LOGIN{ لن تأخذيني منها}
بقي لوكا واقفًا في منتصف الغرفة للحظات، غير قادر على استيعاب ما حدث. كان رأسه لا يزال ثقيلًا، وصور الليلة الماضية تتداخل في ذهنه دون ترتيب. ثم رفع عينيه نحو لورا. كانت تقف بهدوء قرب الباب، وكأنها تنتظر أن ترى النتيجة التي خططت لها. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم قال بصوت منخفض: — أنتِ. لم تجب. اقترب منها بخطوات سريعة، وأمسكها من رقبتها ليوقفها أمامه، وكان الغضب بادن عليه. — ماذا فعلتِ؟ حاولت أن تحافظ على هدوئها. — لا أعرف عمّا تتحدث. نظر إليها بغضب. — لا تكذبي عليّ. سكتت. — أنا لا أتذكر كل شيء، لكنني أعرف أنني لم آتِ إلى هنا بإرادتي. ابتسمت لورا ابتسامة صغيرة. — وماذا ستفعل؟ اقترب لوكا خطوة. — إذا كنتِ أنتِ من فعل هذا حتى تبعديني عن سولي... توقف للحظة، ثم اشتدت قبضته حول عنقها ثم قال بحدة: — فقد أخطأتِ الشخص الذي تحاولين اللعب معه. ابتلعت لورا ريقها،واختفت ابتسامتها عندما شعرت بالاختناق. — لوكا... — لن أسمح لكِ أن تستخدمي سولي في أي لعبة. تركها، ثم التقط قميصه من الأرض وارتداه بسرعة. وقبل أن يغادر، التفت إليها للمرة الأخيرة. — إذا اقتربتِ منها مرة أخرى بنية إيذائها، فسأعرف. ثم خرج من الغرفة. --- كان يبحث عنها في الممرات بسرعة. — أين ذهبت؟ سأل إحدى الخادمات. — السيدة سولي اتجهت نحو غرفتها. لم ينتظر أكثر. أسرع خلفها. وعندما وصل إلى الممر المؤدي إلى الغرفة، لمحها أمامه. كانت تسير ببطء. ناداها: — سولي! توقفت. لكنها لم تستدر فورًا. ثم مسحت دموعها بسرعة، وكأنها لا تريد أن يراها تبكي. اقترب لوكا منها. — انتظري. استدارت نحوه. وما إن رأته حتى وقعت عيناها على قميصه. ثم ارتفعتا نحو عنقه. كانت هناك آثار واضحة من أحمر الشفاه. تجمدت. أشاحت بوجهها بسرعة. — ماذا تريد؟ توقف لوكا أمامها. — أريد أن أشرح لكِ. — لا داعي. — بل هناك داعٍ. هزت رأسها. — رأيت كل شيء. — أنتِ لم تري كل شيء. رفعت عينيها إليه، والدموع متجمعة فيهما. — إذًا أخبرني ماذا رأيت أنا؟ لم يجب فورًا. اقترب خطوة، لكنه توقف عندما لاحظ أنها لا تزال متألمة. قال بهدوء: — لا أعرف كيف وصلت إلى تلك الغرفة. — لكنك كنت هناك. — نعم. — وفي غرفة لورا. — نعم. ارتجف صوتها. — وقميصك كان هناك... وهي كانت ترتديه. خفض لوكا عينيه للحظة. — أعرف كيف يبدو الأمر. ابتسمت سولي ابتسامة حزينة. — لا، لوكا... أنت لا تعرف. ثم أشارت بعينيها إلى عنقه. — حتى هذا... سكتت. كانت تحاول بشدة ألا تبكي أمامه. — سولي... — لا تقل شيئًا. أراد الاقتراب منها، لكنه توقف. — أنا لم أختركِ. نظرت إليه. — ماذا؟ — لو كان هناك شخص واحد في هذا العالم أريد أن أكون معه... فهو أنتِ. لم تجبه. كانت الدموع قد بدأت تنزل أخيرًا. — لكنني رأيت الصورة يا لوكا. — الصورة كذبة. — وكيف أعرف؟ صمت. كان هذا هو السؤال الذي لم يجد له جوابًا سريعًا. مد يده نحوها، ثم تراجع عندما رأى ترددها. — سأثبت لكِ الحقيقة. نظرت إليه بحزن. — أنا فقط... لا أريد أن أكون غبية. — أنتِ لستِ غبية. هزت رأسها. — إذًا لماذا أشعر وكأن قلبي انكسر؟ لم يجد لوكا ما يقوله. وبقي الاثنان واقفين في الممر، وبينهما مسافة صغيرة... لكنها بدت في تلك اللحظة أكبر من كل المسافات التي مرّا بها من قبل. وفي نهاية الممر، كانت لورا تراقبهما من بعيد. ولم تكن ابتسامتها موجودة هذه المرة. لأنها أدركت شيئًا واحدًا: لوكا لم يبتعد عن سولي كما أرادت. بل أصبح أكثر إصرارًا على معرفة الحقيقة.[حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها
[ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب
[ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت
[ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر
[حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه
[بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا