LOGIN{تحت المطر}
بقيت سولي داخل غرفتها وقتًا طويلًا. لم تتحرك إلا قليلًا، وكلما حاولت أن تفكر في شيء آخر، عادت صورة لوكا إلى ذهنها. صوته. نظراته. وطريقته وهو يقف خلف الباب، منتظرًا أن تسمح له بالدخول. وضعت سولي يدها على وجهها ومسحت آثار دموعها. كانت تعرف أن استمرارها في البكاء لن يغير شيئًا. وفي النهاية، اتخذت قرارًا. ربما... ربما كان ابتعادها عنه هو الأفضل. إذا بقي بعيدًا عنها، فسيعتاد غيابها. وإذا جاء اليوم الذي ينتهي فيه وقتها، فلن يكون فقدانها صعبًا عليه كما سيكون لو بقيت قريبة منه أكثر. أخذت نفسًا عميقًا. — هكذا أفضل... قالتها لنفسها، رغم أن قلبها لم يكن مقتنعًا. ثم خرجت من غرفتها. --- كانت جدتها جالسة بهدوء في الصالة. رفعت عينيها إليها. — سولي؟ ابتسمت سولي ابتسامة صغيرة وجلست بجانبها. نظرت الجدة نحو النافذة. — زوجكِ ما زال في الخارج. تجمدت سولي. — ماذا؟ — لوكا. نظرت إليها باستغراب. — أما زال هنا؟ أومأت الجدة. — نعم. لم يغادر. حاولت سولي أن تبدو غير مبالية. — لا بد أنه سيمل ويعود. قالتها بنبرة خفيفة. ثم أضافت: — الجو سيتغير أصلًا. نحن في موسم المطر، ومن المستحيل أن يظل واقفًا هناك. لكنها كانت تكذب. كانت قلقة عليه. فكرة أن يبقى واقفًا خارج المنزل جعلت صدرها يضيق. جلست بجانب جدتها، محاولةً أن تشغل نفسها بالحديث. مر بعض الوقت. ثم... دوّى صوت رعد قوي في الخارج. ارتجفت النوافذ قليلًا. رفعت سولي رأسها. وبعد ثوانٍ، بدأت قطرات المطر تضرب الزجاج. ثم ازدادت. حتى تحول صوتها إلى همهمة متواصلة تملأ المكان. نظرت الجدة نحو النافذة. — لوكا ما زال هناك. قالتها بهدوء. خفضت سولي عينيها. — لا بد أنه سيغادر. — لقد مضى وقت طويل. — سيعود. قالتها سولي بسرعة. لكن صوتها لم يكن مقنعًا حتى لها. سكتت لحظة. ثم وقفت. — سأخرج قليلًا. نظرت إليها جدتها. — إلى أين؟ — أريد فقط أن أرى المطر. توجهت نحو النافذة. رفعت الستارة قليلًا. وتوقفت. تجمدت في مكانها. كان لوكا لا يزال هناك. واقفًا أمام المنزل. كان المطر يهطل فوقه بغزارة، وقد ابتلت ملابسه تمامًا. كان واقفًا بصمت، وكأنه لم يشعر بالبرد أصلًا. شعرت سولي بشيء ينقبض داخل صدرها. — هذا المجنون... همست بها وهي تنظر إليه. أغمضت عينيها لحظة. كانت تريد أن تبقى قوية. أن تتركه يذهب. أن تجعله يعتاد غيابها وهي بعيدة. لكن رؤيته واقفًا تحت المطر جعلت كل تلك الأفكار تنهار. فتحت عينيها. — سيُصاب بالمرض. ثم تراجعت عن النافذة بسرعة. ذهبت وأخذت مظلة. وخرجت من المنزل. --- كان صوت المطر يغطي خطواتها. فتحت المظلة فوق رأسها، ومشت نحوه. رفع لوكا عينيه عندما سمع صوت خطواتها. توقف. أما سولي، فاقتربت منه حتى وقفت أمامه. كانت تحاول ألا تظهر خوفها. مدت المظلة نحوه. — خذها. نظر لوكا إليها. ثم إلى المظلة. — سولي... — خذها. قالتها بهدوء. أخذها منها. ثم قال: — كنت أنتظركِ. خفضت عينيها. — لم يكن عليك أن تنتظر. — أعرف. — إذًا، لماذا بقيت؟ لم يجب. فقط ظل ينظر إليها. شعرت سولي بأن عينيها ستفضحانها، فأشاحت بوجهها. — عُد إلى القصر. — وأنتِ؟ — سأبقى عند جدتي. — إلى متى؟ — لا أعرف. صمت لوكا. ثم قال: — لا أريد أن أترككِ هكذا. ابتسمت سولي بحزن. — يجب أن تذهب. استدارت لتعود إلى المنزل. لكن قبل أن تخطو خطوة... شعرت بيده تمسك يدها. توقفت. نظرت إلى أصابعه الملتفة حول يدها. ثم رفعت عينيها إليه. كان شعره مبللًا، والماء يتساقط من أطرافه، لكنه لم يهتم. قال بهدوء: — لا تطلبي مني أن أذهب وكأنكِ لا تعنين لي شيئًا. ارتجفت عيناها. حاولت سحب يدها برفق. — لوكا... لكنه لم يتركها فورًا. — لم آتِ إلى هنا لأجبركِ على العودة. صمت لحظة. — جئت فقط لأنني لم أستطع أن أترككِ وحدكِ. نظرت إليه، والدموع بدأت تتجمع في عينيها من جديد. ولأول مرة منذ خرجت من الفندق... لم تجد سولي جوابًا تقوله. كان المطر يهطل حولهما. والمظلة فوق رأسيهما. ويد لوكا لا تزال تمسك يدها. أما قلبها... فكان يخبرها بشيء واحد فقط: أن قرارها بالابتعاد عنه لن يكون سهلًا كما ظنت.[حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها
[ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب
[ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت
[ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر
[حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه
[بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا