LOGIN{غداء يجمع ما تفرّق}
بعد أن اتفقوا على موعد الغداء، أخرجت سولي هاتفها واتصلت بكارلي. ترددت قبل أن تضغط زر الاتصال، ثم أخذت نفسًا عميقًا. — مرحبًا، كارلي. جاءها صوت كارلي من الطرف الآخر: — سولي؟ ابتسمت سولي. — أريد دعوتكِ إلى الغداء. ساد صمت قصير. — غداء؟ — نعم. في منزل جدتي. ثم أرسلت لها العنوان. — أريدكِ أن تأتي. كان في صوت كارلي تردد واضح، لكنها أجابت: — حسنًا... سأأتي. أغلقت سولي المكالمة، ثم التفتت إلى لوكا. — وافقت. أومأ. — جيد. ثم وقفت بحماس. — سأبدأ بتحضير الغداء. نهض لوكا معها. — سأساعدكِ. نظرت إليه باستغراب. — أنت؟ — لماذا تبدين مصدومة؟ ضحكت. — لأنك آخر شخص توقعت أن يعرض المساعدة في المطبخ. — لا تقلقي، لن أحرق المنزل. ضحكت سولي. — هذا ما يخيفني تحديدًا. رفع لوكا حاجبه. — إذًا لنذهب ونشتري كل شيء. --- بعد قليل، وصلا إلى السوبرماركت. كانت سولي تدفع العربة بينما كان لوكا يسير بجانبها. بدأت تضع الخضار والفواكه وبعض المكونات في العربة، بينما كان لوكا يراقبها. — ماذا عن هذه؟ رفعت سولي علبة أمامه. — لا. — لماذا؟ — لا نحتاجها. أعادتها إلى الرف. ثم التقط شيئًا آخر. — وهذا؟ نظرت إليه. — لوكا... أنت تشتري أي شيء تراه. — أنا أساعد. — أنت تملأ العربة. ضحك بخفة. استمرت جولتهما بين الممرات، وبين كل رف وآخر كانت سولي تشرح له ما تحتاجه. وعندما وصلوا إلى قسم الحلويات، توقفت فجأة. نظر إليها لوكا. — ماذا؟ — لا شيء. — تريدين شيئًا؟ — لا. مد يده ووضع علبة صغيرة في العربة. نظرت إليه. — قلت لا أريد. — أعرف. — إذًا لماذا اشتريتها؟ — لأنك نظرتِ إليها مرتين. فتحت فمها بدهشة، ثم ضحكت. — أنت تلاحظ أشياء كثيرة. — فقط عندما يتعلق الأمر بكِ. سكتت سولي للحظة، ثم دفعت العربة بسرعة وهي تخفي ابتسامتها. --- عادا إلى منزل الجدة محملين بالأكياس. وضعت سولي المكونات على الطاولة، وبدأت بتنظيمها. أما لوكا فخلع سترته وبدأ يساعدها. قالت سولي: — اغسل الخضار أولًا. — حاضر. — وبعدها قطّعها. — حاضر. نظرت إليه. — هل أنت مطيع هكذا دائمًا؟ — فقط عندما تعطيني زوجتي أوامر واضحة. ضحكت سولي. وبعد دقائق، امتلأ المطبخ برائحة الطعام. كانت سولي تقطع المكونات، بينما وقف لوكا إلى جانبها يحاول تنفيذ تعليماتها بدقة. وفي إحدى المرات، أخذ السكين بطريقة جعلتها تضحك. — ماذا؟ — لا شيء... فقط طريقة إمساكك للسكين مخيفة. نظر إليها ببرود. — أنا أعرف كيف أمسك السكين. — أعرف، وهذا بالضبط سبب خوفي. ضحك لوكا بخفة. ثم عاد إلى عمله. وبعد فترة قصيرة، سُمع طرق على الباب. توقفت سولي. — أظن أنها وصلت. ذهب لوكا لفتح الباب. كانت كارلي تقف في الخارج، ترتدي ملابس بسيطة، وملامحها تحمل شيئًا من التوتر. عندما رأت لوكا، توقفت للحظة. — لوكا... لم يجب فورًا. ثم قال بهدوء: — أمي. خفضت كارلي عينيها قليلًا. — هل... سولي هنا؟ — نعم. وقبل أن يتابع، ظهرت سولي خلفه بابتسامة دافئة. — كارلي، أهلًا بكِ. رفعت كارلي عينيها إليها. ثم ابتسمت بتردد. — شكرًا لأنكِ دعوتني. أفسح لوكا لها الطريق. دخلت كارلي إلى المنزل، وفي اللحظة نفسها خرجت رائحة الطعام من المطبخ. ابتسمت سولي. — وصلتي في الوقت المناسب. ثم نظرت إلى لوكا. — بقيت أشياء بسيطة فقط. قالت كارلي: — هل كنتما تطبخان معًا؟ أجابت سولي: — نعم. نظرت كارلي إلى ابنها. ولأول مرة منذ وقت طويل، رأت لوكا واقفًا في مطبخ صغير، يساعد زوجته في إعداد الغداء. مشهد بسيط جدًا... لكنه جعل عينيها تلمعان. ربما كان هذا أحد الأشياء التي خسرتها عندما ابتعدت عنه. أيام عادية. ومطبخ صغير. وعائلة تجتمع حول مائدة واحدة. أما لوكا، فلاحظ نظرتها، لكنه لم يقل شيئًا. فقط عاد إلى المطبخ. وسولي ابتسمت بهدوء. كانت تأمل أن يكون هذا الغداء بداية شيء جديد بينهم جميعًا.[حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها
[ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب
[ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت
[ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر
[حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه
[بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا