LOGIN{ الباب الذي أُغلق بينهما}
بقي لوكا جالسًا على طرف السرير، وعيناه معلقتان على المكان الفارغ أمامه. كانت الغرفة هادئة بشكل مزعج. كل شيء فيها يذكره بسولي. مشطها فوق الطاولة. كتاب تركته قرب النافذة. والوسادة التي كانت تجلس عليها كل مساء. مد يده إلى إحدى الوسائد، ثم سحبها ببطء. أخذ نفسًا عميقًا. — أين ذهبتِ؟ ظل السؤال بلا جواب. ثم فجأة... تذكر شيئًا. بيت جدتها. لطالما كانت سولي تذهب إليها عندما تريد الابتعاد قليلًا عن ضجيج القصر. رفع لوكا رأسه بسرعة. — جدتها... نهض من مكانه. أخذ مفاتيحه وخرج من الغرفة دون أن يخبر أحدًا. --- في بيت الجدة كانت سولي جالسة قرب النافذة. لم تبدل ملابسها منذ عودتها. كانت تحدق في الخارج، لكن عينيها لم تكونا تريان شيئًا. كانت تحاول أن تقنع نفسها أنها اتخذت القرار الصحيح. أن ابتعادها عن لوكا أفضل له. أن ما حدث في الفندق كان سببًا كافيًا لتعود خطوة إلى الخلف. لكن كلما حاولت التفكير بهذه الطريقة... كانت صورة لوكا تظهر أمامها. صوته. نظراته. وطريقته عندما كان يحاول أن يشرح لها. وضعت يدها فوق صدرها وأخذت نفسًا بطيئًا. اقتربت جدتها منها وجلست بجانبها. — سولي؟ رفعت سولي رأسها. — نعم؟ تأملتها الجدة قليلًا. — هل أنتِ بخير؟ ابتسمت سولي. ابتسامة صغيرة لم تستطع إخفاء تعبها. — أنا بخير، جدتي. لم تصدقها الجدة تمامًا. — متأكدة؟ أومأت. — نعم. ثم وضعت رأسها على كتف جدتها. — فقط... أريد أن أبقى هنا قليلًا. مررت الجدة يدها على شعرها بحنان. — يمكنكِ البقاء قدر ما تريدين. أغمضت سولي عينيها. — شكرًا. لكنها لم تقل لها الحقيقة. لم تقل إن قلبها كان يؤلمها. ولم تقل إنها كانت تخاف من أنها إذا بقيت قرب لوكا أكثر... فلن تستطيع الرحيل عندما يحين الوقت. --- بعد فترة قصيرة... سمعتا طرقًا على الباب. رفعت سولي رأسها. طرقة ثانية. ثم جاء صوت تعرفه جيدًا: — سولي. تجمدت. لوكا. نظرت إلى جدتها. — لا... قالتها بصوت خافت. ثم نهضت. توجهت نحو الباب، بينما بقيت الجدة تنظر إليها باستغراب. وقفت سولي خلف الباب. لم تفتحه. — سولي، افتحي الباب. أغمضت عينيها. كان صوته قريبًا جدًا. — أريد أن أتحدث معكِ. وضعت يدها على فمها حتى لا يسمع ارتجاف أنفاسها. — أذهب يا لوكا. ساد الصمت من الجهة الأخرى. ثم قال: — لن أعود قبل أن أعرف لماذا غادرتِ. نزلت دمعة على خدها. — لا يوجد شيء لتعرفه. — إذًا افتحي الباب وقوليها لي في وجهي. لم تستطع. قالت بصوت مكسور: — لو سمحت... اذهب. وضع لوكا يده على الباب. — سولي، أنا لم أفعل شيئًا مما تعتقدين. أغمضت عينيها بقوة. كانت تريد أن تصدقه. بل كانت تعرف في داخلها أنها تريد تصديقه. لكن الصورة التي رأتها لم تستطع إخراجها من رأسها. قالت: — لا أستطيع سماع المزيد. — لماذا؟ لم تجب. — سولي... بدأت دموعها تنزل بصمت. ثم قالت: — فقط دعني وحدي. طال الصمت. ثم سمعت صوته أخفض من قبل: — هل هذا ما تريدينه فعلًا؟ وضعت جبينها على الباب. لم تستطع الإجابة. لأن الحقيقة كانت... لا. لم تكن تريد أن يذهب. كانت تريد أن يفتح الباب ويدخل ويخبرها أن كل شيء كان مجرد كذبة. كانت تريد أن تصدقه. لكنها كانت خائفة. خائفة من أن يكون قلبها قد تعلق به أكثر مما يجب. وخائفة من المستقبل الذي تعرفه وحدها. وفي النهاية... فتحت الباب قليلًا. ظهر لوكا أمامها. كانت عيناه مليئتين بالقلق. نظر إلى وجهها، ثم إلى دموعها. — سولي... لكنها لم تسمح له بالدخول. هزت رأسها. — لا. مد يده نحوها. — أرجوكِ. نظرت إلى يده للحظة. ثم تراجعت. — أنا آسفة. وأغلقت الباب. بقي لوكا واقفًا في مكانه. سمع صوت بكائها من خلف الباب. خفض يده ببطء. لم يكن غاضبًا. كان فقط عاجزًا. قال بصوت خافت: — سأبقى هنا حتى تتحدثي معي. لكن لم يأتِه أي جواب. وفي الداخل، كانت سولي تسند ظهرها إلى الباب، وتبكي بصمت. كانت تعرف أن لوكا يقف في الجهة الأخرى. وهذا وحده كان يجعل الابتعاد عنه... أصعب بكثير مما تخيلت.[حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها
[ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب
[ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت
[ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر
[حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه
[بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا