LOGINاستيقظ سليم في صباح يومه الأول الكامل في المدينة على صوت خفيف قادم من المطبخ. الغرفة ما زالت غريبة عليه، والسرير ألين من فراشه القديم في القرية. نهض ومشى إلى الحمام. اغتسل بماء ساخن للمرة الأولى منذ زمن طويل، ثم ارتدى قميصًا نظيفًا وسروالًا قماشيًا. نظر إلى نفسه في المرآة الصغيرة فوق المغسلة. وجهه أسمر من شمس الريف، وعيناه هادئتان، وكتفاه عريضان يملآن القميص. مرّر يده على صدره دون قصد، ثم خرج.
وجد عمته نادية في المطبخ تعدّ الشاي. كانت ترتدي جلبابًا منزليًا بسيطًا، وشعرها مربوط إلى الخلف. ابتسمت حين رأته. – صباح الخير. نمت كويس؟ – صباح الخير يا عمتي… نعم، الحمد لله. – اقعد. رنا راحت الشغل بدري النهارده. هتفضل معايا أنتَ لحد العصر. جلس على الطاولة. الشاي كان مختلفًا عن شاي أمه، أخف قليلًا. أكل البيض والجبن الذي وضعته أمامه وهو يستمع إليها تتحدث عن الحي، عن أقرب سوبرماركت، وعن محطة الأتوبيس التي توصله إلى الجامعة. كانت تتكلم بهدوء، ونظراتها تقع عليه من حين لآخر ثم تبتعد. بعد الإفطار ساعدها في ترتيب بعض الأطباق. وهو يقف بجانبها عند الحوض، لاحظت كيف يملأ المكان بجسده الطويل. حركتها أصبحت أبطأ قليلاً، ثم قالت فجأة: – أنتَ شبه أبوك أوي لما كان في سنك. كان طويل كده وبرضه. سليم ابتسم ابتسامة خجولة ولم يرد. أكمل غسل الصحن الأخير ثم اعتذر وخرج إلى الشرفة. الشارع تحتهم كان مزدحمًا بالفعل. السيارات تُصدر أصواتًا متصلة، والناس يمشون بسرعة. شعر للحظة بالحنين إلى صوت الديك وصوت الريح بين الأشجار، ثم دفع هذا الشعور جانبًا. في العاشرة خرج من الشقة متجهًا إلى الجامعة. سأله أحد الجيران في المصعد عن عنوانه، فأجاب باختصار. الرجل نظر إلى طول سليم وكتفيه ثم ابتسم وقال «ربنا يوفقك يا ابنه». نزل سليم ومشى في الشوارع وهو يحفظ الطريق. الجامعة كانت أكبر مما تخيل. المباني عالية، والطلاب يتحركون في كل اتجاه، والبنات يسرن في مجموعات يتحدثن ويضحكن. أحسّ بعدة نظرات تقع عليه وهو يعبر الساحة الرئيسية. لم يتوقف، لكنه شعر بها على ظهره وكتفيه. دخل مبنى شؤون الطلاب وأنجز أوراق التسجيل. الموظف نظر إليه مرتين قبل أن يسلمه البطاقة الجامعية. – تخصصك إيه؟ – إدارة أعمال. – ربنا معاك. خرج وهو يمسك البطاقة. جلس على مقعد تحت شجرة في الساحة، ينظر إلى الطلاب من حوله. كان مختلفًا عنهم في لون بشرته وفي بساطة ملابسه، لكنه لم يشعر بالنقص. جسده كان يعطيه ثقة صامتة. بعد ساعة قام وعاد إلى الشقة. وجد نادية جالسة في الصالة تشاهد التلفزيون. رفعت رأسها حين دخل. – خلصت؟ – أيوه يا عمتي. – كويس. تعال ساعدني أحط الستائر الجديدة في أوضة النوم. دخل معها إلى غرفة نومها. الغرفة مرتبة وأنيقة، والسرير كبير. ساعدها في رفع الستارة الثقيلة. وهو يمد ذراعيه إلى الأعلى، لاحظت نادية مرة أخرى عرض كتفيه وقوة ذراعيه. صمتت قليلاً ثم قالت: – أنتَ بتشيل بسهولة أوي. الريف عمل معاك شغل كويس. سليم ابتسم دون أن ينظر إليها مباشرة. – الشغل هناك يومي يا عمتي. بعد أن انتهيا، جلست هي على طرف السرير وهو يقف عند الباب. سألته عن أمه، عن الحقل، عن القرية. تحدث قليلاً، ثم اعتذر وخرج إلى غرفته. أغلق الباب وجلس على السرير. فكر في نظرة عمتها وهي تنظر إلى ذراعيه، وفي النظرات التي تلقاها في الجامعة. لم يكن معتادًا على هذا الاهتمام الصامت. في الرابعة عاد صوت المفتاح في الباب. دخلت رنا. خلعت حذاءها وعلقت حقيبتها، ثم مرت أمام غرفته وهي تقول «مساء الخير». رد عليها وردّت نادية من المطبخ. جلس الثلاثة بعد قليل حول مائدة العشاء. رنا كانت تبدو متعبة من يوم العمل، لكنها كانت تسرق نظرة إليه بين الحين والآخر وهو يأكل. لاحظت كيف يمسك الشوكة بيده الكبيرة، وكيف يملأ الكرسي بجسده. بعد العشاء عرض سليم أن يغسل الأطباق. رنا وقفت بجانبه تجففها. المسافة بينهما كانت قريبة. شعرت بحرارة جسده القريب منها، وبرائحة الصابون البسيطة التي تفوح منه. لم تتكلم كثيرًا، فقط كانت تمد يدها تأخذ الطبق وهو يغسل التالي. في لحظة تلامست أصابعهما على حافة صحن، فسحبت يدها بسرعة وابتسمت ابتسامة صغيرة محرجة. – شكلك هتتعود على المدينة بسرعة. قالت بصوت خافت. – إن شاء الله. بعد أن انتهيا، جلست رنا مع أمها في الصالة، وسليم اعتذر ودخل غرفته. سمع صوت همس خفيف بينهما، لكنه لم يميز الكلام. تمدد على السرير وفتح النافذة. الهواء كان أدفأ من هواء القرية، والضجيج لا يتوقف تمامًا حتى في الليل. فكر في زوج رنا الذي لم يره بعد. نادية قالت إنه مسافر ولن يعود قبل أيام. الغرفة المجاورة لغرفته كانت غرفة الزوجين، وهي الآن فارغة إلا من رنا. هذا الشعور بالفراغ في البيت جعله يفكر أكثر مما ينبغي. أغلق عينيه وحاول النوم، لكن صور النهار كانت تدور في رأسه: نظرة عمتها إلى ذراعيه، نظرة رنا السريعة على الطاولة، النظرات في ساحة الجامعة، والصوت الذي سمعه في اليوم الأول «طوله عالي أوي». قام بعد منتصف الليل وشرب كوب ماء من المطبخ. الشقة كانت هادئة تمامًا. مرّ أمام باب غرفة نادية ثم أمام باب رنا. كلا البابين مغلقان. عاد إلى غرفته وجلس على السرير مرة أخرى. مرّر يده على عضلات بطنه دون وعي، ثم أبعدها. جسده الذي بناه الريف كان يبدأ في لفت الانتباه هنا بطريقة مختلفة. لم يكن يعرف بعد إلى أين سيأخذه هذا الانتباه، لكنه شعر أن الأيام القادمة لن تكون هادئة كما كانت في القرية. في الصباح التالي استيقظ مبكرًا كعادته. خرج إلى الصالة فوجد نادية مستيقظة أيضًا. كانت تجلس وحدها تشرب الشاي وتنظر من الشرفة. حين رأته ابتسمت ابتسامة هادئة ودعته للجلوس بجانبها. جلس. المسافة بينهما قصيرة. سألته عن نومه، ثم بدأت تتحدث عن ذكريات قديمة مع أمه في القرية. صوتها كان دافئًا، ونظراتها كانت تستقر على وجهه ثم تنزل إلى كتفيه لحظة قبل أن تعود إلى الأفق خارج الشرفة. سليم استمع بصمت. أول أيامه في المدينة كانت تمضي، والجسد الرياضي الذي جاء به من الريف كان قد بدأ يترك أثره الهادئ في العيون من حوله، داخل الشقة وخارجها.**جسد الريفي** **الفصل الثاني والعشرون**في الصباح التالي كانت نادية قد تجهزت للسفر. وقفت عند الباب وحقيبتها الصغيرة بجانبها، ونظرت إلى سليم ورنا بعينين هادئتين تعرفان أكثر مما تقولان. – هرجع بعد يومين… البيت أمانة. قالت وهي تبتسم نصف ابتسامة. ثم التفتت إلى سليم خصيصًا وأضافت بصوت أخفض: – خليك موجود. خرجت وأغلقت الباب خلفها.الصمت ملأ الشقة فورًا. رنا كانت ما زالت بملابسها المنزلية، وشعرها محلول. نظرت إلى سليم لحظة طويلة ثم اقتربت منه. – يومين… همست وهي تضع يديها على صدره. – يومين كاملين. هو وضع يديه على خصرها وقرّبها. القبلة كانت هادئة في البداية، ثم تحولت تدريجيًا إلى شيء أعمق وأطول من قبلات الليالي السابقة.لم ينتقلا إلى غرفة النوم فورًا. جلسا على الأريكة أولًا، ورنا شبه جالسة فوقه، تقبّله وتلمس صدره تحت القميص. الأيدي تتجول ببطء، والملابس تنزلق قطعة بعد قطعة دون استعجال. القميص سقط على الأرض، ثم بلوزتها، ثم ما تبقى. الجلد على الجلد في ضوء الصباح كان مختلفًا عن ضوء الليل: أوضح، وأدفأ، وأكثر واقعية.رنا تحركت فوقه ببطء، عيناها مفتوحتين تنظران إلى عينيه. يداه على
**جسد الريفي** **الفصل الحادي والعشرون**الصباح التالي كان مختلفًا. استيقظ سليم ليجد السرير فارغًا من حوله. رنا ونادية قد نهضتا قبله وتركتاه ينام. ارتدى ملابسه وخرج فوجد الشقة هادئة. على الطاولة فنجان شاي مغطى ورسالة قصيرة بخط نادية: «خرجنا… الشاي سخن».شرب الشاي بسرعة وخرج إلى الجامعة. الجسد كان ما زال يحمل أثر الليلة الماضية: إرهاق خفيف في العضلات، وإحساس عميق بالرضا. في الساحة لمح سارة من بعيد. كانت واقفة مع مجموعة من صديقاتها، لكنها انفصلت عنهن حين رأته ومشت نحوه.– صباح الخير. قالت وهي تبتسم ابتسامة أوضح من الأيام السابقة. – صباح النور. – النهاردة فاضي بعد المحاضرات؟ سألت مباشرة. – ممكن. – طيب… استناني عند باب الكلية الرئيسية.في المحاضرات كان تركيزه مشتتًا. كلما أغلق عينيه للحظة، كانت صور الليلة الماضية تمر أمامه: وجه رنا، يدا نادية، الأنفاس المختلطة. في الوقت نفسه كانت سارة تجلس بجانبه في محاضرتين متتاليتين، وكتفها يلمس ذراعه أكثر من مرة، ويدها تقترب من يده فوق الدفتر.بعد انتهاء آخر محاضرة وجدها تنتظره عند الباب كما قالت. مشيا معًا في الشارع دون أن يحددا وجهة واض
**جسد الريفي** **الفصل العشرون**الليل سقط بهدوء على الشقة. سليم كان في غرفته، الباب موارب، والجسد يشعر بالحرارة التي بدأت تتجمع مرة أخرى. سمع صوت خطوات في الممر، ثم صوت باب رنا يُدفع برفق.دخلت رنا. كانت بقمصان نوم رقيق جديد، وشعرها محلول على كتفيها. أغلقت الباب خلفها هذه المرة، ومشت نحو السرير دون كلام. جلست على طرفه أولًا، ثم استدارت وتمددت بجانبه.– قلت لك الباب مفتوح. همست وهي تضع يدها على صدره فوق القميص. سليم رفع يده وغطى يدها بها. – وأنا سيبت بابي موارب. ابتسمت وقربت وجهها منه. القبلة بدأت بطيئة، ثم ازدادت عمقًا مع كل ثانية. يدها انزلقت تحت القميص وراحت تتحسس جلده مباشرة، بينما هو يرفع يده إلى شعرها ثم إلى ظهرها.بعد دقائق سمعا صوتًا خفيفًا. الباب دُفع مرة أخرى، ودخلت نادية. كانت بروبها المعتاد، لكنها لم تبدو متفاجئة. أغلقت الباب ومشت نحو السرير بهدوء. – كنت عارفة إنكم مش هتستنوا كتير. قالت بصوت منخفض وهي تجلس على الجانب الآخر.رنا لم تبتعد عن سليم. بقيت يدها تحت قميصه، بينما نادية مدّت يدها هي الأخرى ووضعتها على بطنه. الاثنتان بدأتا تتحركان معًا من جديد، كأن الل
**جسد الريفي** **الفصل التاسع عشر**في الصباح التالي استيقظ سليم متأخرًا قليلًا. الغرفة كانت هادئة، وباباه مواربان كالعادة منذ تلك الليلة. ارتدى ملابسه وخرج فوجد نادية في المطبخ تعدّ الشاي، ورنا قد خرجت إلى عملها.– صباح الخير. قالت نادية دون أن تلتفت، ثم أضافت وهي تضع الفنجان أمامه: – نمت كويس؟ – أيوه… الحمد لله. جلس وشرب الشاي. هي جلست مقابله هذه المرة، ونظراتها كانت هادئة لكنها تحمل بقايا ما حدث بينهما. بعد دقائق مدّت يدها ووضعتها على يده فوق الطاولة. – لو احتجت أي حاجة… أنا هنا. سحبت يدها ببطء وقامت لتكمل ترتيب المطبخ.خرج سليم إلى الجامعة والجسد ما زال يتذكر. في المحاضرة الأولى وجد سارة تنتظره في المقعد المجاور. ابتسمت حين جلس، واقتربت بكتفها منه أكثر من اللازم. – فكرت في الكلام اللي قلناه امبارح. همست أثناء المحاضرة. – وأنا كمان. ردّ هو بهدوء.بعد انتهاء المحاضرات اقترحت سارة أن يذهبا معًا إلى مقهى قريب بدلًا من المكتبة. وافق. جلسا في زاوية هادئة، والحديث بدأ عن الدراسة ثم انزلق تدريجيًا إلى أمور أكثر شخصية. سارة كانت تضحك على تعليقاته البسيطة، ويدها كانت ت
**جسد الريفي** **الفصل الثامن عشر**الجامعة كانت أكثر صخبًا من المعتاد ذلك الصباح. سليم دخل الساحة وهو ما زال يحمل في جسده أثر الليلة الماضية: إرهاق خفيف في العضلات، ورضا عميق يختلط بشيء من الدهشة. جلس في محاضرته الأولى، لكن تركيزه كان مشتتًا. كل حركة بسيطة كانت تذكّره بملمس يد أو شفة من الليلة السابقة.بعد المحاضرة وجد سارة تنتظره عند باب القاعة. كانت ترتدي بلوزة زرقاء فاتحة، وشعرها مربوط إلى الخلف بطريقة تبرز عنقها. ابتسمت حين رأته واقتربت. – شكل اليوم عليك مختلف. قالت وهي تنظر إلى عينيه بتمعن. – نمت كويس؟ – نمت… شوية. ردّ سليم مبتسمًا نصف ابتسامة.سارة مشت بجانبه في الممر. كانت تقترب منه أكثر من اللازم مع كل خطوة، وكتفها يلمس ذراعه بين الحين والآخر. عند الدرج توقفت فجأة والتفتت إليه. – في مكتبة عامة قريبة من هنا… لو حابب نراجع المحاضرة بعد الظهر. نظرتها كانت أوضح من الكلام. سليم نظر إليها لحظة ثم أومأ. – ممكن.في المحاضرة التالية ظهرت منى. جلست في الصف أمامه والتفتت أكثر من مرة. بعد انتهاء المحاضرة اقتربت منه وهي تحمل كتبها. – أنتَ اليوم هادي أكتر من اللازم. ق
**جسد الريفي** **الفصل السابع عشر**الضوء الرمادي تحول تدريجيًا إلى ذهبٍ باهت يتسرب من بين الستارة. سليم فتح عينيه أولًا. الرأس كان على وسادة، لكن الجسد كان محاطًا من الجانبين. رنا نائمة على يمينه، رأسها قريب من كتفه، ونادية على يساره، يدها ما زالت مستندة على بطنه.للحظة لم يتحرك. تذكر كل ما حدث في الليلة الماضية دفعة واحدة: الأبواب المواربة، الدخول المتتالي، الأيدي والشفاه، الموجات المتتالية من اللذة، والتعب الجميل الذي أعقبها. الجسد كان ثقيلًا ومسترخيًا بطريقة لم يعرفها من قبل.حرك أصابعه ببطء. نادية تململت أولًا وفتحت عينيها. نظرت إليه لحظة طويلة دون أن تقول شيئًا، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وهادئة. رفعت يدها من على بطنه ووضعتها على خده. – صباح الخير… همست بصوت مبحوح. – صباح الخير.رنا تحركت هي الأخرى بعد ثوانٍ. فتحت عينيها ببطء، ورأت الوجهين فوقها، فابتسمت ابتسامة أوسع وأخجل قليلًا. دفنت وجهها في كتف سليم لحظة قبل أن ترفع رأسها. – الوقت؟ سألت. – لسه بدري. ردّ سليم.الثلاثة بقوا على السرير دقائق إضافية دون أن يبتعدوا. اللمسات صارت أخف وأحنّ: يد تمسح شعرًا، أصابع تمر عل







