Share

100

last update publish date: 2026-09-08 14:04:50

{ مائدةٌ تجمع القلوب}

بعد أن انتهت سولي من ترتيب آخر طبق على المائدة، وقفت للحظة تتأمل المقاعد.

كانت الجدة تجلس في طرف المائدة، وسولي في الجهة المقابلة.

أما لوكا وكارلي...

فكان هناك مقعدان متجاوران.

نظرت سولي إليهما، ثم ابتسمت لنفسها.

كانت تعرف أن الجو بينهما لن يكون سهلًا.

خصوصًا بعد أن عرف لوكا الحقيقة، وعرف أن والدته لم تتركه بإرادتها.

لكنها أرادت أن تمنحهما فرصة.

أشارت إلى لوكا.

— اجلس هنا.

ثم أشارت إلى المقعد بجانبه.

— وأنتِ يا كارلي، اجلسي هنا.

توقفت كارلي للحظة.

أما لوكا فنظر إلى المقعد ثم إلى سولي.

فهم فورًا ما تفعله.

لكنه لم يعترض.

جلس بهدوء.

وجلست كارلي إلى جانبه.

ساد الصمت للحظات.

بدأت الجدة الحديث عن الطعام حتى لا يبقى الصمت مسيطرًا.

— يبدو شهيًا جدًا.

ابتسمت سولي.

— حاولنا.

نظر لوكا إليها.

— هي التي طبخت معظم الأشياء.

قالت سولي بسرعة:

— وأنت ساعدت.

رفعت الجدة حاجبها.

— لوكا يساعد في الطبخ؟

ضحكت سولي.

— نعم، ولا يزال أمامه طريق طويل.

نظر إليها لوكا بنظرة جانبية.

— أنتِ كثيرة الكلام اليوم.

ضحكت.

أما كارلي فكانت تراقبهما بصمت.

رأت كيف تغيرت نبرة ابنها عندما يتحدث إلى سولي.

لم تعد تلك النبرة الباردة التي اعتادت عليها.

كان هناك شيء أكثر هدوءًا.

شيء يشبه الراحة.

خفضت كارلي عينيها.

ربما كان هذا ما كانت تتمنى أن تراه فيه منذ سنوات.

---

بدأ الجميع بتناول الطعام.

كانت سولي تراقب كارلي من حين لآخر.

لاحظت أنها لا تزال مترددة، وكأنها لا تعرف كيف تتصرف مع ابنها.

فأرادت أن تساعدها دون أن تحرجها.

أشارت بعينيها إلى طبق السلطة.

ثم إلى لوكا.

فهمت كارلي الإشارة.

أخذت الملعقة، ووضعت قليلًا من السلطة في طبق لوكا.

توقفت يد لوكا للحظة.

نظر إلى الطبق.

ثم إلى والدته.

بقي صامتًا.

أما كارلي، فخفضت عينيها وقالت بهدوء:

— كنت تحب السلطة كثيرًا عندما كنت صغيرًا.

تجمد لوكا قليلًا.

كلمة واحدة أعادت إليه ذكرى قديمة.

يد صغيرة.

ومائدة قديمة.

وصوت امرأة كانت تضع له الطعام في طبقه قبل أن يبدأ بالأكل.

ذكرى ظن أنه نسيها.

لكنه لم ينساها.

كان فقط قد دفنها في مكان عميق جدًا داخله.

رفع الشوكة ببطء، وأخذ لقمة صغيرة.

شعر بشيء غريب في صدره.

لم يكن حزنًا تمامًا.

ولم يكن فرحًا.

كان اشتياقًا لشعور لم يدرك أنه ما زال يفتقده.

اهتمام أم.

تفصيل صغير.

طبق يُجهز له دون أن يطلب.

شيء بسيط جدًا...

لكنه كان جزءًا من طفولته.

نظر لوكا إلى والدته مرة أخرى.

كانت كارلي صامتة.

فقال بصوت منخفض:

— ما زلتِ تتذكرين؟

رفعت عينيها إليه.

— أتذكر كل شيء.

لم يجب.

لكن هذه المرة، لم يبعد نظره عنها.

ابتسمت سولي بهدوء وهي تراقبهما.

لم تقل شيئًا.

فهي لم تكن تريد أن تفسد اللحظة.

كان يكفيها أن ترى شيئًا صغيرًا يتغير بينهما.

شيئًا ربما لم يكن لوكا مستعدًا للاعتراف به بعد...

لكنه كان موجودًا.

والأهم من ذلك كله...

أن كارلي كانت تجلس بجانب ابنها من جديد.

----

كان الغداء يسير بهدوء.

بعد التوتر الذي ملأ بداية المائدة، بدأ الجميع يتحدثون بأمور بسيطة، وأصبح الجو أخف قليلًا.

كانت سولي تأكل بهدوء، ثم تذكرت شيئًا.

— لحظة، نسيت أن أحضر طبقًا من المطبخ.

نهضت من مكانها.

— سأعود فورًا.

اتجهت إلى المطبخ، بينما بقي لوكا وكارلي والجدة حول المائدة.

عاد الصمت للحظات.

أخذ لوكا لقمة أخرى، لكنه فجأة توقف.

تغيرت ملامحه، ووضع يده أمام فمه.

لاحظت كارلي ذلك فورًا.

— لوكا؟

لم يستطع الإجابة.

وقفت كارلي بسرعة، واقتربت منه وهي تربت على ظهره.

— خذ نفسًا... بهدوء.

بدأت الجدة تقلق أيضًا.

وفي تلك اللحظة، خرجت سولي من المطبخ.

عندما رأت ما يحدث، اتسعت عيناها.

— لوكا!

وضعت الطبق جانبًا بسرعة، وأمسكت كأس الماء.

اقتربت منه وقدمت له الكأس.

— اشرب بهدوء.

أخذ لوكا الكأس منها، وشرب قليلًا حتى هدأ.

بقيت سولي واقفة بجانبه، وعيناها تراقبان وجهه بقلق.

— هل أنت بخير؟

أومأ.

— نعم.

لكن كارلي لم تبتعد.

كانت يدها لا تزال على كتفه.

— هل تستطيع التنفس بشكل طبيعي؟

أومأ مرة أخرى.

— أنا بخير.

تنفست كارلي براحة.

أما سولي فوضعت يدها على صدرها.

— أخفتني.

نظر لوكا إليهما.

إلى سولي التي تركت كل شيء في المطبخ وركضت نحوه.

وإلى والدته التي لم تتردد لحظة واحدة في الاقتراب منه والخوف عليه.

شعر بشيء دافئ وغريب في صدره.

لم يكن معتادًا على أن يخاف عليه أحد بهذه الطريقة.

لم يكن معتادًا على أن يجد شخصين ينظران إليه وكأن مجرد تعرضه للأذى أمر لا يحتمل.

خفض عينيه قليلًا.

ثم قال بصوت هادئ:

— أنا بخير فعلًا.

ابتسمت سولي.

— جيد.

وعادت إلى مقعدها، لكنها بقيت تراقبه بين الحين والآخر.

أما كارلي، فعادت إلى مكانها بصمت.

نظر لوكا إلى طبقه، ثم رفع عينيه للحظة نحو والدته.

لم يقل شيئًا.

لكن شيئًا داخله أدرك أنه اشتاق لهذا الشعور منذ زمن طويل.

شعور أن يكون هناك من يخاف عليه...

ليس لأنه وريث عائلة فيتالي.

ولا لأنه ابن الرجل الأقوى.

بل لأنه لوكا فقط.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين أحببتكِ متأخرًا    .

    🥹❤️‍🩹 يا أصدقائي، بدي آخد رأيكم بشغلة مهمة! بعد الأحداث الأخيرة، وخصوصًا بعد ما اكتشفنا إن الحياة السعيدة اللي عاشها لوكا مع سولي وأيان كانت مجرد حلم، صرت أفكر بمسار الرواية ونهايتها. بصراحة، كنت مخططة من البداية إن قصتهم تكون سعيدة، وإن أيان يعيش قصة حب خاصة فيه مع ثيا، لكنني قررت أغيّر المسار وأجعل الأحداث أكثر حزنًا وتأثيرًا. والآن بدي أعرف رأيكم أنتم! 🥺 أي مسار بتحبوا نكمل فيه الرواية؟ 💔 الخيار الأول: نكمل بالنهاية الحزينة، ونعيش مع لوكا تبعات خسارته لسولي وأيان، ونكتشف كيف رح يكمل حياته بعد كل هالسنين. ❤️‍🩹 الخيار الثاني: نغيّر مسار الرواية، ونرجع لفكرة المستقبل السعيد اللي كنت مخططة إله، ونمنح الشخصيات فرصة تعيش الحب والحياة اللي حلمت فيها. 💌 شاركوني رأيكم بالتعليقات، واحكولي ليش اخترتوا هالمسار. رأيكم مهم بالنسبة إلي، وبحب أعرف كيف أثّرت فيكم الأحداث الأخيرة! [اتمنى سماع ارائكم كي أشعر أنه هناك حقاً من يقرأ روايتي وليس كأني اكتبها دون أن يقرئها أحد ،أردت فقط أخبركم أنها من الرويات القريبة إلي قلبي لذالك أحببت أن انقشها معكم، وشكراً لكل من سايعطين رئيه.]❤️‍?

  • حين أحببتكِ متأخرًا    199

    [عشر سنوات من دونكما] فتح لوكا عينيه ببطء. ظلّ مستلقيًا في مكانه، يحدق في السقف بصمت، بينما كان ضوء الصباح يتسلل من بين الستائر ويرسم خطوطًا باهتة فوق الجدران. احتاج إلى بضع ثوانٍ حتى يستوعب أين هو. ثم أدار رأسه نحو الجانب الآخر من السرير. كان فارغًا. لم تكن هناك سولي. لا شعرها الأسود المنسدل فوق الوسادة، ولا ملامحها الهادئة التي اعتاد أن يتأملها في أحلامه، ولا ابتسامتها الصغيرة التي كانت تظهر كلما ناداها باسمها. مدّ يده نحو المكان الذي تخيلها نائمة فيه. لم تلامس أصابعه سوى الملاءة الباردة. توقفت يده في الهواء للحظة، ثم أنزلها ببطء. عاد الصمت. ذلك الصمت الذي عرفه جيدًا، حتى صار جزءًا من حياته. أغمض عينيه مجددًا، محاولًا الاحتفاظ ببقايا الحلم قبل أن تتلاشى تمامًا. قبل لحظات، كانت سولي بين ذراعيه. كان الخاتم يلمع في إصبعها، وكانت تضحك وهي تتهمه بأنه رجل مزعج لا يعرف كيف يتوقف عن مفاجأتها. كانت قد وافقت على الزواج منه مرة أخرى. كانا قد تحدثا عن منزلهما الجديد، وعن مخبزها، وعن الغرفة التي أراد تخصيصها لأيان، وعن الصباحات العادية التي تمنّيا أن يعيشاها معًا. وكان أيان هنا

  • حين أحببتكِ متأخرًا    198

    [ ليلةٌ تشبه الوعد] استمر لوكا وسولي في السير بين أحواض التوليب لبعض الوقت. كانت أصابعهما متشابكة، والخاتم الجديد يلمع في إصبع سولي كلما مرّا تحت أحد الفوانيس الصغيرة. وبين حين وآخر، كانت ترفع يدها أمام عينيها لتتأمله من جديد، وكأنها لا تزال تحاول استيعاب أن الرجل الذي راكع أمامها منذ دقائق هو نفسه لوكا فيتالي الذي ارتبطت به يومًا بقرار لم يكن لها فيه رأي. لاحظ لوكا حركتها للمرة الثالثة، فابتسم. — أعتقد أنكِ نظرتِ إلى الخاتم مرات أكثر مما نظرتِ إليّ منذ وافقتِ. رفعت سولي رأسها بسرعة. — هذا غير صحيح! — حقًا؟ — نعم. خفض عينيه إلى يدها. — إذًا، هل تسمحين لي بأن أصدقكِ؟ أخفت سولي يدها خلف ظهرها، وقد احمر وجهها. — أنت مزعج! ضحك لوكا، ثم اقترب منها قليلًا. — ومع ذلك، وافقتِ على الزواج مني مرة أخرى. — لا تجعلني أغيّر رأيي. رفع يديه مستسلمًا، لكن ابتسامته لم تختفِ. — لن أفعل. لقد احتجت إلى شجاعة كبيرة كي أطلب منكِ ذلك، ولا أنوي المخاطرة بكل شيء بسبب مزحة. توقفت سولي عن الابتسام للحظة، ونظرت إليه بتمعّن. كان يمزح معها، نعم، لكنها لاحظت أن صوته يحمل صدقًا عميقًا حين يتحدث عن

  • حين أحببتكِ متأخرًا    197

    [ هذه المرة... لأن قلبي اختاركِ] كانت الشمس تميل نحو الغروب عندما دخلت سيارات عائلة فيتالي إلى ساحة القصر. بعد يوم طويل في المحكمة، بدا الجميع وكأنهم يحملون فوق أكتافهم تعب شهر كامل، لا مجرد ساعات قليلة. ورغم أن الحكم قد صدر، وأن مورفون لم يعد حرًّا كما كان، فإن ما مرّت به العائلة لم يكن أمرًا يمكن نسيانه ببساطة. لكن وسط ذلك التعب، كان هناك شعور جديد يتسلل إلى القلوب. شعور بأنهم يستطيعون أخيرًا أخذ نفس عميق دون انتظار تهديد آخر. ما إن توقفت سيارة لوكا حتى فُتح الباب الرئيسي للقصر، وظهرت جدة سولي عند المدخل. كانت تقف قرب الدرج، ترتدي ثوبًا أنيقًا وشالًا خفيفًا على كتفيها، وملامحها تحمل قلقًا لم تستطع إخفاءه منذ الصباح. وعندما رأت سولي تنزل من السيارة ممسكة بيد أيان، تغير وجهها فورًا. — سولي! تقدمت بسرعة نحوهم. تركت سولي يد لوكا للحظة، وأسرعت إلى جدتها، ثم ارتمت بين ذراعيها. — جدتي... احتضنتها المرأة بقوة، وراحت تربت على ظهرها. — الحمد لله أنكِ عدتِ يا ابنتي. أغمضت سولي عينيها، واستندت إلى كتفها للحظات. لم تكن بحاجة إلى أن تسألها جدتها عما حدث داخل المحكمة؛ فق

  • حين أحببتكِ متأخرًا    196

    [ الحكم الأخير: العدالة من أجل أيان] بعد مرور شهر مرّ شهر كامل منذ اليوم الذي أُخرج فيه مورفون من قصر فيتالي تحت حراسة السلطات. شهرٌ لم يكن عاديًا بالنسبة إلى أيٍّ منهم. ففي الخارج، تحولت القضية إلى واحدة من أكبر القضايا التي شهدتها إيطاليا في السنوات الأخيرة. انتشرت الأخبار في الصحف والقنوات التلفزيونية، وتناقلت وسائل الإعلام تفاصيل اختطاف طفل من داخل قصر عائلة فيتالي، والتقارير الطبية المزورة، والمستشفى الخاص الذي استُخدم لإخفاء مخطط غير قانوني، إضافةً إلى التحقيقات التي كشفت عن صلات محتملة بين مورفون وشبكات إجرامية. ولم تتوقف المفاجآت عند ذلك. فمع استمرار التحقيق، ظهرت وثائق قديمة وشهادات جديدة أعادت فتح ملف وفاة إيدريان ميرافيل وزوجته. بدأت الأدلة تشير إلى أن رفض إيدريان استخدام شركته في عمليات غير قانونية كان أحد الأسباب التي دفعت مورفون إلى الانتقام منه، وأن القضية التي ظن الجميع أنها أُغلقت منذ سنوات لم تكن سوى سرٍّ دُفن تحت النفوذ والخوف. لكن هذه المرة، لم يكن مورفون قادرًا على إغلاق الملف كما فعل سابقًا. كان خلف القضبان، ينتظر المحاكمة. وكانت الأدلة تُعرض تباعًا أمام

  • حين أحببتكِ متأخرًا    195

    [من أجل أيان... سأسقط إمبراطورية كاملة] كان الليل قد انتصف تقريبًا، ومع ذلك لم يكن أحد في القصر مستعدًا للنوم. بعد عودة أيان، تحولت الغرفة إلى مكان يعجّ بالحركة الهادئة. كان الطبيب يطمئن إلى حالته بين حين وآخر، وأحضرت الخادمة له ملابس نظيفة وبطانية ناعمة، بينما بقيت سولي إلى جانبه، لا ترفع عينيها عنه إلا لتتأكد من أن صدره الصغير ما زال يرتفع وينخفض بانتظام. أما لوكا، فكان يقف قرب النافذة صامتًا. لم يستطع أن ينسى المشهد الذي رآه في المستشفى. ابنه الصغير، الذي كان يركض في الصباح حاملًا رسوماته ويطلب منه أن يلعب معه، مستلقيًا بلا حراك على سرير بارد، بينما كان غرباء يستعدون لارتكاب أمر لا يُغتفر بحقه. كلما تذكر ذلك، اشتدّ فكّه وانقبضت يداه. لكنه لم يسمح لغضبه بأن يطغى على اللحظة الوحيدة التي كان ينتظرها منذ ساعات طويلة. أن يستيقظ أيان، وينظر إليه بعينيه الصغيرتين، ويناديه مرة أخرى: أبي. --- تحرك أيان تحت البطانية، ثم فتح عينيه ببطء. كانت عيناه لا تزالان مثقلتين، وملامحه الصغيرة تحمل آثار التعب. كان أول ما رآه وجه أمه. كانت سولي جالسة قربه، تمسك يده بين كفّيها، وما إن لاحظت أ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status