مشاركة

الفصل الثاني

last update تاريخ النشر: 2026-07-31 20:53:29

في الصباح التالي، قبل أن تشرق الشمس تمامًا، كانت أم سليم قد جلست أمام الهاتف مرة أخرى. وجهها كان مصممًا هذه المرة. اتصلت بنادية وانتظرت حتى ردت.

– نادية، أنا مش هسيبك تفكري كتير. ابني محتاج المكان، ومافيش حل تاني.

سكتت نادية ثوانٍ، ثم قالت بصوت منخفض:

– رنا موافقة على شرط واحد… إنه ما يطولش القعدة لو لقينا مشكلة. والبيت بيتنا، وهو لازم يحترم خصوصيتنا.

– هيحترم كل حاجة. ده ابني.

– خلاص… يجي. بس قوليه يجي بعد بكرة عشان نرتب له المكان.

أغلقت الأم الخط ونظرت إلى سليم الذي كان يقف عند الباب يسمع.

– وافقت. هتروح بعد بكرة.

سليم لم يظهر فرحة كبيرة. فقط أومأ برأسه وخرج إلى الحقل كالعادة. عمل طوال اليوم بصمت، كأن الأرض تريد أن تودعه. في المساء جمع أغراضه القليلة: ملابس نظيفة، حذاء أسود اشتراه من السوق الأسبوع الماضي، وبعض الكتب القديمة، وصورة صغيرة لأمه وضعها في جيبه الداخلي.

في اليوم المحدد استيقظ مبكرًا. أمه أعدّت له طعامًا للطريق، ووضعت يدها على كتفه طويلًا قبل أن يركب الحافلة المتجهة إلى المدينة.

– خليك مؤدب يا سليم… واتصل كل يوم.

– حاضر يا أمي.

الحافلة تحركت ببطء من القرية. نظر سليم من النافذة إلى الحقول وهي تبتعد، ثم إلى البيوت الطينية، ثم إلى الطريق الأسفلتي الطويل. جلس ساكتًا معظم الرحلة. جسده الطويل كان يبدو أكبر من المقعد الضيق، وكتفاه يكادان يلمسان النافذة. الركاب الآخرون كانوا ينظرون إليه من حين لآخر دون أن يقولوا شيئًا.

وصلت الحافلة إلى المدينة في وقت الظهيرة. الحرارة مختلفة هنا، والضجيج أعلى، والشوارع أوسع وأكثر ازدحامًا. نزل سليم حاملاً حقيبته الوحيدة، وسأل عن العنوان الذي أعطته له أمه. بعد نصف ساعة من المشي والاستفسار وصل إلى العمارة.

الشقة كانت في الطابق الثالث. ضغط على الجرس وانتظر. فتحت الباب امرأة في أوائل الخمسين، شعرها أسود مشوب بقليل من الشيب، ووجهها هادئ الملامح. كانت نادية، عمته.

– أنت سليم؟

– أيوه يا عمتي.

– ادخل.

دخلت خلفها. الشقة نظيفة ومرتبة، أكبر من بيت القرية بكثير. الصالة واسعة، وفيها أريكة كبيرة وتلفزيون وشرفة تطل على الشارع. من المطبخ خرجت فتاة في أواخر العشرينيات، طولها متوسط، شعرها البني مربوط إلى الخلف، ووجهها صبوح. كانت رنا.

– أهلاً… أنا رنا.

– أهلاً.

نظرت إليه نظرة سريعة ثم ابتعدت نحو المطبخ. نادية قادته إلى غرفة صغيرة في آخر الممر.

– دي غرفتك. السرير نظيف، والدولاب فاضي ليك. الحمام مشترك، والمطبخ كمان.

– شكرًا يا عمتي.

وضع حقيبته جانب السرير وجلس. الغرفة بسيطة: سرير مفرد، دولاب خشبي، ونافذة تطل على جدار العمارة المقابلة. سمع صوت خطوات في الممر، ثم صوت رنا تقول لأمها بصوت خافت:

– طوله عالي أوي… وشكله من الريف فعلًا.

نادية ردّت بهدوء:

– خليه يرتاح. جوزك مسافر لحد آخر الأسبوع، فخلي البيت هادي.

سليم سمع الكلام ولم يعلّق. بقي جالسًا على طرف السرير ينظر إلى الحقيبة التي حملها من القرية. بعد قليل طرق الباب. كانت نادية تحمل صينية فيها شاي وطعام بسيط.

– كل حاجة. وإن احتجت أي حاجة قول.

شكرها وبدأ يأكل. الطعام مختلف عن طعام أمه، لكنه كان جيدًا. بعد الأكل غسل الصحون في المطبخ. رنا كانت واقفة تغسل بعض الخضروات. نظرت إليه من طرف عينها وهو يقف بجانبها، ثم ابتعدت قليلًا.

– لو عايز حاجة من السوبرماركت قول.

– شكرًا… أنا كويس.

عاد إلى غرفته. فتح النافذة وجلس ينظر إلى الشارع. المدينة كانت صاخبة، والسيارات لا تتوقف، والناس يمشون بسرعة. فكر في أمه، في الحقل، في الهدوء الذي تركه خلفه. ثم فكر في العمّة التي وافقت بعد تردد، وفي ابنة العم التي بدت متحفظة، وفي الزوج المسافر الذي لم يره بعد.

في المساء جلس الثلاثة في الصالة. نادية سألته عن دراسته، ورنا كانت تتصفح هاتفها معظم الوقت. سليم أجاب باختصار. بعد العشاء اعتذر ودخل غرفته مبكرًا. تمدد على السرير ورفع يديه خلف رأسه. سقف الغرفة أبيض نظيف، مختلف تمامًا عن سقف بيته الطيني.

نام تلك الليلة متأخرًا. في عقله كانت تدور صور كثيرة: الحافلة، الشارع، وجه عمته، نظرة رنا السريعة، والصوت الخافت الذي قال «طوله عالي أوي». لم يكن يعرف بعد أن هذه الغرفة الصغيرة ستكون بداية كل شيء، وأن جسده الذي بناه الريف سيبدأ قريبًا في لفت انتباه أكثر مما يتوقع.

في الصباح التالي استيقظ على صوت حركة في المطبخ. قام وغسل وجهه، ثم خرج. وجد نادية تعد الإفطار، ورنا تلبس حذاءها استعدادًا للخروج.

– أنا رايحة الشغل. لو احتجت أي حاجة اسأل ماما.

قالت رنا وهي تمر من أمامه دون أن تنظر مباشرة إلى عينيه.

سليم ردّ بهدوء:

– حاضر… يومك سعيد.

أغلقت الباب خلفها. بقي هو وعمته وحدهما في الشقة. نادية ابتسمت ابتسامة خفيفة ووضعت الطعام على الطاولة.

– تعال كل. وبعدين نرتب حاجتك كويس.

جلس سليم على الكرسي. أول يوم كامل في المدينة كان قد بدأ، والجسد الرياضي الذي جاء به من الريف كان ما زال هادئًا… ينتظر.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • جسد الريفي   الفصل الثاني والعشرون

    **جسد الريفي** **الفصل الثاني والعشرون**في الصباح التالي كانت نادية قد تجهزت للسفر. وقفت عند الباب وحقيبتها الصغيرة بجانبها، ونظرت إلى سليم ورنا بعينين هادئتين تعرفان أكثر مما تقولان. – هرجع بعد يومين… البيت أمانة. قالت وهي تبتسم نصف ابتسامة. ثم التفتت إلى سليم خصيصًا وأضافت بصوت أخفض: – خليك موجود. خرجت وأغلقت الباب خلفها.الصمت ملأ الشقة فورًا. رنا كانت ما زالت بملابسها المنزلية، وشعرها محلول. نظرت إلى سليم لحظة طويلة ثم اقتربت منه. – يومين… همست وهي تضع يديها على صدره. – يومين كاملين. هو وضع يديه على خصرها وقرّبها. القبلة كانت هادئة في البداية، ثم تحولت تدريجيًا إلى شيء أعمق وأطول من قبلات الليالي السابقة.لم ينتقلا إلى غرفة النوم فورًا. جلسا على الأريكة أولًا، ورنا شبه جالسة فوقه، تقبّله وتلمس صدره تحت القميص. الأيدي تتجول ببطء، والملابس تنزلق قطعة بعد قطعة دون استعجال. القميص سقط على الأرض، ثم بلوزتها، ثم ما تبقى. الجلد على الجلد في ضوء الصباح كان مختلفًا عن ضوء الليل: أوضح، وأدفأ، وأكثر واقعية.رنا تحركت فوقه ببطء، عيناها مفتوحتين تنظران إلى عينيه. يداه على

  • جسد الريفي   الفصل الحادي والعشرون

    **جسد الريفي** **الفصل الحادي والعشرون**الصباح التالي كان مختلفًا. استيقظ سليم ليجد السرير فارغًا من حوله. رنا ونادية قد نهضتا قبله وتركتاه ينام. ارتدى ملابسه وخرج فوجد الشقة هادئة. على الطاولة فنجان شاي مغطى ورسالة قصيرة بخط نادية: «خرجنا… الشاي سخن».شرب الشاي بسرعة وخرج إلى الجامعة. الجسد كان ما زال يحمل أثر الليلة الماضية: إرهاق خفيف في العضلات، وإحساس عميق بالرضا. في الساحة لمح سارة من بعيد. كانت واقفة مع مجموعة من صديقاتها، لكنها انفصلت عنهن حين رأته ومشت نحوه.– صباح الخير. قالت وهي تبتسم ابتسامة أوضح من الأيام السابقة. – صباح النور. – النهاردة فاضي بعد المحاضرات؟ سألت مباشرة. – ممكن. – طيب… استناني عند باب الكلية الرئيسية.في المحاضرات كان تركيزه مشتتًا. كلما أغلق عينيه للحظة، كانت صور الليلة الماضية تمر أمامه: وجه رنا، يدا نادية، الأنفاس المختلطة. في الوقت نفسه كانت سارة تجلس بجانبه في محاضرتين متتاليتين، وكتفها يلمس ذراعه أكثر من مرة، ويدها تقترب من يده فوق الدفتر.بعد انتهاء آخر محاضرة وجدها تنتظره عند الباب كما قالت. مشيا معًا في الشارع دون أن يحددا وجهة واض

  • جسد الريفي   الفصل العشرون

    **جسد الريفي** **الفصل العشرون**الليل سقط بهدوء على الشقة. سليم كان في غرفته، الباب موارب، والجسد يشعر بالحرارة التي بدأت تتجمع مرة أخرى. سمع صوت خطوات في الممر، ثم صوت باب رنا يُدفع برفق.دخلت رنا. كانت بقمصان نوم رقيق جديد، وشعرها محلول على كتفيها. أغلقت الباب خلفها هذه المرة، ومشت نحو السرير دون كلام. جلست على طرفه أولًا، ثم استدارت وتمددت بجانبه.– قلت لك الباب مفتوح. همست وهي تضع يدها على صدره فوق القميص. سليم رفع يده وغطى يدها بها. – وأنا سيبت بابي موارب. ابتسمت وقربت وجهها منه. القبلة بدأت بطيئة، ثم ازدادت عمقًا مع كل ثانية. يدها انزلقت تحت القميص وراحت تتحسس جلده مباشرة، بينما هو يرفع يده إلى شعرها ثم إلى ظهرها.بعد دقائق سمعا صوتًا خفيفًا. الباب دُفع مرة أخرى، ودخلت نادية. كانت بروبها المعتاد، لكنها لم تبدو متفاجئة. أغلقت الباب ومشت نحو السرير بهدوء. – كنت عارفة إنكم مش هتستنوا كتير. قالت بصوت منخفض وهي تجلس على الجانب الآخر.رنا لم تبتعد عن سليم. بقيت يدها تحت قميصه، بينما نادية مدّت يدها هي الأخرى ووضعتها على بطنه. الاثنتان بدأتا تتحركان معًا من جديد، كأن الل

  • جسد الريفي   الفصل التاسع عشر

    **جسد الريفي** **الفصل التاسع عشر**في الصباح التالي استيقظ سليم متأخرًا قليلًا. الغرفة كانت هادئة، وباباه مواربان كالعادة منذ تلك الليلة. ارتدى ملابسه وخرج فوجد نادية في المطبخ تعدّ الشاي، ورنا قد خرجت إلى عملها.– صباح الخير. قالت نادية دون أن تلتفت، ثم أضافت وهي تضع الفنجان أمامه: – نمت كويس؟ – أيوه… الحمد لله. جلس وشرب الشاي. هي جلست مقابله هذه المرة، ونظراتها كانت هادئة لكنها تحمل بقايا ما حدث بينهما. بعد دقائق مدّت يدها ووضعتها على يده فوق الطاولة. – لو احتجت أي حاجة… أنا هنا. سحبت يدها ببطء وقامت لتكمل ترتيب المطبخ.خرج سليم إلى الجامعة والجسد ما زال يتذكر. في المحاضرة الأولى وجد سارة تنتظره في المقعد المجاور. ابتسمت حين جلس، واقتربت بكتفها منه أكثر من اللازم. – فكرت في الكلام اللي قلناه امبارح. همست أثناء المحاضرة. – وأنا كمان. ردّ هو بهدوء.بعد انتهاء المحاضرات اقترحت سارة أن يذهبا معًا إلى مقهى قريب بدلًا من المكتبة. وافق. جلسا في زاوية هادئة، والحديث بدأ عن الدراسة ثم انزلق تدريجيًا إلى أمور أكثر شخصية. سارة كانت تضحك على تعليقاته البسيطة، ويدها كانت ت

  • جسد الريفي   الفصل الثامن عشر

    **جسد الريفي** **الفصل الثامن عشر**الجامعة كانت أكثر صخبًا من المعتاد ذلك الصباح. سليم دخل الساحة وهو ما زال يحمل في جسده أثر الليلة الماضية: إرهاق خفيف في العضلات، ورضا عميق يختلط بشيء من الدهشة. جلس في محاضرته الأولى، لكن تركيزه كان مشتتًا. كل حركة بسيطة كانت تذكّره بملمس يد أو شفة من الليلة السابقة.بعد المحاضرة وجد سارة تنتظره عند باب القاعة. كانت ترتدي بلوزة زرقاء فاتحة، وشعرها مربوط إلى الخلف بطريقة تبرز عنقها. ابتسمت حين رأته واقتربت. – شكل اليوم عليك مختلف. قالت وهي تنظر إلى عينيه بتمعن. – نمت كويس؟ – نمت… شوية. ردّ سليم مبتسمًا نصف ابتسامة.سارة مشت بجانبه في الممر. كانت تقترب منه أكثر من اللازم مع كل خطوة، وكتفها يلمس ذراعه بين الحين والآخر. عند الدرج توقفت فجأة والتفتت إليه. – في مكتبة عامة قريبة من هنا… لو حابب نراجع المحاضرة بعد الظهر. نظرتها كانت أوضح من الكلام. سليم نظر إليها لحظة ثم أومأ. – ممكن.في المحاضرة التالية ظهرت منى. جلست في الصف أمامه والتفتت أكثر من مرة. بعد انتهاء المحاضرة اقتربت منه وهي تحمل كتبها. – أنتَ اليوم هادي أكتر من اللازم. ق

  • جسد الريفي   الفصل السابع عشر

    **جسد الريفي** **الفصل السابع عشر**الضوء الرمادي تحول تدريجيًا إلى ذهبٍ باهت يتسرب من بين الستارة. سليم فتح عينيه أولًا. الرأس كان على وسادة، لكن الجسد كان محاطًا من الجانبين. رنا نائمة على يمينه، رأسها قريب من كتفه، ونادية على يساره، يدها ما زالت مستندة على بطنه.للحظة لم يتحرك. تذكر كل ما حدث في الليلة الماضية دفعة واحدة: الأبواب المواربة، الدخول المتتالي، الأيدي والشفاه، الموجات المتتالية من اللذة، والتعب الجميل الذي أعقبها. الجسد كان ثقيلًا ومسترخيًا بطريقة لم يعرفها من قبل.حرك أصابعه ببطء. نادية تململت أولًا وفتحت عينيها. نظرت إليه لحظة طويلة دون أن تقول شيئًا، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وهادئة. رفعت يدها من على بطنه ووضعتها على خده. – صباح الخير… همست بصوت مبحوح. – صباح الخير.رنا تحركت هي الأخرى بعد ثوانٍ. فتحت عينيها ببطء، ورأت الوجهين فوقها، فابتسمت ابتسامة أوسع وأخجل قليلًا. دفنت وجهها في كتف سليم لحظة قبل أن ترفع رأسها. – الوقت؟ سألت. – لسه بدري. ردّ سليم.الثلاثة بقوا على السرير دقائق إضافية دون أن يبتعدوا. اللمسات صارت أخف وأحنّ: يد تمسح شعرًا، أصابع تمر عل

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status