LOGIN{سؤالٌ لا يملك جوابًا}
مرّ الوقت ببطء، حتى اقترب منتصف الليل. كان القصر قد هدأ تمامًا. أغلب الأضواء انطفأت، والخدم عادوا إلى غرفهم، ولم يبقَ في الممرات سوى ضوء خافت يآتي من المصابيح الجانبية. كان لوكا مستيقظًا في غرفته. لم يستطع النوم. كان يفكر في سولي، وفي حالتها، وفي كل ما حدث خلال الأيام الماضية. وفجأة... سمع صوتًا خافتًا في الممر. رفع رأسه. نهض وفتح الباب. توقف. كانت لورا تقف في الجهة المقابلة من الممر. بدت في حالة سيئة جدًا. شعرها مبعثر، وآثار الدموع واضحة على وجهها، وكانت تمسك يدها الأخرى بقطعة قماش تحاول بها إخفاء جرح صغير في يدها بعد أن جرحتها قطعة زجاج مكسورة. تغير وجه لوكا فورًا. — لورا؟ رفعت رأسها. وعندما رأته، ظهرت على وجهها ابتسامة غريبة، حزينة ومتعبة. اقترب منها بسرعة. — ماذا حدث ليدك؟ أمسك يدها بحذر، ونظر إليها بقلق. — إنها مجرد قطعة زجاج. قالتها لورا بهدوء. لكن لوكا لم يقتنع. — لماذا كنتِ وحدكِ هنا؟ رفعت عينيها إليه. ثم قالت: — كنت خائفة. توقف لوكا. — مني؟ هزت رأسها. — لا. ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة. — من نفسي... ومن كل شيء حدث. بقي لوكا صامتًا. وفجأة سألت: — هل كنت خائفًا عليّ؟ تجمد. لم يجب مباشرة. نظرت إليه لورا وكأنها كانت تنتظر مجرد علامة صغيرة. — لوكا؟ خفض عينيه إلى يدها. — نعم. خرجت الكلمة هادئة. لكنها بدت كافية لجعل عينيها تمتلئان بالدموع من جديد. ضحكت بخفة وسط بكائها. — حتى الآن... ثم رفعت عينيها إليه. — حتى بعد كل ما فعلته... ما زلت تخاف عليّ. قال لوكا: — لأنكِ من العائلة. لكن ابتسامتها اختفت. — فقط من العائلة؟ لم يجب. خفضت رأسها. ثم قالت بصوت مرتجف: — لماذا اخترت سولي؟ ساد الصمت. لم يكن السؤال جديدًا عليه. لكن هذه المرة لم يكن خلفه غضب. كان هناك وجع حقيقي. — لماذا هي؟ رفع لوكا عينيه إليها. — لأنها هي. — ماذا يعني هذا؟ — لا أعرف كيف أشرح لكِ. تنفست لورا بصعوبة. — حاول. سكت لوكا للحظات. ثم قال: — لم أخترها لأنها أفضل منكِ. نظرت إليه. — إذًا لماذا؟ — لأنني أحبها. نزلت دمعة على خدها. أغمضت عينيها. — كنت أتمنى أن تقولها بطريقة أخرى. قال لوكا بهدوء: — لا أريد أن أكذب عليكِ. هزت رأسها وهي تبكي. — أعرف. ثم غطت وجهها بيدها. — كنت أريد فقط أن أكون أنا. ظل لوكا واقفًا أمامها، ولم يعرف ماذا يقول. ثم رأى أن يديها ترتجفان. اقترب أكثر. — لورا... لكنها لم تستطع إيقاف دموعها. انحنت قليلًا، وكأنها فقدت قدرتها على التماسك. وبدون تفكير طويل، وضع لوكا يده حول كتفها وضمهـا إلى صدره. تجمدت لورا للحظة. ثم بكت أكثر. لم يكن في عناقِه وعد. ولا حب من النوع الذي كانت تتمناه. كان فقط محاولة لتهدئة شخص منهار أمامه. قال بهدوء: — اهدئي. تشبثت بطرف قميصه. — لماذا لم أكن أنا؟ أغمض لوكا عينيه. — لأن القلب لا يختار دائمًا بالطريقة التي نريدها. بقي معها حتى هدأت أنفاسها قليلًا. ثم ابتعد عنها بهدوء. — اذهبي إلى غرفتك. مسحت لورا دموعها. — وأنت؟ نظر إليها. — سأعود إلى سولي. خفضت عينيها. كانت الإجابة مؤلمة. لكنها هذه المرة لم تجادل. فقط أومأت. ثم ابتعدت ببطء. أما لوكا، فبقي للحظات ينظر إلى الممر الفارغ. ثم عاد إلى غرفته. إلى المرأة التي اختارها قلبه... بينما بقيت لورا وحدها مع سؤالها القديم: كيف يمكن للمرء أن يتقبل أن الشخص الذي حلم به طويلًا... اختار شخصًا آخر؟[حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها
[ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب
[ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت
[ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر
[حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه
[بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا