LOGIN{ الحقيقة خلف الشاشة}
عاد لوكا إلى القصر بعد وقت طويل. كان المطر قد توقف تقريبًا، لكن آثار الماء بقيت على أطراف معطفه. دخل من الباب الرئيسي، فوجد لورا تقف في الصالة. ما إن رأته حتى تقدمت نحوه بسرعة. — لوكا! توقفت أمامه، ونظرت إليه بقلق. — أين كنت؟ حاولت الاتصال بك ولم تجب. نظر إليها ببرود. — لا يهم. تغير وجهها قليلًا. — هل أنت بخير؟ لم يجب. تجاوزها مباشرة. حاولت أن تلحق به. — لوكا، أنا فقط كنت قلقة عليك... توقف للحظة، ثم التفت إليها. كانت نظرته هادئة، لكنها جعلتها تتراجع خطوة. — لا تقلقي عليّ. ثم أكمل طريقه. وقفت لورا مكانها تراقبه حتى اختفى في الدرج. وضعت يدها على صدرها. كان قلبها يخفق بسرعة. شيء ما في عينيه أخبرها أن هناك أمرًا لم يعد كما كان. --- صعد لوكا إلى غرفته. دخل الحمام وأخذ وقتًا طويلًا تحت الماء، محاولًا أن يرتب أفكاره. بعدها ارتدى ملابس نظيفة، ثم خرج واتجه مباشرة إلى مكتبه. جلس خلف مكتبه. كان ذهنه لا يزال عند سولي. ثم نظر إلى الساعة. مرت دقائق. وفجأة... طرق أحدهم الباب. — ادخل. فتح مارك الباب ودخل. كان يحمل حقيبة صغيرة. — أحضرت ما طلبته. رفع لوكا عينيه. — تسجيلات الفندق؟ — نعم. وضع مارك الحقيبة على المكتب. — حصلت على نسخة كاملة من تسجيلات الكاميرات، من القاعة حتى الممر المؤدي إلى الغرفة 201. أشار لوكا إلى الشاشة. — شغّلها. جلس مارك أمام الجهاز. بدأ التسجيل. ظهرت القاعة. الضيوف. العائلة. الخدم. والحركة التي كانت تجري في الفندق قبل أن تتغير الأمور. ظل لوكا يتابع بصمت. ثم... توقفت عيناه. — أوقفه. أوقف مارك التسجيل. كانت لورا تظهر في زاوية القاعة. تحدثت مع أحد النادلين. قال لوكا: — أكمل. تحركت الصورة. ظهر النادل وهو يقترب منها. أخرجت لورا شيئًا صغيرًا من حقيبتها، ووضعته في يده. تبادل الاثنان نظرة سريعة. ثم ابتعد النادل. بقي لوكا صامتًا. بعد دقائق ظهر النادل مجددًا. كان يحمل كوبًا. اقترب من لورا وسلمها إياه. أخذته منه. ثم اتجهت نحو سولي. تغير وجه لوكا. — أوقف التسجيل. تجمدت الصورة. حدق في الشاشة. — إنها كانت تخطط لكل شيء. أعاد مارك تشغيل التسجيل. ظهرت لورا وهي تجلس بالقرب من سولي. كانت تتحدث معها بهدوء. ثم، قبل أن تقترب من لوكا، ظهرت في التسجيل وهي تخفي شيئًا صغيرًا داخل الكوب. توقف لوكا عن التنفس للحظة. — كبّره. نفذ مارك الأمر. ظهر المسحوق بوضوح أكبر. شد لوكا فكه. — كانت تريد أن تجعل سولي تفقد وعيها... ثم تابع التسجيل. ظهرت لورا وهي تقترب من لوكا بالكوب. شربه. وبعد فترة قصيرة بدأت علامات التعب تظهر عليه. نهض من مكانه. تغيرت خطواته. ثم ظهر شخص يقترب منه ويمسكه قبل أن يسقط. ركز لوكا عينيه على الشاشة. ثم تجمد. — أعدها. عاد مارك بالتسجيل. — أعدها مرة أخرى. ظهر الشخص بوضوح أكبر. كانت لورا. هي التي أمسكت به. وهي التي قادته عبر الممر. تابع لوكا المشاهدة دون أن يرمش. ظهرت لورا وهي تسنده حتى وصلا إلى الغرفة 201. ثم دخل الاثنان. وأُغلق الباب. توقف التسجيل عند تلك اللحظة. بقي لوكا صامتًا. نظر إلى الشاشة. ثم إلى مارك. — هذا كل شيء؟ — نعم. هذه آخر زاوية كاميرا في ذلك الممر. عاد لوكا للنظر إلى الباب المغلق على الشاشة. كانت الحقيقة واضحة في أشياء كثيرة. لورا خططت. لورا أعطته الكوب. ولورا أخذته إلى الغرفة. لكن ما حدث بعد إغلاق الباب... لم يظهر في أي تسجيل. قال مارك بحذر: — زعيم... لم يجبه لوكا. كان السؤال نفسه يضرب رأسه بقوة. ماذا حدث بعد أن أُغلق الباب؟ هل كانت الصورة التي وصلت إلى سولي مجرد جزء من خطة مدبرة؟ هل لورا فعلت شيئًا آخر؟ وهل كان كل ما رأته سولي مجرد كذبة صنعتها لورا بعناية؟ أغلق لوكا عينيه للحظة. ثم فتحهما. — أريد كل شيء عن تلك الليلة. نظر مارك إليه. — ماذا تقصد؟ — النادل. ثم أضاف: — الشخص الذي أعطاها الكوب. — حاضر. — وأي شخص دخل الغرفة أو اقترب منها. صمت لحظة. — حتى لو كان موظفًا صغيرًا في الفندق. أومأ مارك. — سأعرف كل شيء. أطفأ لوكا الشاشة. لكن صورة الباب المغلق بقيت عالقة في ذهنه. للمرة الأولى، شعر أن الحقيقة قريبة جدًا... لكنها ما زالت تخفي آخر قطعة من اللغز.[حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها
[ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب
[ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت
[ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر
[حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه
[بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا