LOGIN{ حين أصبح الخطر أقرب}
خرج لوكا من مبنى الشركة بعد انتهاء الاجتماع. كان الليل قد حلّ بالكامل، والهواء باردًا قليلًا، بينما كان عدد من رجاله ينتظرونه أمام السيارة. فتح مارك الباب الخلفي، فركب لوكا بهدوء، ثم جلس مارك في المقعد الأمامي. تحركت السيارة عبر الشوارع الهادئة. ظل لوكا صامتًا، ينظر من النافذة، وملامحه غارقة في التفكير. بعد دقائق، قطع مارك الصمت. — زعيم... هل يمكنني أن أسألك عن شيء ما؟ رفع لوكا عينيه عن النافذة. — اسأل. تردد مارك قليلًا. — أنت تغيرت. نظر إليه لوكا عبر المرآة. — تغيرت؟ — نعم. ابتسم مارك ابتسامة صغيرة. — قبل فترة، لم تكن تسمح لأحد بالاقتراب منك، ولم تكن تهتم بما يحدث حولك إلا إذا كان متعلقًا بالعمل. سكت لحظة. — أما الآن... رفع لوكا حاجبه. — ماذا الآن؟ — أصبحت تسأل عن أشخاص آخرين. تقلق على سولي. وحتى عندما تكون غاضبًا، تفكر في تأثير غضبك عليها. لم يجب لوكا مباشرة. عاد ينظر من النافذة. وبعد لحظات قال: — ربما لأنني وجدت شخصًا يستحق أن أقلق عليه. ابتسم مارك دون أن يعلّق. لكن لوكا بقي صامتًا. كان يعرف في داخله أن مارك محق. سولي غيرت أشياء كثيرة فيه. --- عند القصر بعد وقت قصير، وصلت السيارة إلى القصر. نزل لوكا، وما إن رفع عينيه حتى رأى الزينة منتشرة في كل مكان. الأضواء الصغيرة تزين الممرات، والزهور تملأ القاعة، والخدم يتحركون في كل اتجاه استعدادًا لحفل الزفاف. ابتسم لوكا بخفة. لكن قبل أن يتقدم، اقترب منه ماركو. — لوكا، أريد أن أتحدث معك. نظر إليه لوكا. — ماذا حدث؟ أخذه ماركو إلى جانب القاعة، ثم أخبره بما حدث. تغير وجه لوكا فورًا. — ثعبان؟ — كان داخل صندوق الورود. ساد الصمت. — هل تأذت سولي؟ — لا. تنفس لوكا ببطء. لكن ماركو أكمل: — وهناك شيء آخر. نظر إليه لوكا. — ماذا؟ — الصندوق لم يكن موجودًا بالصدفة. اشتدت ملامح لوكا. — أعرف. قال ماركو: — نحتاج أن نعرف من فعل ذلك. — وسنعرف. ثم نظر لوكا حوله. — أين سولي؟ — كانت قرب المسبح منذ قليل. لم ينتظر لوكا أكثر. استدار وغادر. --- كانت سولي عند المسبح، ترتب بعض الأشياء فوق طاولة صغيرة. كان المكان هادئًا، والهواء الليلي يحرك أطراف شعرها الأسود بخفة. توقف لوكا على مسافة منها. بقي يراقبها للحظات. كانت تبدو هادئة. وبالنسبة له، كان مجرد رؤيتها بخير كافيًا ليشعر براحة لم يكن يعرفها من قبل. ابتسم دون أن يشعر. ثم نادت سولي نفسها بصوت خافت: — أين وضعت هذا؟ استدارت لتأخذ شيئًا من الطرف الآخر للطاولة. لكن قدمها انزلقت فجأة. — آه! اختل توازنها. وفي لحظة واحدة، سقطت في المسبح. — سولي! اندفع لوكا نحوها. كانت سولي تحاول أن تبقى قريبة من حافة المسبح، لكنها لم تكن تعرف السباحة، فبدأت تطلب المساعدة وهي تحاول التمسك بالحافة. وصل لوكا إليها بسرعة ومد يده. — سولي! أمسكي يدي! مدت يدها إليه. أمسكها وساعدها على الخروج، ثم أبقاها قريبة منه حتى تأكد أنها بخير. كانت تسعل قليلًا من المفاجأة والخوف، وملابسها مبتلة. — لوكا... — أنا هنا. نظر إليها بقلق. — هل أنتِ بخير؟ أومأت. — نعم... فقط خفت. ساعدها على الجلوس بعيدًا عن حافة المسبح. لكن عندما وقف، لمح شيئًا على الأرض. تجمد. انحنى قليلًا ونظر إلى المكان الذي سقطت فيه سولي. كانت هناك طبقة لامعة على الأرض. مرر عينيه عليها، ثم لمس طرف حذائه الأرض بحذر. زيت. رفع رأسه ببطء. نظر إلى المسبح. ثم إلى المكان الذي كانت سولي تقف فيه. عاد إلى الزيت مرة أخرى. لم يكن موجودًا في بقية المكان. كان موضوعًا تحديدًا عند المكان الذي وقفت فيه سولي. اشتدت ملامحه. لم يكن سقوطًا عاديًا. قال ماركو الذي وصل إلى المكان: — ماذا هناك؟ أشار لوكا إلى الأرض. — انظر. تغير وجه ماركو. — هذا... — نعم. وقف لوكا، وعيناه أصبحتا أكثر برودة. — أولًا صندوق الثعبان. ثم نظر إلى سولي. — والآن هذا. اقتربت سولي منه وهي لا تزال ترتجف قليلًا. أمسك لوكا يدها. هذه المرة لم يكن في عينيه خوف فقط. كان هناك غضب واضح. قال بصوت منخفض: — شخص ما يحاول الوصول إليها. نظر ماركو حوله. — لكن من؟ رفع لوكا عينيه نحو القصر. — هذا ما سنعرفه. ثم شد على يد سولي قليلًا. — لكن من الآن... لن تبتعدي عني. نظرت إليه سولي بصمت. ولأول مرة، فهمت أن ما يحدث لم يعد مجرد مصادفات غريبة. هناك شخص داخل هذا القصر... يريد الوصول إليها.[حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها
[ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب
[ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت
[ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر
[حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه
[بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا