهدوء. هادئ جداً. «سنجد حلاً.» لكننا نعرف كلانا أننا لن نجد. الجولة الأخيرة من العلاج استنزفت ما تبقى من مدخراتنا القليلة. سرطانها عاد بقوة قبل ثلاثة أشهر، والأطباء كانوا صريحين: بدون تجربة العلاج المناعي الجديدة، لديها أشهر. ربما أقل. أضغط على الهاتف بقوة أكبر. «سأجد شيئاً آخر. سأعمل نوبات مضاعفة. سأ—» «ميا.» صوتها لطيف لكنه نهائي. «حملتِنا بما يكفي. لو كانت هذه الوظيفة قادرة على إنقاذي… ربما كان يجب أن—» أتوقف تماماً في منتصف الرصيف. ساعي بريد يكاد يصطدم بي. «أمي، لا.» «أنا آسفة» تهمس. «أنا آسفة جداً يا بيبي. أكره فقط أنكِ ما زلتِ تتألمين بسبب ذلك الولد. بعد كل هذه السنوات.» أغلق الخط قبل أن أبدأ البكاء علناً مرة أخرى. خمس سنوات واجتماع واحد مدته عشر دقائق مع رايدر فون، وأنا أعود إلى حيث بدأت—على حافة الانهيار. بحلول الوقت الذي أصل فيه إلى شقتي الاستوديو الصغيرة، يداي ترتجفان بقوة حتى أسقط مفاتيحي مرتين. في اللحظة التي يُغلق فيها الباب، أنزلق على الحائط وأدع الدموع تأتي. نشيح قبيح خانق يؤلم أضلاعي. أبكي من أجل الفتاة التي كنتُها في السابعة عشرة. من أجل الأم التي تستحق أفضل من ابنة مكسورة جداً لدرجة أنها لا تستطيع أخذ مال الشيطان. من أجل المستقبل الذي يبدو وكأنه ينزلق من بين أصابعي. هاتفي يضيء على الأرض بجانبي. رقم مجهول. أكاد أتجاهله، لكن شيئاً يجعلني أمرر إصبعي. مجهول: مشيتِ بعيداً، لكن العرض لم يذهب. خذي الليلة. فكري فيه. العقد في بريدك الإلكتروني. — ر أحذف الرسالة دون فتح المرفق. بعد ساعات، ما زلتُ ملتفة على الأريكة في الظلام عندما يأتي الاتصال الثاني. هذه المرة من المستشفى. «الآنسة طومسون؟ أنا الدكتورة إليس. أُدخلت والدتك هذا المساء. تحتاجين إلى المجيء فوراً.» العالم يميل. لا أتذكر أنني التقطتُ معطفي. لا أتذكر رحلة المترو أو الجري عبر الممرات المعقمة التي تفوح منها رائحة الموت والمطهر. كل ما أعرفه هو منظر أمي في ذلك السرير—أصغر، أشحب، الآلات تصفر حولها كاتهامات. «كان لديها رد فعل سيئ على الأدوية الحالية» تقول الطبيبة بهدوء. «جسمها… يكافح. الدواء التجريبي الذي ناقشناه يمكن أن يشتري لها وقتاً. وقتاً ذا جودة. لكن التأمين لن يغطيه، وتكلفة الدفع من الجيب هي—» «مئتان وأربعون ألف دولار لأول ستة أشهر» أكمل ببلادة. أعرف الرقم عن ظهر قلب بالفعل. الطبيبة تومئ. أجلس بجانب سرير أمي طويلاً بعد انتهاء ساعات الزيارة، ممسكة بيدها الباردة. تغفو وتستيقظ، تهمس باسمي أحياناً. عندما تكون واعية، تبتسم بضعف. «فعلتِ الشيء الصحيح اليوم» تكذب. «لا تحملي ذنباً. أنا فخورة بكِ.» أضغط جبهتي على مفاصل أصابعها وأبكي بصمت حتى لا تسمع. في الساعة 3:17 صباحاً، يهتز هاتفي مرة أخرى. رسالة نصية أخرى من الرقم المجهول. مجهول: أعرف عن أمك. أنا آسف. الوظيفة ما زالت لكِ. بلا شروط. فقط عودي. دعيني أصلح شيئاً واحداً كسرته. أحدق في الشاشة حتى تظلم. أصلحه. كأن أي شيء يمكن أن يُصلح أبداً. كأنني أستطيع العودة إلى ذلك البرج الزجاجي غداً وأركع مرة أخرى—هذه المرة طواعية—للرجل الذي جعلني ذات يوم أنزف على أرضية المدرسة من أجل الترفيه. لكن صدر أمي يرتفع وينخفض بضحولة شديدة. الآلات تستمر في الصفير. الوقت ينفد. أغمض عينيّ وأرى رايدر في السابعة عشرة يضحك بينما أبكي. ثم أرى وجه رايدر في الثالثة والعشرين عندما قلتُ لا—وميض شيء يشبه الألم تقريباً. إبهامي يحوم فوق زر الرد. أكتب كلمة واحدة. ثم أحذفها. أكتبها مرة أخرى. الاختيار يشعر كالموت. ميا: سأفكر في الأمر. أرسلها، ثم أرمي الهاتف عبر الغرفة كأنه أحرقني. أمي تتحرك. «ميا؟» «أنا هنا» أهمس، صوتي أجش. «أنا هنا تماماً.» تضغط على يدي مرة واحدة، ضعيفة كالنَفَس. خارج النافذة، أضواء المدينة تتلألأ ببرود. في مكان ما في ذلك البرج المتلألئ، رايدر فون ربما ينام كنَلِك، غير مدرك أن لعبته الأخيرة قد تكون الشيء الوحيد الواقف بيني وبين فقدان آخر شخص تبقى لي. أكرهه. يا إلهي، أكرهه كثيراً حتى إنه يشعر كالحب أحياناً. وأظن… أظن أنني على وشك أن أدعه يدمرني من جديد. فقط هذه المرة، الرهانات ليست قلبي فقط. إنها حياة أمي الآن.ترجمة إلى العربية:وجهة نظر مياوقّعت العقد بيدَين ترتجفان في تمام الساعة الثامنة وسبع دقائق صباحًا.كان الحبر لا يزال رطبًا عندما اهتز هاتفي برسالة تحديث من المستشفى: أُدخلت أمي بسرعة إلى التجربة. خلال الليل. «موافقة معجزة» كما سمّتها الممرضة. للحظة هشة واحدة، اجتاحني الارتياح بقوة كادت تدفعني إلى البكاء في مكتب رايدر الأنيق في الطابق العلوي.ثم رفعت نظري ورأيت وجهه.كان يقف خلف مكتبه الضخم مرتديًا بدلته السوداء المفصّلة، وعيناه الزرقاوان مثبتتان عليّ كأنني فريسة نجح أخيرًا في محاصرتها. لا ابتسامة ساخرة هذه المرة. شيء أظلم. أشد جوعًا. أكثر ذنبًا.«شكرًا لك»، همست، وأنا أكره الكلمات، وأكره طعمها الذي يشبه الاستسلام. «بسبب أمي».لم يبتسم رايدر. دار حول المكتب ببطء، كل خطوة تردد صداها كأصوات الزلاجات على جليد الحلبة قبل خمس سنوات. «لستِ مضطرة لشكري، ميا. كان هذا سيحدث دائمًا».أرسلت الكلمات بردًا يسري في عمودي الفقري. تراجعت حتى اصطدمت فخذاي بحافة الكرسي الجلدي. «ماذا تعني؟»توقف قريبًا بما يكفي لأشمّ رائحة عطره—الجليد والحمضيات، الرائحة نفسها التي تطارد كوابيسي. «اجلسي».ظللت واقفة. ار
منظور رايدر أراقب تسجيل الكاميرات الأمنية للمرة الثالثة الليلة، توهج الشاشة يلقي ظلالاً قاسية عبر مكتب الشقة الفاخرة. ميا طومسون راكعة خارج الغرفة 417 في مستشفى سانت ميرسي، جبهتها مضغوطة على بلاط الأرضية البارد، كتفاها تهتزان بنشيح صامت. الطابع الزمني يقرأ 4:12 صباحاً. هاتفها يرقد بجانبها كسلاح مُهمل، الشاشة ما زالت مضاءة برسالتي الأخيرة. أكبر الصورة. حتى من خلال كاميرا المستشفى الحبيبة، أستطيع رؤية الإرهاق المحفور في وجهها—نفس الوجه الذي كان ينظر إليّ ذات يوم في ممر مدرسة ليكوود الثانوية والدموع تنهمر بينما أضحك. بعد خمس سنوات، وما زالت تنكسر بسببي. صدري يتشدد. أمد يدي إلى كأس الويسكي على المكتب، لكن يدي تتوقف في منتصف الطريق. هذا ليس انتصاراً. هذا شيء أقبح. شيء أطعمه منذ سنوات. كنتُ أعرف عن سرطان والدتها قبل أن أحدد موعد تلك المقابلة أصلاً. بالطبع كنتُ أعرف. مكتب التحقيقات الخاصة الذي أبقيته على راتب منذ أن غادرت ميا المدينة كان يرسل تقارير شهرية كالساعة. ضغط مالي. فواتير طبية تتراكم. التشخيص الذي أصابها بعد ستة أشهر من هروبهم من ليكوود. قلتُ لنفسي إنني فقط أراقب آثار دماري.
منظور ميا أقطع ثلاثة مربعات سكنية قبل أن ينتزع مني أول نشيج. المدينة تضبب—سيارات الأجرة تزمر، المشاة يسرعون، السماء الرمادية اللامبالية تضغط كأنها تعرف ما الذي مشيتُ بعيداً عنه للتو. كعبي يطرق الرصيف بصوت عالٍ جداً، كل خطوة تردد كلمة «لا» التي قذفتُها في وجهه كسلاح. يجب أن أشعر بالنصر. قلتها في وجهه. نظرتُ في عيني رايدر فون—الرجل الذي كسرني ذات يوم تماماً حتى هربت عائلتي من الولاية—واخترتُ الكرامة على اليأس. بدلاً من ذلك أشعر بالفراغ. هاتفي يهتز في جيب معطفي. أمي. أجيب فوراً. «مرحباً يا حبيبتي.» صوتها أنحف من أمس. أضعف. «كيف سارت المقابلة؟» أبلع الكتلة في حلقي. «رفضتها.» صمت. ثم تنهيدة ناعمة متعبة تنحت قطعة أخرى مني. «ميا… العرض كان حقيقياً؟» «ثلاثة أضعاف راتبي. مزايا. كل شيء.» صوتي يتشقق. «لكنه كان هو يا أمي. رايدر. لا أستطيع. أنا فقط… لا أستطيع.» وقفة أخرى. أطول هذه المرة. أسمع صوت صفير جهاز التسريب الوريدي في الخلفية، الجهاز الذي بالكاد نستطيع تحمّل تكلفته. «أفهم» تقول بهدوء. هادئ جداً. «سنجد حلاً.» لكننا نعرف كلانا أننا لن نجد. الجولة الأخيرة من العلاج استنزف
منظور ميا أدخل برج فون إنتربرايزز الزجاجي الأنيق، كعبي يطرق الأرضية الرخامية المصقولة. خمس سنوات كان يجب أن تكون كافية للنسيان. لم تكن. رحلة المصعد إلى الطابق العلوي تشعر وكأنها تسلق إلى أرض العدو. عندما تفتح الأبواب، تبتسم لي موظفة استقبال أنيقة. «الآنسة طومسون؟ السيد فون ينتظرك.» بالطبع ينتظرني. أتبعها في الممر، معدتي تلتوي أكثر مع كل خطوة. عندما تفتح الباب الخشبي الثقيل، أراه. رايدر فون. لم يعد قائد فريق الهوكي المتغطرس في الجاكيت الحرفي. الآن يجلس خلف مكتب ضخم ببدلة سوداء مفصلة تكلف أكثر من إيجار سنوي. شعره الداكن مُصفف، فكه أحدّ، كتفيه أعرض. الصبي أصبح رجلاً يبدو وكأنه يملك العالم. رئيس تنفيذي في الثالثة والعشرين. إمبراطورية تقنية وترفيه بمليارات الدولارات. عيناه الزرقاوان الجليديتان ترتفعان وتلتقيان بعينيّ. لنبضة قلب واحدة، يومض شيء على وجهه—مفاجأة، ثم تلك الشدة المفترسة نفسها التي أتذكرها جيداً. «ميا» يقول، صوته أعمق، أكثر نعومة. يقف، يعلو على المكتب. «جئتِ.» «جئتُ من أجل المقابلة» أصحح ببرود، محافظاً على نبرتي مسطحة. «ليس من أجل لمّ شمل.» يشير إلى الكرسي ال
منظور رايدر أضرب باب غرفة الملابس الفارغة خلفي، الصوت يرتد عن البلاط كطلقة رصاص. قلبي ما زال يدق كالمطرقة من فوضى الممر، أدرينالين مختلط بشيء حامض لا يريد أن يستقر. وجه ميا يستمر في الوميض في رأسي—أحمر، ملطخ بالدموع، عيون واسعة بكراهية خالصة وهي تزحف على الأرض تجمع تلك الصفحات الغبية. ذهبت بعيداً جداً. بعيداً جداً. مرة أخرى. لكن اللعنة، هي تجعل الأمر سهلاً جداً أن أحبها. الطريقة التي تنظر بها إليّ، كلها نار وخوف، ذلك الاحمرار العذري الذي ينتشر في رقبتها… يلتوي شيئاً مظلماً ومُدمناً بداخلي. لا أستطيع التوقف عن الدفع. لا أستطيع التوقف عن الرغبة في كسرها فقط لأرى ما ينسكب. أمزق جاكيتي الحرفي وأرميه على الخزائن. لا يساعد. لا شيء يساعد. «Shit» أهمس وأنا أتمشى كحيوان محبوس. الجزء الخاص يبدأ في اللحظة التي أكون فيها وحدي. لا جمهور. لا زملاء في الفريق لأبهرهم. فقط أنا والحقيقة القبيحة. أسحب هاتفي وأفتح الصور التي التقطتها سراً بينما كانت تبكي—لقطات مقربة لعيونها الممتلئة بالدموع، والطريقة التي ارتجفت بها شفتاها عندما ناديتها «فيرجن» أمام الجميع. إبهامي يحوم فوق زر الحذف، لكنني
منظور ميا بالكاد أصل إلى خزانتي في صباح اليوم التالي قبل أن تبدأ الهمسات. الرؤوس تلتفت. الهواتف تُسحب. شخص ما يسخر فعلاً بصوت عالٍ «فيرجن ميا» بما يكفي ليسمعه الممر بأكمله. خداي ما زالا مشتعلين من كابوس الحلبة بالأمس. أدخل كتبي داخل الخزانة، أصلي أن أنجو حتى الغداء دون أن أراه. لا حظ لي. الجمهور ينفرج كبحر الأحمر وها هو — رايدر فون، يسير في الممر وكأنه يملك المدرسة، محاطاً بنصف فريق الهوكي. يرتدي جاكيته الحرفية، شعره ما زال فوضوياً من تمرين الصباح، وتلك الابتسامة المزعجة جاهزة ومشحونة. «ميا-ميا!» ينادي بصوته الغنائي الذي يجعل جلدي يقشعر. «ها هي المفضلة لدي، الصغيرة يوميات سلت!» الضحك يتموج في الممر. أغلق خزانتي بعنف وأحاول المشي في الاتجاه الآخر، لكن اثنين من زملائه في الفريق يسدّان طريقي، مبتسمين بسخرية. يركض رايدر ويقذف ذراعاً ثقيلاً حول كتفي، يجذبني إلى جنبه كأننا أفضل أصدقاء. عطره يغزو أنفي — جليد وحمضيات وكبرياء خالص. «ابتعد عني» أهمس، أحاول أن أتخلص من قبضته. لكنه يشدها أكثر. «آه، لا تكوني هكذا، فيرجن» يقول بصوت عالٍ يصل إلى نهاية الممر. «بعد أن جعلت أوهامك الق







