تسجيل الدخولبشكلٍ ما، كان الطريق إلى المدينة شيقاً، خصوصاً كلما نظر عزازيل ناحية إيڤيلين؛ إذ كان يلمح ذلك الشغف الطفولي النابض في عينيها، منح ذلك عزازيل في خفايا صدره المظلم سعادة خفية لم يعهدها من قبل.
وعلى الرغم من أن أدريان كان مثقلاً بالهواجس بسبب تصرفات عزازيل الغريبة، وشعر كأنه فهم شيئاً ما غامضاً يدور في كواليس عقله، إلا أنه اتخذ قراراً حاسماً بأن يرقب الأمر عن كثب ويجاري الأحداث، وذلك حتى لا يسيء الفهم أو يفسد فرصة النجاة. ما إن خطت أقدامهم عتبة المدينة، حتى أصاب الثلاثة ذهولٌ تام ألجم ألسنتهم؛ فالمكان كان خارجاً تماماً عن سياق الجزيرة المعهود وأسلوب بنائها القوطي الكئيب، وبدت هذه البقعة وكأنها قارة معزولة. التفت أدريان ناحية عزازيل، وقال ممازحاً بابتسامة مرحة: «جيد جداً.. يبدو أن عزازيل لا يمتلك ذرة سيطرة على هذا المكان، وإلا لكان قد قضى على هذا التصميم المبهج، أليس كذلك يا نادر؟». «معك حق تماماً»، قال نادر بصدق وهو يتلفت حوله بدهشة حقيقية لم يستطع تزييفها. لم تكن الطرقات وعرة أو موحلة، بل اعتلت الأرضية بلاطات حجرية مصقولة، سداسية الأضلاع رُصّت بعناية فائقة. ارتفعت من حولهم مبانٍ مشيدة بتصميم عصري جريء، تميز بـ واجهات زجاجية براقة وأعمدة مرنة، لكنها في ذات الوقت حافظت على قدسية الطبيعة المحيطة بها لم تُقطع شجرة واحدة لأجل تشييد جدار، بل تداخلت الغابة مع العمارة في تناغم بديع. انسابت في جوف المدينة أنهار صغيرة صافية، تعتليها جسور خشبية وحجرية مقوسة ذات طابع دافئ. بينما كانت أوراق أشجار الكرز تتناثر بكثافة على الضفاف، ملقية ببتلاتها الوردية فوق وجه المياه الفيروزية، التي انعكست فيها صور المارة. كان الناس يتحركون في كل مكان بحيوية مفرطة، دون أن يلتفت أحد منهم نحو الثلاثة، كما لو كان وجود الغرباء شيء معتاد عليه داخل هذه المدينة. كل شخص يركض خلف شأنه الخاص. الباعة يستعرضون بضائعهم الملونة من توابل نفاذة وأقمشة حريرية على الأرصفة، والأطفال يركضون خلف بعضهم البعض بضحكات بريئة وسعادة غامرة نقية. شعر عزازيل لأول مرة كأن الحزن لم يطأ هذا المكان قط، وتساءل بذهول واستهجان في أعماقه: "هل كنت مقصراً في عملي وسيطرتي إلى هذا الحد؟! كيف لم أجعل البؤس والخراب يحلان على هذه المدينة حقاً؟! هل كل هؤلاء الناس .. خارجون عن امري؟". التفتت إيڤيلين نحو أدريان، وعيناها تشعان ببريق دافئ، وهمست بنبرة رقيقة امتزجت بالرجاء والامال: «أدريان.. انظر! ألا يبدو المرفأ فكرة بعيدة الآن؟ ربما.. ربما ليس من الضروري أن نغادر عبر سفينة البريد نحو لندن. قد نجد الأمان هنا، ونستقر في هذا النعيم، بعيداً عن صراعات المقاطعة ولعنة عزازيل». نظر أدريان إلى وجهها الحالم، ولأول مرة شعر برغبة عارمة في أن يصدق هذا الوهم البديع، أن يلقي أسلحته وحذره ويستسلم لهذا الأمان المباغت الذي هبط عليهما. حتى عزازيل نفسه، تطلع إلى الصغار والبهجة العارمة المحيطة به، وحدثته روحه المنهكة للحظة أن يترك اللعبة قائمة هكذا وأن يعيش دور "نادر" الصالح في هذه المدينة الفاضلة إلى الأبد. "ماذا سيحدث بحق، فقط اترك كل شيء وراءك، كل تلك العهود الدموية، لم تشعرك يا عزازيل ايها المسكين بأي ذرة من السكينة، بينما كلما رأيت إيڤيلين.. شعرت كأن العالم يمتلك صفحة أخرى، ناصعة البياض! مشرقة وضاحكة، لم أكن أعرف أنه .. قد يوجد شيء مثل هذا حقاً!" بينما تمتم عزازيل ذلك في نفسه، كان أدريان يفكر بشكل متناقض تماماً. النعيم في أرض عزازيل لا يملك جذوراً حقيقية. فهم أدريان ذلك، ونظر إلى عزازيل بتمعن شديد، ثم تمتم بذهول مكتوم وصوت هامس: «أيعقل أنه هو أيضاً.. لا يعلم بوجود هذه المدينة؟!». استسلم الثلاثة أخيراً لتلك الأحاسيس الجميلة وتخلوا عن دفاعاتهم، راغبين من أعماقهم في اختبار طعم السلام الذي حُرموا منه طويلاً. بل إن رغبة عارمة تملكت عزازيل في البقاء هنا بشكل دائم؛ أخذ ينظر إلى إيڤيلين بحب بالغ وعميق، حتى تبلور في مخيلته طيف حلم دافئ غريب عليه: تخيل أنهما يملكان بيتاً جميلاً عند أطراف هذه المدينة المزهرة، ومعهما طفل صغير يركض ضاحكاً تحت أشجار الكرز. ولما لاحظت إيڤيلين نظراته الطويلة والمحملة بكل ذلك الدفء، التفتت ونظرت إليه مستغربة، ثم رسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة؛ مما جعل نادر يرتبك تماماً، واحمّرت أذناه خجلاً في لقطة خالية من وطأة كونه طاغية ماكر. التفت نادر نحو أدريان ليتخلص من حرج الموقف، وقال بنبرة عفوية مرحة: «دعونا نستكشف المكان». ابتسم أدريان ببرودة واضحة: «كل الطرق مزدحمة، سيكون من الحكمة لو أننا ننتظر حتى يقل عدد المارة». لوح له نادر مشيراً لإحدى الطرق التي تبدو أقل ازدحاماً: «ماذا لو كنا في المدينة التي لا تنام! عندها سننتظر دون جدوى، دعونا نسلك تلك الطريق»، ثم التفت إلى إيڤيلين بشكل مرح وسحبها من يدها دون أن يترك لها مجالاً للرد، مما جعل وجه أدريان يصبح مظلماً بشكل مخيف. سحبت إيڤيلين يدها وأخذت تلمس بعض الأقمشة المعروضة وهي تتجول بجانبهما. يستمعون لنداءات الباعة وهتافاتهم المرحة، يبدوا هذا الشارع أقرب لسوق شعبي. دلفوا إلى أحد الشوارع الجانبية الضيقة، والذي أخذ يتفرع بدوره إلى حارات لولبية ضيقة ومكتظة بالمارة. وما إن عبروا تلك الأزقة حتى تضاعفت اعداد المارة بشكل يكتم الأنفاس؛ كما تداخلت رائحة البخور والعطور النفاذة مع أكياس التوابل الشرقية، والملابس الزاهية المبهرجة كانت منثورة ومعلقة في كل زاوية لعرضها على المشترين. انبهرت إيڤيلين بثوب شرقي فضفاض مطرز بخيوط ذهبية تلمع تحت الضوء؛ ابتاعته في الحال بمساعدة نادر الذي بادره البائع بكرم، وارتدته فوق ملابسها المهترئة لتتحول في أعينهما إلى أميرة هاربة من الأساطير. أخذت إيڤيلين تتجول بحرية وعفوية بين الممرات الملونة، تلمس الأقمشة وتضحك للدنيا بنقاء. التف أدريان ونادر لثوانٍ معدودة يتبادلان جملة قصيرة حول مسار الشارع، وكيف سيتمكنون من العودة للشارح الرئيسي. لكن ما أن التفت الاثنان معاً نحو الممر.. قد وجدا ان إيڤيلين، وسط ذلك الزحام المتلاطم والصخب البشري، كانت قد اختفت تماماً وكأن الأرض قد انشقت وابتلعتها!نهضت السيدة إيلين بوقار متغطرس، عاد معه البرود يكسو ملامحها الأرستقراطية. مشت بخطى واثقة خارج القصر، لكنها توقفت بهدوء عند عتبة الباب، والتفتت بنصف جسدها نحو الخادمة، وقالت بصوت رقيق: «سأمكث في هذا القصر.. جهزي لي جناحاً خاصاً فوراً.» علت علامات الحيرة والذهول وجه الخادمة العجوز، لكن سنوات الخدمة الطويلة علمتها ألا تبدي أي رد فعل سوى الطاعة المطلقة؛ فانحنت برأسها ومضت لتنفيذ الأمر. في تلك الأثناء، لم تفارق عينا إيڤيلين قوام تلك المرأة الجميلة وهي تبتعد، وشعرت بغموض يلف وجودها الغريب. مرّ ذلك اليوم برتابة غريبة وخانقة؛ كانت الساعات بطيئة للغاية، ومع مرور الوقت يزداد القصر صمتاً. شعرت إيڤيلين في تلك العزلة بوحشة تجتاح صدرها؛ فقد اعتادت طوال الأوقات الماضية على مشاكسات نادر التي كانت تضفي حيوية على أيامها، وعلى حنان أدريان الدافئ الذي كان يحيطها كدرع حامٍ. أما الآن.. فقد وجدت نفسها فجأة وحيدة تماماً، بلا أصدقاء يؤنسون غربتها، وبلا حب يلازم دقات قلبها المكسور. ولكن، وعلى الرغم من سوداوية الموقف، تذكرت ذلك الشاب ماريو. لقد امتدت يدٌ أخرى غريبة لتنقذها وتنتشلها من حزنها،
دخلت إيڤيلين إلى ذلك القصر الغامض، وما إن خطت عتبته حتى تقدمت نحوها خادمة عجوز ذات ملامح وقورة، وانحنت برأسها في هدوء وطاعة تامة، ثم قادتها بصمت عبر السلالم الرخامية العريضة إلى الطابق الرئيسي. كان الممر طويلاً ومهيباً، تتوزع على جانبيه أبواب لغرف مغلقة بإحكام، وفي نهايته استقرت غرفة النوم الرئيسية وجناح منفصل للاستحمام. وقفت الخادمة عند الباب، وقالت بصوت خفيض وناعم: «سيدتي.. هناك كل ما تحتاجين إليه في الغرفة، إذا أردتِ المساعدة في أي وقت ناديني فقط، وسألبي كل طلباتكِ.» تردد صدى الكلمة في مسامعها بشكل مريب، وهمهمت إيڤيلين في صدرها متسائلة: "سيدتي! أنا؟". لكنها لم تُظهر للخادمة أي أثر لحيرتها، بل اكتفت بشكرها بابتسامة باهتة ودخلت إلى دفء الغرفة الرئيسية مغلقة الباب خلفها. كانت تودّ لو تجلس لتجمع شتات أفكارها المبعثرة، إلا أن رأسها كان ثقيلاً للغاية، تشعر فيه بوخز عنيف جراء البكاء الطويل تحت المطر البارد. أدركتْ أن جسدها المتعب يطلب منها الراحة، وأنه سيكون من الحكمة أن تنال قسطاً من النوم قبل أن تفكر في خطوتها التالية في هذا العالم المجهول. اتجهت إلى الحمام، وملأت حوض ال
كان عزازيل يركض في تلك الأزقة المظلمة كالمجنون، يمزق الضباب المبلل بخطواته المتسارعة، حتى كادت أنفاسه المتقطعة تتوقف في صدره من شدة القلق. وما إن دار في الممرات الضيقة وشعر بأن هذه المدينة الحجرية الغامضة قد ابتلعت إيڤيلين في جوفها المظلم دون أثر، حتى أكل الغضب الأعمى قلبه. تفجرت في عروقه طاقة وحشية، وبدأ يضرب بجنون كل ما يقابله في طريقه؛ ركل الجدران الحجرية العتيقة، وضرب البوابات الخشبية بقبضتيه العاريتين حتى سالت منهما الدماء، دون أن يفكر للحظة إن كان ذلك سيؤذيه أو يكسر عظامه. لقد تبدل كل شيء في صدره الآن؛ فيما مضى، كان يرغب في إيڤيلين ويبحث عنها لأنه يحبها بصدق، أما الآن.. فقد تملكته رغبة سوداء عارمة في الانتقام من أدريان! لقد آذاها وجرح براءتها، وجعلها تفرّ هاربة رغم المطر الظلام، وعزازيل لن يغفر له ذلك أبداً، وسيجعله يدفع الثمن غالياً بلا شك. على الجانب الآخر من الشارع الغارق في الضباب، كان أدريان يقف متسمراً تحت المطر الغزير، وعيناه الزرقاوان تتسعان بذهول وانكسار مرير. من مسافة ليست ببعيدة، رأى إيڤيلين وهي تصعد تلك العربة الفارهة بمساعدة ذلك الشاب الأسمر الغريب. لم
في ردهة ذلك البيت الحجري الصامت، أمام الباب المفتوح، يقف أدريان متيبساً كتمثالٍ من الجليد، عيناه غائبتان في الفراغ وقد شلّته الصدمة. تلك الصغيرة.. متى كبرت وأصبحت تمتلك هذا الغضب، لاطالما تشاجرا معاً، لكنها رغم ذلك كانت مطيعة ورقيقة للغاية. لم يتحرك جسد أدريان من شدة صدمته، كان كمن انتُزعت روحه من جسده بغتة. على بُعد خطوات منه، كانت تقف جوانا والذهول يغمر عينيها، مذهولة من قسوة عزازيل الذي دفعها بجفاء باحثاً عن فتاة أخرى تحت المطر. أظلم وجه جوانا، وفكرت سريعاً فيما ستفعل، ثم وبذكائها الملتوي، لم تدع الصدمة تسيطر عليها طويلاً. أخذت الأفكار الشيطانية تدور في عقلها كخيوط العنكبوت؛ وتهمس لنفسها: "هل سيكون انتقاماً كافياً ومثالياً من تلك اللصة إيڤيلين أن أختطف منها حبيبها أدريان، كما فعلت هي واختطفتْ مني عزازيل؟". بدت لها هذه الفكرة كخطة عبقرية تستحق التنفيذ بكل جدية. لكن.. هل يمكنها استمالة أدريان؟ فتاة جميلة مثلها ذات قوام أنثوي مغري لابد أنها قادرة على فعل ذلك بالتأكيد! تحركت جوانا بخطوات متمهلة ومترنحة، تفيض بالأنوثة الطاغية. مرت بجانبه، وساقاها العاريتان الفاتنتان
ارتجفت شفتا إيڤيلين وهي تتراجع خطوة إضافية إلى الخلف، ونظرت إليه بعينين يشتعل فيهما مزيجٌ صارخ من الألم والإهانة، وقالت بنبرة حادة غاضبة قطعت سكون الغرفة: «ماذا تظن نفسك فاعلاً؟!» ابتعد عنها أدريان ببطء، وعيناه غائمتان بضبابٍ كثيف من الحب والشوق الذين عجز عن كبحهما. تطلع إليها بضياع، يرغب أن يعيدها إلى حضنه مرة أخرى، وقبل أن ينطق بأي كلمة، كانت صفعة إيڤيلين القوية قد دوت في أرجاء الغرفة الحجرية. ساد صمتٌ رهيب. مال رأس أدريان جانباً من أثر الصفعة، وما إن رفعه ببطء ونظر إليها، حتى رآها قد انتفضت واقفة والغضب يعصف بكيانها. تقدمت بخطوات متسارعة نحو الباب، وفتحته على مصراعيه، ثم أشارت بإصبع مرتجف إلى الخارج قائلة بنبرة آمرة تخنقها العبرات: «اخرج.. لو سمحت!» لم يتحرك أدريان من مكانه فوراً. حدق في الباب المفتوح، ثم نقل نظراته إليها. بدلاً من الانكسار، تملكه ذلك البرود العقلاني المستفز مجدداً كدرعٍ يحمي كبرياءه الجريح. تقدم نحوها بخطى بطيئة وهادئة للغاية، حتى أن ذلك جعله يبدو كشخص من الطبقة العليا.. مما جعلها تنتفض غضباً. هل يشعر أن بمقدوره استغلال حاجتها لحمايته! هل يعتق
على الجانب العلوي من ذلك البيت الحجري، حيث الممرات أشد عتمة وبرودة، كان أدريان يقف كتمثالٍ من الرخام أمام باب إيڤيلين المغلق. ساعاتٌ طوال مرت وهو مرابطٌ في مكانه، لم يتحرك خطوة واحدة بعيداً عن عتبتها. رغم أنه سمع قبل قليل صوت ارتطامٍ مكتوم لبعض الأغراض في الداخل—صوتٌ يوحي بأن روحها الصغيرة تتخبط في حزنها—إلا أنه لم يتجرأ على مد يده لفتح الباب. كان هناك صراعٌ مرير يمزق صدره؛ من جهة، كان كبرياؤه الجريح يكبله، مانعاً إياه من التقدم خوفاً من أن يتلقى صفعة الرفض للمرة الثانية، وهو الذي لم يعتد الرفض قط. ومن جهة أخرى، كان يخشى غضبه العارم؛ خائفاً عليها من ثورة مشاعره، مرعوباً من أن يفرغ شحنة ضيقه في وجهها الرقيق فيؤذيها دون قصد. مر الوقت ثقيلاً كأنه جبلٌ جاثم فوق أنفاسه، وشعر بصدره يضيق حتى كاد يختنق. في الخارج، بدأت الرياح تعبث بأغصان الأشجار بعنفٍ أكبر، محدثةً ضجةً مخيفة واصطداماً مرعباً بالزجاج، ضجة زادت من وحشة الممر وجعلت أدريان يشعر بوحدةٍ قاتلة تنهش روحه. اتكأ بظهره المتعب على باب غرفتها الخشبي الثقيل، ورفع رأسه ببطء يحدق في السقف المظلم المليء بالظلال. في تلك اللحظ






