LOGIN{ أثبت لي الحقيقة}
ظلّ لوكا ممسكًا بيد سولي تحت المظلة. كان المطر من حولهما يزداد غزارة، وصوت قطراته يملأ المسافة الصغيرة الفاصلة بينهما. نظر إليها طويلًا. كانت عيناها حمراوين من البكاء، لكنها كانت تحاول أن تبدو أقوى مما تشعر به. قال لوكا بهدوء: — إذا كنتِ تريدين مني أن أذهب... فلماذا أنتِ خائفة عليّ؟ رفعت سولي عينيها إليه. توقفت لحظة، وكأن سؤاله أصاب شيئًا كانت تحاول إخفاءه. ثم ابتسمت بمرارة. — لأنني أحببتك. تغيرت ملامح لوكا. تابعت بصوت منخفض: — حتى لو لم تحبني. — سولي... — لا. هزّت رأسها. — دعني أُكمل. سحبت يدها ببطء من يده. — لا أستطيع أن أتظاهر بأنني لم أهتم بك. لقد اهتممت بك... أكثر مما ينبغي. خفض لوكا عينيه. — لم أقل إنكِ لا تعنين لي شيئًا. نظرت إليه بحزن. — لكنك لم تقل إنني أعني لك شيئًا أيضًا. ساد الصمت. كان المطر الصوت الوحيد بينهما. ثم أخذت سولي نفسًا عميقًا. — لا أريد أن أظلمك. رفع لوكا عينيه إليها. — ماذا تقصدين؟ — إذا كنت فعلًا لم تفعل شيئًا مع لورا... ترددت لحظة. ثم قالت: — أثبت لي ذلك. ظلّ ينظر إليها. — سأفعل. هزّت رأسها. — لا تقل ذلك فحسب. — سأثبت لكِ براءتي. ابتسمت ابتسامة صغيرة، رغم الدموع التي بقيت في عينيها. — إذا استطعت إثبات براءتك... فقد أتمكن من مسامحتك. شعر لوكا بشيء يتحرك في صدره. — وهل يمكنكِ أن تثقي بي من جديد؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعرف. ثم أضافت: — لكنني، على الأقل... سأستمع إليك. كان ذلك كل ما استطاعت أن تمنحه إياه. فرصة صغيرة. لكنها كانت كافية بالنسبة إليه. اقترب خطوة. — سأجد الحقيقة يا سولي. رفعت عينيها إليه. — أتمنى ذلك. ثم استدارت. ومشت باتجاه المنزل. توقفت لحظة عند الباب، من دون أن تلتفت إليه. — خذ المظلة. نظر لوكا إلى المظلة فوق رأسه. — وأنتِ؟ — سأدخل. ثم أضافت بصوت خافت: — لا أريدك أن تمرض. نظر إليها طويلًا. — ما زلتِ تهتمين بي. ابتسمت بحزن من دون أن تلتفت. — للأسف. ثم دخلت وأغلقت الباب خلفها. بقي لوكا وحده تحت المطر. لكنه لم يعد يشعر بالبرد كما كان قبل قليل. كانت كلماتها تدور في رأسه. "إذا استطعت إثبات براءتك... فقد أتمكن من مسامحتك." شدّ قبضته قليلًا. لم يعد الأمر بالنسبة إليه مجرد سوء فهم. كان عليه أن يعرف ماذا حدث في تلك الليلة. ومن دبّر كل شيء. ولماذا كانت لورا مصممة على إبعاده عن سولي. رفع عينيه نحو المنزل. ثم قال لنفسه: — هذه المرة... لن أسمح للحقيقة بأن تختبئ. وفي الداخل، أسندت سولي ظهرها إلى الباب. أغمضت عينيها. وضعت يدها فوق قلبها، ثم همست: — لماذا ما زلت أحبه...؟ لكنها لم تكن تعلم أن تلك الفرصة الصغيرة التي منحته إياها... ستكون بداية انهيار الخطة التي بنتها لورا طوال هذا الوقت. ---- { أول خيط للحقيقة} بقي لوكا واقفًا أمام بيت جدة سولي بعد أن أُغلق الباب خلفها. كان المطر قد بدأ يخف قليلًا، لكن ملابسه بقيت مبللة، والمظلة التي أعطته إياها سولي ما زالت في يده. نظر إلى الباب للحظات. كلماتها لم تفارق رأسه. "إذا استطعت إثبات براءتك... فقد أتمكن من مسامحتك" أخذ نفسًا عميقًا. هذه المرة لم يكن يريد فقط أن يثبت لسولي أنه لم يخنها. كان يريد أن يعرف الحقيقة كاملة. ما لذي كان في ذلك العصير؟ من الذي أوصله إلى غرفة لورا؟ ومن التقط الصورة وأرسلها إلى سولي؟ رفع لوكا عينيه قليلًا، ثم اتجه نحو سيارته. فتح الباب وركب. جلس خلف المقود، لكنه لم يشغله فورًا. أخرج هاتفه واتصل بمارك. لم يستغرق الاتصال سوى ثوانٍ حتى جاءه صوته: — نعم، زعيم؟ قال لوكا مباشرة: — أريد تسجيلات كاميرات الفندق الليلة الماضية. ساد صمت قصير. — أي تسجيلات تحديدًا؟ — كلها. شد لوكا على الهاتف قليلًا. — من لحظة وصولي إلى الفندق حتى خروجي منه. ثم أضاف: — وأريد تسجيلات الممر المؤدي إلى الغرفة 201، والمدخل، والمصاعد، وأي مكان ظهرت فيه لورا. فهم مارك أن الأمر ليس مجرد طلب عادي. — هل حدث شيء؟ صمت لوكا لحظة. ثم قال: — أريد أن أعرف من فعل هذا بي. — سأحضرها لك فورًا. — لا. توقف مارك. — ماذا؟ — لا ترسلها إلى القصر. أخذ لوكا نفسًا بطيئًا. — أحضرها بنفسك. — حاضر. — وأريد أيضًا معرفة من دخل الغرفة 201 ومن خرج منها، وتوقيت كل شيء بالدقيقة. — فهمت. أنهى لوكا الاتصال. ظل ينظر إلى شاشة هاتفه للحظات. ثم شغّل السيارة. كان يعلم أن الحقيقة موجودة في مكان ما. ربما في التسجيل. ربما يوجد شخص رأى شيئًا. وربما في تفصيل صغير لم ينتبه إليه أحد. لكن لوكا كان مستعدًا للبحث عنه مهما طال الأمر. ضغط على المقود بقوة. — لن أسمح لكِ أن تأخذيها مني بسبب كذبة. ثم انطلقت السيارة مبتعدة عن بيت الجدة. وفي مكان آخر من المدينة... كان مارك قد بدأ بالفعل بتنفيذ أوامر زعيمه. أما لوكا، فلم يكن يعرف بعد أن تسجيلات الفندق ستقوده إلى أول دليل حقيقي على خطة لورا.[حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها
[ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب
[ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت
[ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر
[حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه
[بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا