LOGIN{ الخبر الذي أسقطها}
في أحد الأجنحة الهادئة من القصر، كانت لورا تقف قرب النافذة عندما رن هاتفها. نظرت إلى الرقم، ثم أجابت بهدوء. — نعم؟ جاءها صوت من الطرف الآخر: — السيدة لورا، التحاليل التي طلبتها أصبحت جاهزة. سكتت لحظة. ثم قالت: — شكرًا. أنهت المكالمة، ونظرت إلى الهاتف طويلًا. بعدها ظهرت على وجهها ابتسامة صغيرة. ابتسامة لم تحمل أي فرح. بل شيئًا غامضًا جعل ملامحها تبدو مختلفة تمامًا. وضعت الهاتف جانبًا. — الآن... لن يستطيع أحد إبعادي عنه. --- في مساء اليوم نفسه كانت القاعة الرئيسية في القصر ممتلئة بأفراد العائلة. جلس مورفون في مقدمة المجلس، بينما كان لوكا يتحدث مع لورينزو حول بعض الأمور المتعلقة بالعائلة. كانت إيلارا تجلس إلى جانب بقية أفراد العائلة، تستمع إلى الحديث. كان الجو هادئًا في البداية. لكن فجأة فُتح باب القاعة. دخلت لورا. توقفت الأحاديث للحظة، والتفتت الأنظار إليها. كانت تمشي ببطء، وملامحها مختلفة. لاحظت إيلينا ذلك فورًا. — لورا؟ لم تجبها مباشرة. واصلت التقدم حتى وقفت أمام الجميع. رفع لوكا عينيه إليها، لكنه لم يبدِ اهتمامًا كبيرًا. كان لا يزال يحمل في ذهنه ما عرفه من التسجيلات، والأسئلة التي لم يحصل على إجاباتها. قالت إيلينا: — هل هناك شيء؟ رفعت لورا عينيها. بدت مترددة. ثم أخذت نفسًا عميقًا. بدأت الدموع تتجمع في عينيها. — هناك شيء يجب أن أخبركم به. سألها فيتوريو: — ما هو؟ صمتت لحظات. ثم قالت: — أنا... توقفت، وكأن الكلمات ثقيلة عليها. ثم وضعت يدها أمام بطنها. — أنا حامل. تجمد الجميع. لم تتحرك إيلارا. حتى لورينزو توقف عن الكلام. أما لوكا فبقي ينظر إلى لورا بصمت، وكأنه لم يستوعب ما سمعه. سألت إيلينا بسرعة: — ماذا قلتِ؟ أعادت لورا كلامها: — أنا حامل. ساد الصمت في القاعة. ثم قالت إيلينا بصدمة: — من الأب؟ رفعت لورا عينيها ببطء. وتوجه نظرها مباشرة نحو لوكا. توقف قلبه للحظة عندما فهم ما ستقوله. قالت لورا: — لوكا. انفجر الصمت داخل القاعة. لم يتحرك أحد. لورينزو حدق بها بذهول. إيلارا وضعت يدها على فمها. أما لوكا فنهض من مكانه ببطء. — ماذا؟ قالتها لورا بصوت مرتجف: — أنت والد الطفل. حدق بها لوكا. — أنتِ تكذبين. قالها مباشرة. لكن لورا لم تتراجع. — لماذا سأكذب؟ — لأنك تحاولين إبعادي عن سولي. — هذه ليست كذبة. رفعت يدها قليلًا. — لدي تحاليل تثبت ذلك. ثم أخذت الملف الذي كانت تحمله. لكن قبل أن تفتحه... صدر صوت ارتطام مفاجئ. تحطم زجاج. التفت الجميع نحو الباب. كانت سولي واقفة هناك. وجهها شاحب تمامًا. وفي الأرض بجانبها، كان كوب الماء قد سقط وتحطم. كانت تنظر إلى لوكا. لا إلى لورا. ولا إلى بقية العائلة. فقط إليه. كانت عيناها ممتلئتين بالصدمة. — سولي... قال لوكا اسمها بصوت خافت. لكنها لم تجبه. بدت وكأنها لم تعد تسمع أحدًا. وضعت يدها على طرف الباب محاولةً أن تثبت نفسها. ثم تمتمت: — لا... اقترب لوكا خطوة. — سولي، اسمعيني. هزت رأسها ببطء. بدأت رؤيتها تضطرب. كان آخر شيء رأته هو وجه لوكا وهو يحاول الوصول إليها. ثم فقدت توازنها. — سولي! اندفع لوكا نحوها، لكن جسدها كان قد انهار. تجمع أفراد العائلة بسرعة. شهقت إيلارا. وتراجعت كارلي بصدمة. أما لوكا فانحنى بجانب سولي، وأمسك بها قبل أن تصطدم بالأرض. — سولي! افتحي عينيكِ! لم تجبه. رفع رأسه نحو العائلة، وصوته خرج حادًا: — اتصلوا بالطبيب فورًا! وفي الجهة الأخرى من القاعة... كانت لورا لا تزال واقفة. لكن ابتسامتها الصغيرة اختفت عندما رأت لوكا يحمل سولي بين ذراعيه. لأنها أدركت أن خطتها نجحت في شيء واحد فقط: لقد حطمت سولي. أما لوكا... فقد بدأ يفهم أن الحقيقة وراء هذه الليلة أخطر بكثير من مجرد إعلان حمل.[حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها
[ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب
[ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت
[ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر
[حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه
[بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا