LOGIN{ الحقيقة التي أخفاها الجد}
بقي لوكا جالسًا خلف مكتبه، وعيناه معلقتان بالشاشة التي أطفأها قبل دقائق. كانت صورة الباب المغلق لا تزال عالقة في ذهنه. رفع عينه إلي مارك. — أريدك أن تكمل البحث. جاءه صوت مارك: — بالتأكيد، زعيم. — وأريد النادل الذي أعطى لورا الكوب. صمت مارك لحظة. — هل تريدني أن... — أحضره إليّ. ثم أضاف لوكا ببرود: — أريد أن أعرف من أعطاه المسحوق، ومن طلب منه أن يضعه في الكوب. — مفهوم. ثم استدار وغاد المكتب. بقي وحده في المكتب. مرّت دقائق قليلة. وفجأة فُتح الباب. دخل مورفون. رفع لوكا رأسه. — جدي؟ أغلق مورفون الباب خلفه. — أين سولي؟ تغيرت ملامح لوكا قليلًا. — لماذا تسأل؟ — لأنها منذ الأمس لم تعد إلى القصر. اقترب مورفون منه. — وأنا أريد أن أعرف ماذا حدث. أشاح لوكا بنظره. — مجرد مشكلة بيني وبين زوجتي. توقف مورفون أمام المكتب. — مشكلة؟ ثم نظر حوله. — إذًا لماذا كان مارك هنا؟ صمت لوكا. — ولماذا أرسلته إلى الفندق؟ رفع لوكا عينيه إليه. — جدي... — لا تحاول إخفاء الأمر عني. جلس مورفون أمامه. — أعرفك منذ ولدت يا لوكا. وعندما أرى هذا الوجه أعرف أن الأمر أكبر من مجرد خلاف بين زوجين. تنهد لوكا. كان يعرف أن جده لن يتركه حتى يعرف الحقيقة. أخيرًا قال: — لورا. ساد الصمت. تغيرت ملامح مورفون. — ماذا فعلت؟ أجابه لوكا بمرارة: — هذا هو السؤال الذي أحاول معرفة جوابه. ثم أخبره بما حدث. عن الصورة. عن الغرفة. عن التسجيلات. وعن الكوب الذي أعطته لورا له. استمع مورفون بصمت حتى النهاية. ثم خفض عينيه. — كنت أعرف أن هذا سيحدث. تجمد لوكا. — ماذا قلت؟ رفع مورفون عينيه إليه. — أنا من سمحت للورا بالعودة. وقف لوكا بسرعة. — لهذا أخبرتك أن لا تدعها تعود. — كانت تريد حضور زفاف لورنزو، وأنا وافقت. اشتدت ملامح لوكا. — رغم أنك تعرف أنها ما زالت متعلقة بي؟ تنهد مورفون. — أعرف. — إذًا لماذا؟ صمت مورفون لحظة قبل أن يقول: — لأنني أعرف قصة لورا معك منذ كنتما طفلين. لم يرد لوكا. — منذ الصغر، كانت لورا قريبة منك. كبرتما معًا، وكانت دائمًا تظن أنك ستكون لها يومًا ما. خفض مورفون صوته. — وأنا لم أصحح لها هذا الاعتقاد كما كان يجب. نظر إليه لوكا بحدة. — ولماذا؟ — لأنني كنت أعرف أن مشاعرها تجاهك كانت تكبر مع السنوات. ثم أضاف: — لكن هناك شيء لم تكن لورا تريد تقبله. — ماذا؟ — تقاليد العائلة. توقف مورفون لحظة. — في عائلتنا، هناك قوانين قديمة تخص زواج الوريث. الوريث لا يستطيع أن يتزوج من إحدى قريباته، ولا من شخص من الدائرة العائلية القريبة. فهم لوكا أخيرًا. — لهذا لم تسمحوا بزواجي منها. أومأ مورفون. — لهذا. ضحك لوكا بمرارة. — وكان من الأسهل أن تتركوها تظن أنني سأعود إليها؟ خفض مورفون عينيه. — كنت مخطئًا. اقترب لوكا منه. — أنت لم تكن مخطئًا فقط. توقف أمامه. — أنت جعلتها تعيش سنوات وهي تظن أنني سأكون لها. لم يجب مورفون. — ثم عندما تزوجت سولي، بدلًا من أن تجعلها تتقبل الحقيقة... سمحت لها بالعودة. تنهد مورفون. — ظننت أنها ستفهم أخيرًا. — لكنها لم تفهم. — أعرف. رفع لوكا عينيه نحوه. — بل فعلت العكس تمامًا. صمت مورفون. ثم قال: — لورا ما زالت لا تستوعب أن الأمر انتهى. أجاب لوكا ببرود: — لأنها لم تسمع الحقيقة منك. رفع مورفون رأسه. — ماذا تقصد؟ — كان يجب أن تقول لها منذ البداية إنني لن أعود إليها. ثم أضاف: — كان يجب أن تجعلها تفهم أن سولي زوجتي، وأن هذا لن يتغير. ساد صمت ثقيل. أخيرًا قال مورفون: — سأتحمل مسؤوليتي عن هذا. لكن لوكا لم يهدأ. — لا أريد منك وعودًا يا جدي. نظر إليه. — أريد الحقيقة. اقترب لوكا من النافذة. — وأريد أن أعرف ماذا حدث في تلك الغرفة. ثم التفت إليه. — لأن سولي الآن تظن أنني خنتها. صمت مورفون. — وإذا خسرتها بسبب قرار اتخذته أنت... توقف لوكا لحظة. ثم قال: — فلن أسامحك بسهولة. خرج مورفون من المكتب بوجه مثقل. أما لوكا فعاد إلى مقعده. وفي تلك اللحظة وصلته رسالة من مارك: "وجدت النادل." رفع لوكا عينيه نحو الهاتف. بدأت أول خيوط الحقيقة تتجمع. وربما... كان النادل هو الشخص الذي سيكشف لهم ماذا حدث فعلًا في تلك الليلة.[حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها
[ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب
[ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت
[ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر
[حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه
[بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا