LOGIN{ مائدةٌ تجمع القلوب}
بعد أن انتهت سولي من ترتيب آخر طبق على المائدة، وقفت للحظة تتأمل المقاعد. كانت الجدة تجلس في طرف المائدة، وسولي في الجهة المقابلة. أما لوكا وكارلي... فكان هناك مقعدان متجاوران. نظرت سولي إليهما، ثم ابتسمت لنفسها. كانت تعرف أن الجو بينهما لن يكون سهلًا. خصوصًا بعد أن عرف لوكا الحقيقة، وعرف أن والدته لم تتركه بإرادتها. لكنها أرادت أن تمنحهما فرصة. أشارت إلى لوكا. — اجلس هنا. ثم أشارت إلى المقعد بجانبه. — وأنتِ يا كارلي، اجلسي هنا. توقفت كارلي للحظة. أما لوكا فنظر إلى المقعد ثم إلى سولي. فهم فورًا ما تفعله. لكنه لم يعترض. جلس بهدوء. وجلست كارلي إلى جانبه. ساد الصمت للحظات. بدأت الجدة الحديث عن الطعام حتى لا يبقى الصمت مسيطرًا. — يبدو شهيًا جدًا. ابتسمت سولي. — حاولنا. نظر لوكا إليها. — هي التي طبخت معظم الأشياء. قالت سولي بسرعة: — وأنت ساعدت. رفعت الجدة حاجبها. — لوكا يساعد في الطبخ؟ ضحكت سولي. — نعم، ولا يزال أمامه طريق طويل. نظر إليها لوكا بنظرة جانبية. — أنتِ كثيرة الكلام اليوم. ضحكت. أما كارلي فكانت تراقبهما بصمت. رأت كيف تغيرت نبرة ابنها عندما يتحدث إلى سولي. لم تعد تلك النبرة الباردة التي اعتادت عليها. كان هناك شيء أكثر هدوءًا. شيء يشبه الراحة. خفضت كارلي عينيها. ربما كان هذا ما كانت تتمنى أن تراه فيه منذ سنوات. --- بدأ الجميع بتناول الطعام. كانت سولي تراقب كارلي من حين لآخر. لاحظت أنها لا تزال مترددة، وكأنها لا تعرف كيف تتصرف مع ابنها. فأرادت أن تساعدها دون أن تحرجها. أشارت بعينيها إلى طبق السلطة. ثم إلى لوكا. فهمت كارلي الإشارة. أخذت الملعقة، ووضعت قليلًا من السلطة في طبق لوكا. توقفت يد لوكا للحظة. نظر إلى الطبق. ثم إلى والدته. بقي صامتًا. أما كارلي، فخفضت عينيها وقالت بهدوء: — كنت تحب السلطة كثيرًا عندما كنت صغيرًا. تجمد لوكا قليلًا. كلمة واحدة أعادت إليه ذكرى قديمة. يد صغيرة. ومائدة قديمة. وصوت امرأة كانت تضع له الطعام في طبقه قبل أن يبدأ بالأكل. ذكرى ظن أنه نسيها. لكنه لم ينساها. كان فقط قد دفنها في مكان عميق جدًا داخله. رفع الشوكة ببطء، وأخذ لقمة صغيرة. شعر بشيء غريب في صدره. لم يكن حزنًا تمامًا. ولم يكن فرحًا. كان اشتياقًا لشعور لم يدرك أنه ما زال يفتقده. اهتمام أم. تفصيل صغير. طبق يُجهز له دون أن يطلب. شيء بسيط جدًا... لكنه كان جزءًا من طفولته. نظر لوكا إلى والدته مرة أخرى. كانت كارلي صامتة. فقال بصوت منخفض: — ما زلتِ تتذكرين؟ رفعت عينيها إليه. — أتذكر كل شيء. لم يجب. لكن هذه المرة، لم يبعد نظره عنها. ابتسمت سولي بهدوء وهي تراقبهما. لم تقل شيئًا. فهي لم تكن تريد أن تفسد اللحظة. كان يكفيها أن ترى شيئًا صغيرًا يتغير بينهما. شيئًا ربما لم يكن لوكا مستعدًا للاعتراف به بعد... لكنه كان موجودًا. والأهم من ذلك كله... أن كارلي كانت تجلس بجانب ابنها من جديد. ---- كان الغداء يسير بهدوء. بعد التوتر الذي ملأ بداية المائدة، بدأ الجميع يتحدثون بأمور بسيطة، وأصبح الجو أخف قليلًا. كانت سولي تأكل بهدوء، ثم تذكرت شيئًا. — لحظة، نسيت أن أحضر طبقًا من المطبخ. نهضت من مكانها. — سأعود فورًا. اتجهت إلى المطبخ، بينما بقي لوكا وكارلي والجدة حول المائدة. عاد الصمت للحظات. أخذ لوكا لقمة أخرى، لكنه فجأة توقف. تغيرت ملامحه، ووضع يده أمام فمه. لاحظت كارلي ذلك فورًا. — لوكا؟ لم يستطع الإجابة. وقفت كارلي بسرعة، واقتربت منه وهي تربت على ظهره. — خذ نفسًا... بهدوء. بدأت الجدة تقلق أيضًا. وفي تلك اللحظة، خرجت سولي من المطبخ. عندما رأت ما يحدث، اتسعت عيناها. — لوكا! وضعت الطبق جانبًا بسرعة، وأمسكت كأس الماء. اقتربت منه وقدمت له الكأس. — اشرب بهدوء. أخذ لوكا الكأس منها، وشرب قليلًا حتى هدأ. بقيت سولي واقفة بجانبه، وعيناها تراقبان وجهه بقلق. — هل أنت بخير؟ أومأ. — نعم. لكن كارلي لم تبتعد. كانت يدها لا تزال على كتفه. — هل تستطيع التنفس بشكل طبيعي؟ أومأ مرة أخرى. — أنا بخير. تنفست كارلي براحة. أما سولي فوضعت يدها على صدرها. — أخفتني. نظر لوكا إليهما. إلى سولي التي تركت كل شيء في المطبخ وركضت نحوه. وإلى والدته التي لم تتردد لحظة واحدة في الاقتراب منه والخوف عليه. شعر بشيء دافئ وغريب في صدره. لم يكن معتادًا على أن يخاف عليه أحد بهذه الطريقة. لم يكن معتادًا على أن يجد شخصين ينظران إليه وكأن مجرد تعرضه للأذى أمر لا يحتمل. خفض عينيه قليلًا. ثم قال بصوت هادئ: — أنا بخير فعلًا. ابتسمت سولي. — جيد. وعادت إلى مقعدها، لكنها بقيت تراقبه بين الحين والآخر. أما كارلي، فعادت إلى مكانها بصمت. نظر لوكا إلى طبقه، ثم رفع عينيه للحظة نحو والدته. لم يقل شيئًا. لكن شيئًا داخله أدرك أنه اشتاق لهذا الشعور منذ زمن طويل. شعور أن يكون هناك من يخاف عليه... ليس لأنه وريث عائلة فيتالي. ولا لأنه ابن الرجل الأقوى. بل لأنه لوكا فقط.[حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها
[ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب
[ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت
[ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر
[حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه
[بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا