LOGIN[ شكوك لا تُقال]
بقي لوكا واقفًا في منتصف الصالة، يحمل أيان بين ذراعيه، بينما كانت سولي تمسح دموع صغيرها وتربت على ظهره بحنان. لم يكن أيان يبكي كما كان قبل قليل، لكنه ظل متشبثًا بقميص أبيه، وكأن تركه للحظة قد يجعل ذلك الرجل يعود ليأخذه منه. مرّر لوكا يده على شعره الأسود الصغير، ثم قبّل جبينه. — انتهى الأمر يا بطل. أنت بأمان. رفع أيان وجهه قليلًا. — لن يجعلني جدي أذهب إلى مكان آخر؟ نظر لوكا إلى سولي للحظة، ثم أعاد عينيه إلى ابنه. — لن يبعدك أحد عني أو عن أمك. أعدك بذلك. هز أيان رأسه، لكنه لم يبدُ مطمئنًا تمامًا. تألم لوكا لرؤيته بهذه الحالة. كان يتمنى لو يستطيع أن يمحو من ذاكرة ابنه الدقائق الماضية، وأن يعيد إليه الحماس الذي دخل به القصر، حين كان يسأل عن الحديقة والغرف وجدته الجديدة. لكن ما حدث قد حدث، ولم يعد بإمكانه التراجع عنه. كل ما يستطيع فعله الآن هو أن يثبت لأيان أن وجوده هنا ليس موضع نقاش، وأنه لن يسمح لأي شخص بأن يجعله يشعر بأنه غريب عن عائلته. رفع لوكا عينيه نحو سولي. كانت تقف بجواره، وقد احمرّت عيناها من البكاء، لكن ملامحها استعادت شيئًا من صلابتها. — سولي. التفتت إليه. — نعم؟ — خذي أيان إلى غرفة الضيوف. أريده أن يرتاح قليلًا بعد كل ما حدث. نظرت إلى الصغير، ثم إلى زوجها. — وأنت؟ — سأذهب إلى مكتبي. لدي بعض الأمور التي يجب أن أراجعها. لم تعجبها فكرة أن يبتعد عنها الآن، لكنها فهمت أن لوكا لا يستطيع تجاهل ما قاله مورفون، خصوصًا بعد أن هدده علنًا أمام العائلة. قالت بهدوء: — سأبقى معه. أومأ لوكا. ثم نظر إلى أيان وسأله بابتسامة صغيرة محاولًا أن يخفف عنه: — هل تريد أن ترى غرفتك المؤقتة في القصر؟ تردد الصغير. — هل ستكون أنت هناك أيضًا؟ — سأكون هنا، يا بني. سأذهب إلى مكتبي لبعض الوقت، ثم آتي إليكما. تأمله أيان وكأنه يحاول التأكد من أنه لن يغير رأيه. ثم مد يده الصغيرة ولمس وجنة أبيه. — لا تتأخر. تغيرت ملامح لوكا، وظهر في عينيه حنان لم يستطع إخفاءه. — لن أتأخر. قبّل يده الصغيرة، ثم أنزله على الأرض برفق. ما إن وقف أيان حتى أمسكت سولي بيده، لكن الطفل ظل ممسكًا بطرف قميص لوكا باليد الأخرى. ضحك لوكا بخفة. — يبدو أنني لن أستطيع الذهاب إلى أي مكان اليوم. قال أيان بجدية طفولية: — ابقَ معنا إذًا. انحنى لوكا أمامه، ووضع يده على كتفه. — أتمنى ذلك. لكن عليّ أن أنهي بعض الأمور أولًا حتى لا يزعجنا أحد بعد ذلك، اتفقنا؟ فكر أيان قليلًا، ثم أومأ. — اتفقنا. مرّر لوكا يده على شعره مرة أخرى، ثم وقف ونظر نحو إيلارا التي كانت تقترب منهما. — إيلارا، هل يمكنكِ مرافقة سولي إلى غرفة الضيوف؟ أومأت فورًا. — بالطبع. سأهتم بهما. نظر لوكا إلى سولي. — سأرسل أحد الخدم ليجلب حقائبكما من السيارة، وبعدها سأمرّ للاطمئنان عليكما. هزت سولي رأسها. — حسنًا. توقف للحظة، وكأنه يريد أن يقول شيئًا آخر، ثم خفض صوته حتى لا يسمعه أيان. — لا تفكري كثيرًا فيما قاله مورفون. نظرت إليه طويلًا. — كيف لا أفكر فيه، لوكا؟ لقد اتهمني أمام الجميع، وكاد يجعل ابننا يصدق أن وجوده هنا خطأ. اشتدت ملامح لوكا. — أعرف. ثم أضاف بحزم: — لكنه لن يحصل على ما يريد. لم تجبه سولي، لكنها شعرت بأن قبضته حول يدها أصبحت أكثر دفئًا حين أمسكها للحظة. ضغطت على يده بخفة، ثم تركتها. — سأكون مع أيان. أومأ لوكا، وعيناه تتبعانها وهي تبتعد. كان يود أن يرافقهما بنفسه، لكنه كان يعرف أن عليه التحرك بسرعة. مورفون لم يلقِ اتهامًا عابرًا، بل أحضر ملفًا كاملًا، وتحدث بثقة رجل يعتقد أنه يملك ما يكفي لإسقاط خصمه. ولوكا لم يكن يشك في سولي. لكنه كان يعرف جده جيدًا. ومورفون لم يكن من النوع الذي يدخل معركة دون أن يعتقد أنه يمتلك ورقة رابحة. وهذا تحديدًا ما كان يقلقه. --- في غرفة الضيوف سارت سولي في الممر الطويل وهي تمسك بيد أيان، بينما كانت إيلارا تمشي إلى جوارهما. كان القصر هادئًا من جديد، إلا أن الهدوء هذه المرة لم يكن مريحًا. أحيانًا، كانت سولي تشعر بنظرات الخدم تتبعها، فتتظاهر بأنها لم تلاحظ شيئًا. لم تكن تريد أن تمنح أحدًا فرصة ليرى مدى تأثرها بما حدث. أما أيان، فكان صامتًا على غير عادته. رفع رأسه نحو أمه بين حين وآخر، وكأنه يريد أن يسألها شيئًا، لكنه يتراجع في اللحظة الأخيرة. لاحظت سولي ذلك. توقفت أمام باب إحدى الغرف، ثم انحنت قليلًا لتصبح في مستواه. — ما بك يا حبيبي؟ هز رأسه. — لا شيء. ابتسمت له بحنان. — أيان، أنا أعرف متى يكون عندك شيء تريد قوله. نظر إلى الأرض، وحرّك حذاءه الصغير فوق السجادة. — هل جدي لا يحبني؟ شعرت سولي بأن قلبها انقبض. لم تكن مستعدة لهذا السؤال، لكنها لم ترد أن تكذب عليه أو أن تجعله يحمّل نفسه مسؤولية ما حدث. وضعت يديها على كتفيه. — ما فعله جدك اليوم لا يعني أن فيك أي خطأ، هل تفهمني؟ أنت لم تفعل شيئًا يستحق أن يعاملك أحد بهذه الطريقة. رفع عينيه إليها. — لكنه قال إنني لست ابن أبي. أخذت سولي نفسًا عميقًا، ثم أمسكت وجهه بين كفيها. — وأنا قلت لك الحقيقة. لوكا هو أبوك، وأنا أعرف ذلك جيدًا. لا تسمح لكلمات شخص غاضب بأن تجعلك تشك في نفسك. ظل أيان يتأملها. ثم سأل بصوت خافت: — وأبي يعرف ذلك أيضًا؟ ابتسمت سولي، رغم الغصة التي شعرت بها. — أكثر مما تتخيل. اقترب أيان منها واحتضنها. ضمته سولي إلى صدرها، وأغمضت عينيها للحظة. كانت تتمنى لو تستطيع أن تحميه من كل كلمة جارحة، وكل نظرة متشككة، وكل صراع لا ذنب له فيه. لكنها لم تكن تستطيع إخفاء العالم عنه إلى الأبد. كان عليها أن تمنحه ما هو أهم من الحماية وحدها. كان عليها أن تعلمه أن الحقيقة التي يعرفها عن نفسه لا يستطيع أحد انتزاعها منه بسهولة. ربتت على ظهره، ثم قبّلت رأسه. — هيا، لنرَ غرفتك. فتحت إيلارا الباب، وانكشف أمامهم جناح ضيوف واسع تتوسطه غرفة جلوس صغيرة، تتصل بها غرفة نوم ذات نافذة كبيرة تطل على الحديقة الخلفية. كانت الألوان هادئة، والأثاث أنيقًا، وعلى الطاولة القريبة من النافذة مزهرية تحتوي على زهور بيضاء. دخل أيان ببطء. رفع رأسه نحو السرير الكبير، ثم اتجه إلى النافذة ليتأمل الحديقة. — ماما، انظري! هناك أشجار كثيرة! ابتسمت سولي. — نعم، يا حبيبي. — هل يمكنني الذهاب إليها لاحقًا؟ — عندما نرتاح قليلًا، ويمكننا أن نطلب من أبي أن يأتي معنا. التفت أيان إليها فورًا. — حقًا؟ — حقًا. ركض نحو السرير وقفز فوقه، ثم تمدد على ظهره ورفع ذراعيه إلى الأعلى. — هذا السرير كبير جدًا! ضحكت إيلارا وهي تضع يدها على خصرها. — يبدو أنك ستجد صعوبة في مغادرة القصر بعد اكتشاف كل هذه الأشياء. جلس أيان بسرعة. — هل توجد غرفة ألعاب أيضًا؟ رفعت إيلارا حاجبها وهي تنظر إلى سولي. — يا إلهي، يبدو أن علينا إجراء جولة كاملة في القصر. ضحكت سولي للمرة الأولى منذ المواجهة. — يبدو ذلك. ثم جلست على طرف السرير، وبدأت تمسح شعر أيان الذي تناثر فوق جبينه. — لكن قبل جولة القصر، نحتاج إلى أن نرتاح ونفك حقائبنا. هز رأسه موافقًا، ثم التفت إلى إيلارا. — هل ستساعديننا؟ ابتسمت إيلارا. — بالتأكيد يا سيد أيان. فكر الصغير لحظة. — هل يمكنني أن أناديكِ خالتي إيلارا؟ توقفت إيلارا للحظة، ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة دافئة. — يسعدني ذلك كثيرًا. أما سولي، فقد نظرت إلى صديقتها بشيء من التأثر. كان غريبًا كيف يمكن لكلمة صغيرة أن تعيد إليها ذكرى زمن بعيد، حين كانتا طفلتين لا تملكان الكثير، لكنهما كانتا تتقاسمان كل ما لديهما. اقتربت سولي منها وهمست: — شكرًا لأنكِ معنا. التفتت إيلارا إليها، وأمسكت يدها. — لا تقولي ذلك. أنتِ صديقتي، ولن أترككِ تواجهين كل هذا وحدكِ. ثم ابتسمت وأضافت بخفة: — لكنني سأعترف بشيء واحد... لم أتخيل يومًا أن أراكِ تدخلين قصر فيتالي من جديد، ومعكِ طفل يشبه لوكا إلى هذه الدرجة! ضحكت سولي بخفوت. — وأنا لم أتخيل ذلك أيضًا. كانت إيلارا على وشك أن تقول شيئًا آخر، عندما سُمعت خطوات صغيرة تركض في الممر. ثم انفتح الباب فجأة. — ماماااا! دخلت طفلة صغيرة بسرعة، وكادت تتعثر بطرف السجادة قبل أن تتوقف في منتصف الغرفة. كانت في عمر أيان تقريبًا، بشعر بني داكن وعينين واسعتين، وملامح تجمع بين نعومة إيلارا وتعبيرات لورينزو الواضحة؛ حتى إن الطريقة التي عقدت بها حاجبيها وهي تبحث عن أمها كانت نسخة مصغرة منه تمامًا. وقفت الطفلة للحظة، ثم رفعت رأسها. — ماما، كنت أبحث عنكِ! تجمدت سولي. نظرت إلى الطفلة، ثم إلى إيلارا. إيلارا نفسها بدت متفاجئة من دخولها المفاجئ، لكنها سرعان ما ضحكت ومدت ذراعها نحوها. — ثيا! كم مرة قلت لكِ ألا تركضي في الممرات؟ اقتربت الطفلة منها، ثم تشبثت بيدها. — لكنني أردت أن أراكِ! كانت سولي لا تزال تحدق بهما بدهشة. — إيلارا... انتظري قليلًا. التفتت إليها صديقتها. — ماذا؟ أشارت سولي إلى الطفلة. — من هذه الصغيرة؟ رمشت إيلارا، ثم انفجرت ضاحكة. — أتعنين أنكِ لم تستنتجي ذلك بعد؟ هزت سولي رأسها، ولا تزال غير مصدقة. — لا! انحنت إيلارا وحملت الطفلة إلى ذراعيها. — هذه ابنتي، ثيا. اتسعت عينا سولي. — ابنتكِ؟! أومأت إيلارا بفخر. — نعم، ابنتي الجميلة. نظرت سولي إلى ثيا مرة أخرى، ثم إلى ملامحها الصغيرة. — يا إلهي... إنها تشبهكِ وتشبه لورينزو كثيرًا! ضحكت إيلارا. — أعرف. أحيانًا أنظر إليها فأشعر أن لورينزو عاد طفلًا، لكنه ارتدى ثيابًا أصغر فقط! في تلك اللحظة، لو كانت ثيا تسمع حديثهما عن أبيها، لربما احتجت بالطريقة نفسها التي اعتاد لورينزو الاحتجاج بها كلما اتهمه أحد بالمبالغة. أما سولي، فلم تستطع منع نفسها من الاقتراب. — كم عمرها الآن؟ — خمس سنوات. وضعت إيلارا ابنتها على الأرض، ثم أمسكت يدها الصغيرة. — ثيا، تعالي. أريدكِ أن تتعرفي إلى سولي، صديقة ماما منذ كنا صغيرتين. رفعت ثيا عينيها نحو سولي. ثم ابتسمت ابتسامة خجولة. — مرحبًا. انحنت سولي حتى أصبحت في مستواها. — مرحبًا يا ثيا. أنتِ جميلة جدًا! احمر وجه الطفلة قليلًا، ثم أخفت نصفه خلف ذراع أمها. ضحكت إيلارا. — وهي أيضًا خجولة عندما تسمع المجاملات. لكن انتظري حتى تتحدث عن أبيها، فلن تتوقف! احتجت ثيا فورًا: — ماما! ازداد ضحك سولي. — أعتقد أنني سأحبها كثيرًا. رفعت إيلارا ذقنها بفخر. — بالطبع. إنها ابنتي! ثم أضافت بمكر: — والجزء المزعج فيها من أبيها. — سمعتكِ! — قالت ثيا بسرعة. تبادلت المرأتان نظرة، ثم انفجرتا بالضحك. لكن في تلك اللحظة، حدث شيء آخر. كان أيان جالسًا على طرف السرير، وقد التفت نحو ثيا منذ دخلت الغرفة. في البداية، كان ينظر إليها بفضول عادي، لكنه ما إن رفعت الطفلة عينيها إليه حتى سكن الاثنان للحظة. توقفت ثيا عن الاختباء خلف أمها. ونظرت إلى أيان. أما أيان، فمال برأسه قليلًا، متأملًا إياها كما لو أنه يحاول أن يتذكر أين رآها من قبل، رغم أنه لم يرها قط. قال ببراءة: — مرحبًا. أنا أيان. ازدادت حمرة وجنتي ثيا. — أ... أعرف. توقفت إيلارا عن الضحك ببطء. ثم نظرت إلى ابنتها. — تعرفين؟ ارتبكت ثيا، وهزت رأسها بسرعة. — أقصد... سمعت ماما تقول اسمه! رفعت إيلارا حاجبيها، بينما وضعت سولي يدها على فمها حتى لا تضحك. أما أيان، فلم ينتبه إلى الارتباك الذي أصاب الطفلة، بل نهض من مكانه واقترب منها. — هل تريدين أن تري رسمتي؟ اتسعت عينا ثيا. نظرت إلى يده، ثم إلى وجهه، ثم هزت رأسها بسرعة أكبر مما ينبغي. — نعم! أخرج أيان الورقة التي كان يحملها، ومدها نحوها. اقتربت ثيا لتراها، لكن أصابعهما تلامست للحظة عند طرف الورقة. سحبت ثيا يدها بسرعة، واحمر وجهها أكثر. تبادلتا سولي وإيلارا نظرة واحدة. نظرة طويلة. ثم حاولت كلتاهما إخفاء ابتسامتها. همست سولي لصديقتها: — هل أرى ما أظن أنني أراه؟ عضت إيلارا شفتها كي لا تضحك. — لا أعرف. لكن ابنتي لا تحمر هكذا حتى عندما يمدحها أبوها. سمعتهما ثيا، فاستدارت نحوهما بوجه أحمر تمامًا. — ماما! سولي! رفعت إيلارا يديها باستسلام. — ماذا؟ لم أقل شيئًا! قالت سولي وهي تبتسم: — وأنا أيضًا لم أقل شيئًا. ثم عادت ثيا تنظر إلى أيان، وكأنها لم تعد تعرف ماذا تفعل بيديها. أما أيان، فجلس بجانبها بكل بساطة وبدأ يشرح لها رسمته بحماس. — هذه ماما، وهذا أبي، وهذا أنا. وسأرسم بيتًا كبيرًا لنا جميعًا. نظرت ثيا إليه باهتمام. — هل ستعيشون هنا؟ — لا أعرف. لكن أبي قال إننا سنبقى معًا. ابتسم أيان، ثم أضاف: — وعندما نذهب إلى الحديقة، يمكن أن تأتي معنا. رفعت ثيا رأسها بسرعة. — حقًا؟ — نعم. ابتسمت له ابتسامة صغيرة، ثم عادت تنظر إلى الرسم. كانت سولي تراقبهما بصمت، وشعرت بأن شيئًا دافئًا بدأ يتسلل إلى قلبها بعد يوم مليء بالخوف. كان من الجميل أن ترى أيان يتعرف إلى طفل في عمره، وأن ينشغل بشيء بسيط بعيدًا عن اتهامات الكبار وصراعاتهم. التفتت إلى إيلارا، فوجدتها تنظر إلى ابنتها بالطريقة نفسها التي تنظر بها الأمهات إلى أسرار صغيرة بدأت تتكشف أمامهن. همست سولي: — أعتقد أننا سنواجه مشكلة صغيرة. ابتسمت إيلارا ابتسامة عريضة. — صغيرة جدًا... اسمها ثيا وأيان! كادت سولي تضحك بصوت مرتفع، لكنها تمالكت نفسها حين التفت الطفلان إليهما. ثم نهضت إيلارا وقالت: — حسنًا، سأساعدكِ على ترتيب أغراضكِ. وبعد ذلك يمكننا أن نترك هذين الاثنين يتحدثان عن الرسومات والحدائق. نظرت سولي إلى أيان، الذي كان يشرح لثيا الآن كيف رسم شعر أبيه الأسود. ثم همست: — يبدو أنه نسي كل ما حدث قبل قليل. أجابت إيلارا بهدوء: — الأطفال يجدون أحيانًا طريقًا صغيرًا للعودة إلى الفرح، حتى عندما يعجز الكبار عن ذلك. نظرت سولي إليها بامتنان. ثم بدأت المرأتان في ترتيب الحقائب التي أحضرها الخدم بعد قليل، ووضعت سولي ثياب أيان في الخزانة الصغيرة، بينما ساعدتها إيلارا في ترتيب أغراضها. وبين حين وآخر، كانت تلتفتان إلى السرير حيث يجلس الطفلان. ثيا تسأل أيان عن رسمته. وأيان يجيبها بحماس. وكلما نظرت إليه، كانت ثيا تخفض عينيها بسرعة، ثم تبتسم دون أن تشعر. لم تستطع إيلارا الصمود طويلًا. اقتربت من أذن سولي وهمست: — أظن أنني سأضطر إلى مراقبة ابنتي جيدًا من اليوم فصاعدًا. شهقت سولي وضربت ذراعها بخفة. — إيلارا! ضحكت الأخرى. — ماذا؟ أنا أم حريصة! — عمرهما خمس سنوات! — وهل قلت شيئًا آخر؟ أنا أتحدث عن الصداقة والرسومات واللعب في الحديقة. نظرت إيلارا إلى ثيا، ثم أضافت بخبث: — على الأقل... هذا ما سأقوله للورينزو إذا سألني لماذا تنظر ابنتنا إلى أيان وكأنها نسيت كيف تتنفس. انفجرت سولي ضاحكة، بينما رفعت ثيا رأسها مجددًا. — أنا أسمعكما! اقتربت منها إيلارا وقبّلت خدها. — وهذا لأن أذنيكِ ممتازتان يا صغيرتي. ثم عادت ثيا إلى أيان وهي تتمتم باعتراض خافت، فضحك أيان دون أن يعرف ما الذي أثار كل هذا الضجيج حولهما. وللحظات قليلة، بدت الغرفة وكأنها عالم منفصل عن بقية القصر. عالم فيه أمّان تتبادلان الذكريات، وطفلان يتعارفان، وضحكات صغيرة تحاول أن تجد مكانًا لها بين جدران اعتادت سماع الأوامر والتهديدات. لكن في الجهة الأخرى من القصر، لم يكن لوكا يملك رفاهية الاستمتاع بتلك اللحظات. فقد كان يجلس الآن خلف مكتبه، وحوله أوراق كثيرة، بينما بقي الملف الذي وضعه أحد الخدم على الطاولة أمامه مفتوحًا على صفحة فارغة. كان يقرأ الكلمات نفسها في ذهنه مرة بعد أخرى. وثائق وتقارير تؤكد أن سولي حملت من رجل آخر. شد فكه. — هراء... تمتم بها، ثم مرّر يده على وجهه. لم يكن يشك بسولي. لم يكن الشك قد مرّ في ذهنه حتى لثانية واحدة. هو يعرفها. يعرف كم عانت، وكم تحملت وحدها، ويعرف أنها لم تكن لتعود إليه لو كانت تريد استغلال اسمه أو مكانته. كان بإمكانها أن تبقى في سويسرا، وأن تواصل حياتها بعيدًا عنه، بعيدًا عن القصر والعائلة وكل ما يمثله. لكنها عادت. عادت من أجل أيان، ومن أجل مواجهتهم، رغم أنها تعرف تمامًا ما الذي ينتظرها هنا. والأهم من ذلك كله... حين واجهها مورفون أمام الجميع، لم تتردد سولي لحظة واحدة في الدفاع عن الحقيقة. رأى الخوف في عينيها، نعم، لكنه رأى أيضًا شيئًا أقوى منه. رأى أمًا مستعدة للوقوف أمام الرجل الذي تخشاه حتى لا يسمح لأحد بإيذاء ابنها. لم يكن يستطيع أن يشك بها بعد ذلك. ومع ذلك، لم يستطع تجاهل الطريقة التي تحدث بها جده. مورفون لم يبدُ غاضبًا فحسب. كان واثقًا. واثقًا إلى درجة أنه جاء بالملف بنفسه، وواجه لوكا أمام أفراد العائلة، ثم حاول انتزاع أيان من والديه دون أن يمنحهما فرصة للتفكير. لو كان يريد مجرد استفزازهما، لما احتاج إلى كل تلك الأوراق. أو ربما كان يعرف أن الوثائق وحدها لا تكفي، فأراد أن يضغط عليهما بالخوف. ضرب لوكا طرف القلم على المكتب مرة واحدة. ثم توقف. — من أين حصل عليها؟ كان هذا السؤال يدور في رأسه منذ خرج مورفون من الصالة. إذا كانت الأوراق مزيفة، فمن صنعها؟ وإذا كانت حقيقية من حيث الشكل فقط، فمن أين أتت المعلومات التي بُنيت عليها؟ وإذا كان جده يعتقد فعلًا أن أيان ليس ابنه، فلماذا اختار هذا التوقيت بالذات ليعلن ذلك؟ أغلق لوكا عينيه للحظة. كان يعرف أن جده لا يفعل شيئًا دون سبب. ومع ذلك، لم يكن مستعدًا لتصديق كلمة واحدة مما قاله عن سولي. فتح عينيه مجددًا ونظر إلى الملف. — سأكتشف ما الذي تخفيه، يا جدي. لكن حين قالها، لم يكن يقصد سولي. كان يقصد مورفون. فقد أصبح مقتنعًا بأن الرجل لم يكشف عن كل أوراقه بعد. في تلك اللحظة، سُمع طرق على الباب. رفع لوكا رأسه. — ادخل. فُتح الباب، وظهر لورينزو. دخل وهو يحمل كوبين من القهوة، وأغلق الباب خلفه بقدمه قبل أن يتجه نحو المكتب. — توقعت أن أجدك هنا. وضع أحد الكوبين أمام لوكا، ثم جلس في المقعد المقابل له دون انتظار دعوة. لكن ابتسامته المعتادة لم تظهر هذه المرة. كان قد رأى وجه مورفون في الصالة، وسمع اتهاماته، وشاهد كيف تشبث أيان بلوكا. كما رأى سولي تقف في وجه الرجل الذي يخشاه الجميع. ولم يستطع إخراج ذلك المشهد من رأسه. نظر إلى لوكا طويلًا، ثم قال: — كيف حالهما؟ لم يحتج لوكا إلى السؤال عمّن يقصد. — سولي مع أيان في غرفة الضيوف. إيلارا ذهبت معهما. أومأ لورينزو. — جيد. ثيا كانت متحمسة منذ عرفت أنكما عدتما. أظن أنها ستُرهق أيان بالحديث قبل نهاية اليوم. ارتفعت زاوية فم لوكا قليلًا. — ربما يكون ذلك أفضل من سماع تهديدات جدنا. — أتفق معك. ساد الصمت لثوانٍ. ثم أشار لورينزو إلى الملف الموضوع على المكتب. — هل هذا هو الملف الذي أخرجه مورفون؟ أومأ لوكا. اقترب لورينزو من الطاولة، ومد يده نحوه، لكنه توقف قبل أن يلمسه. — هل قرأته؟ — ليس بعد. لا أريد أن أتعامل مع شيء كهذا قبل أن أتحقق من مصدره. جلس لورينزو باستقامة. — وهل تصدقه؟ رفع لوكا عينيه إليه فورًا. — لا. جاءت الإجابة حاسمة، دون تردد. ثم تابع بصوت أكثر انخفاضًا: — أنا لا أشك في سولي يا لورينزو. ولا في أن أيان ابني. أومأ لورينزو ببطء. — لم أظن أنك ستشك بها. — لن أفعل. قالها لوكا بصرامة، ثم أسند ظهره إلى المقعد. — لكن جدي كان متأكدًا جدًا من كلامه. لم يكن يتصرف كرجل يرمي اتهامًا عشوائيًا. كان يتحدث وكأنه يعرف تمامًا ما الذي يريد أن يجعلنا نصدقه. عقد لورينزو حاجبيه. — مورفون يستطيع أن يتظاهر بالثقة حتى عندما لا يملك شيئًا. — أعرف. — ويمكنه أن يزوّر أوراقًا، أو يشتري من يشهد بما يريد. نظر لوكا إلى الملف. — هذا ما أفكر فيه. سكت لورينزو لحظة، ثم سأله: — هل تعتقد أنه صنع هذه القصة بنفسه؟ مرّر لوكا إصبعه على حافة الملف. — لا أعرف بعد. لكن هناك أمر لا يعجبني. — ما هو؟ رفع لوكا عينيه. — لو كان هدفه مجرد إهانة سولي، لكان اكتفى باتهامها أمام العائلة. لكنه جاء بأوراق، وتحدث عن تقارير، ثم حاول إخراج أيان من القصر بالقوة. كان يريد أن يجعلنا نتعامل مع كلامه وكأنه حقيقة محسومة. تغيّرت ملامح لورينزو. — وربما كان يريد أن يدفعك إلى التصرف بغضب، فتتسرع في رفض الأوراق دون فحصها. أومأ لوكا. — أو أن يدفع سولي إلى الانهيار، فتظن أنها مضطرة إلى الرحيل مرة أخرى. تذكر وجهها وهي تقف أمام مورفون. كيف ارتجفت يداها، لكنها لم تتراجع. وكيف نظرت إلى لوكا أمام الجميع وقالت إنها لم تخنه يومًا. شد لوكا قبضته قليلًا فوق المكتب. — لن أسمح له بأن يجعلها تدفع ثمن أكاذيبه مرة أخرى. راقبه لورينزو بصمت، ثم قال: — إذًا ما خطتك؟ أخذ لوكا رشفة صغيرة من القهوة، لكنه لم يبدُ كأنه شعر بطعمها. — سأفحص الوثائق في مختبر مستقل. وسأتحقق من كل اسم وتاريخ وتوقيع فيها. أريد أن أعرف من أصدرها، ومتى، ومن كانت لديه إمكانية الوصول إلى المعلومات التي تتضمنها. — وفحص النسب؟ — سنجريه بالطريقة الصحيحة، بعيدًا عن رجال مورفون ونفوذه. أومأ لورينزو. — جيد. لكن هناك شيء آخر. رفع لوكا عينيه إليه. — تفضل. — جدي يعرف أنك تحب سولي الآن، وأنك لن تتخلى عن أيان. إذا كان يريد ضربك في نقطة حساسة، فلا أظن أن هدفه مجرد التشكيك في نسب الطفل. ضاقت عينا لوكا قليلًا. — بل يريد أن يجعلني أختار بين عائلتي وبينهما. — بالضبط. ساد الصمت مجددًا. كان كلاهما يعرف أن مورفون يضع التقاليد واسم فيتالي فوق كل شيء، وأن فكرة وجود وريث لا يثق بنسبه قد تتحول، في نظره، إلى تهديد لمستقبل العائلة. لكن لوكا لم يكن مستعدًا للسماح له بأن يقرر من يستحق أن يكون ابنه. قال لورينزو بصوت أكثر جدية: — لوكا، مهما أخرج من أوراق، لن نسمح له بإبعاد أيان عنك. وإذا احتجت إلى مساعدتي في التحقق من شيء، فأخبرني. نظر إليه لوكا طويلًا. — سأحتاج إليك، لكنني أريدك أن تتحرك بحذر. لا أريد أن يعرف جدي ما الذي نبحث عنه قبل أن نفهم مصدر الملف. أومأ لورينزو. — سأبدأ بالتحقق من الأشخاص الذين تعاملوا مع هذه الأوراق، إن أمكنني الوصول إلى أسمائهم. ولن أثير الشكوك حولنا. — جيد. نهض لورينزو، لكنه لم يتجه إلى الباب مباشرة. بقي واقفًا أمام المكتب، ثم قال بنبرة أخف: — وعلى فكرة، هل لاحظت أن ثيا لم تتوقف عن الحديث عن أيان منذ رأتْه؟ رفع لوكا عينيه إليه ببطء. — لورينزو. ابتسم ابن عمه. — ماذا؟ أنا أتحدث عن الأطفال فقط. — اخرج. ضحك لورينزو. — كنت أعلم أنك ستقول ذلك. اتجه نحو الباب، لكنه توقف قبل أن يفتحه. ثم التفت إلى لوكا، وعادت الجدية إلى ملامحه. — اسمعني. أنت لست مضطرًا إلى مواجهة مورفون وحدك. ظل لوكا ينظر إليه. — أعرف. — لا، أريدك أن تتذكر ذلك فعلًا. سولي عادت، وأيان هنا، والعائلة لم تعد كما كانت قبل خمس سنوات. لا تدع جدي يقنعك بأنك مضطر إلى التضحية بأحدهما حتى تحافظ على الآخر. لم يجب لوكا مباشرة. نظر إلى النافذة خلف المكتب، حيث كانت أشعة الشمس تتسلل بين الأشجار في الحديقة. ثم قال بصوت هادئ: — لن أضحي بهما. ابتسم لورينزو ابتسامة صغيرة. — كنت أعرف أنك ستقول ذلك. فتح الباب وخرج، تاركًا لوكا وحده من جديد. لكن هذه المرة، لم يعد يشعر بأنه يحمل الشكوك كلها على كتفيه وحده. مد يده نحو الملف. فتحه ببطء، وأخرج أول ورقة منه. تأملها طويلًا. كان هناك اسم، وتاريخ، وختم رسمي. كل شيء بدا مقنعًا للوهلة الأولى. لكن لوكا لم يكن رجلًا يصدق المظاهر بسهولة، ولا سيما حين تأتي من مورفون. قلب الصفحة. ثم الثانية. وعند الصفحة الثالثة، توقف إصبعه فوق أحد التواريخ. عقد حاجبيه. أعاد النظر إليه، ثم قرّب الورقة من عينيه. كان هناك شيء لا يتطابق مع ما يعرفه عن السنوات التي عاشتها سولي بعيدًا عنه. شيء صغير قد لا يلاحظه أي شخص يقرأ الملف بسرعة. لكنه لاحظه. رفع رأسه ببطء، وقد اختفت كل ملامح المزاح التي ظهرت حين كان يتحدث مع لورينزو. — ما الذي تحاول إخفاءه بالضبط، يا مورفون؟ أعاد الورقة إلى مكانها، وأغلق الملف. لم يكن لديه بعد دليل على أن الأوراق مزيفة. لكنه امتلك الآن سببًا إضافيًا كي لا يصدقها. وفي غرفة الضيوف، كانت سولي تجلس إلى جانب أيان، بينما تحاول إيلارا أن تجعل الصغير يضحك، وكانت ثيا تريه رسمًا صغيرًا رسمته بنفسها. ضحك أيان وهو يشير إلى إحدى الشخ🥹❤️🩹 يا أصدقائي، بدي آخد رأيكم بشغلة مهمة! بعد الأحداث الأخيرة، وخصوصًا بعد ما اكتشفنا إن الحياة السعيدة اللي عاشها لوكا مع سولي وأيان كانت مجرد حلم، صرت أفكر بمسار الرواية ونهايتها. بصراحة، كنت مخططة من البداية إن قصتهم تكون سعيدة، وإن أيان يعيش قصة حب خاصة فيه مع ثيا، لكنني قررت أغيّر المسار وأجعل الأحداث أكثر حزنًا وتأثيرًا. والآن بدي أعرف رأيكم أنتم! 🥺 أي مسار بتحبوا نكمل فيه الرواية؟ 💔 الخيار الأول: نكمل بالنهاية الحزينة، ونعيش مع لوكا تبعات خسارته لسولي وأيان، ونكتشف كيف رح يكمل حياته بعد كل هالسنين. ❤️🩹 الخيار الثاني: نغيّر مسار الرواية، ونرجع لفكرة المستقبل السعيد اللي كنت مخططة إله، ونمنح الشخصيات فرصة تعيش الحب والحياة اللي حلمت فيها. 💌 شاركوني رأيكم بالتعليقات، واحكولي ليش اخترتوا هالمسار. رأيكم مهم بالنسبة إلي، وبحب أعرف كيف أثّرت فيكم الأحداث الأخيرة!
[عشر سنوات من دونكما] فتح لوكا عينيه ببطء. ظلّ مستلقيًا في مكانه، يحدق في السقف بصمت، بينما كان ضوء الصباح يتسلل من بين الستائر ويرسم خطوطًا باهتة فوق الجدران. احتاج إلى بضع ثوانٍ حتى يستوعب أين هو. ثم أدار رأسه نحو الجانب الآخر من السرير. كان فارغًا. لم تكن هناك سولي. لا شعرها الأسود المنسدل فوق الوسادة، ولا ملامحها الهادئة التي اعتاد أن يتأملها في أحلامه، ولا ابتسامتها الصغيرة التي كانت تظهر كلما ناداها باسمها. مدّ يده نحو المكان الذي تخيلها نائمة فيه. لم تلامس أصابعه سوى الملاءة الباردة. توقفت يده في الهواء للحظة، ثم أنزلها ببطء. عاد الصمت. ذلك الصمت الذي عرفه جيدًا، حتى صار جزءًا من حياته. أغمض عينيه مجددًا، محاولًا الاحتفاظ ببقايا الحلم قبل أن تتلاشى تمامًا. قبل لحظات، كانت سولي بين ذراعيه. كان الخاتم يلمع في إصبعها، وكانت تضحك وهي تتهمه بأنه رجل مزعج لا يعرف كيف يتوقف عن مفاجأتها. كانت قد وافقت على الزواج منه مرة أخرى. كانا قد تحدثا عن منزلهما الجديد، وعن مخبزها، وعن الغرفة التي أراد تخصيصها لأيان، وعن الصباحات العادية التي تمنّيا أن يعيشاها معًا. وكان أيان هنا
[ ليلةٌ تشبه الوعد] استمر لوكا وسولي في السير بين أحواض التوليب لبعض الوقت. كانت أصابعهما متشابكة، والخاتم الجديد يلمع في إصبع سولي كلما مرّا تحت أحد الفوانيس الصغيرة. وبين حين وآخر، كانت ترفع يدها أمام عينيها لتتأمله من جديد، وكأنها لا تزال تحاول استيعاب أن الرجل الذي راكع أمامها منذ دقائق هو نفسه لوكا فيتالي الذي ارتبطت به يومًا بقرار لم يكن لها فيه رأي. لاحظ لوكا حركتها للمرة الثالثة، فابتسم. — أعتقد أنكِ نظرتِ إلى الخاتم مرات أكثر مما نظرتِ إليّ منذ وافقتِ. رفعت سولي رأسها بسرعة. — هذا غير صحيح! — حقًا؟ — نعم. خفض عينيه إلى يدها. — إذًا، هل تسمحين لي بأن أصدقكِ؟ أخفت سولي يدها خلف ظهرها، وقد احمر وجهها. — أنت مزعج! ضحك لوكا، ثم اقترب منها قليلًا. — ومع ذلك، وافقتِ على الزواج مني مرة أخرى. — لا تجعلني أغيّر رأيي. رفع يديه مستسلمًا، لكن ابتسامته لم تختفِ. — لن أفعل. لقد احتجت إلى شجاعة كبيرة كي أطلب منكِ ذلك، ولا أنوي المخاطرة بكل شيء بسبب مزحة. توقفت سولي عن الابتسام للحظة، ونظرت إليه بتمعّن. كان يمزح معها، نعم، لكنها لاحظت أن صوته يحمل صدقًا عميقًا حين يتحدث عن
الفصل — هذه المرة... لأن قلبي اختاركِ كانت الشمس تميل نحو الغروب عندما دخلت سيارات عائلة فيتالي إلى ساحة القصر. بعد يوم طويل في المحكمة، بدا الجميع وكأنهم يحملون فوق أكتافهم تعب شهر كامل، لا مجرد ساعات قليلة. ورغم أن الحكم قد صدر، وأن مورفون لم يعد حرًّا كما كان، فإن ما مرّت به العائلة لم يكن أمرًا يمكن نسيانه ببساطة. لكن وسط ذلك التعب، كان هناك شعور جديد يتسلل إلى القلوب. شعور بأنهم يستطيعون أخيرًا أخذ نفس عميق دون انتظار تهديد آخر. ما إن توقفت سيارة لوكا حتى فُتح الباب الرئيسي للقصر، وظهرت جدة سولي عند المدخل. كانت تقف قرب الدرج، ترتدي ثوبًا أنيقًا وشالًا خفيفًا على كتفيها، وملامحها تحمل قلقًا لم تستطع إخفاءه منذ الصباح. وعندما رأت سولي تنزل من السيارة ممسكة بيد أيان، تغير وجهها فورًا. — سولي! تقدمت بسرعة نحوهم. تركت سولي يد لوكا للحظة، وأسرعت إلى جدتها، ثم ارتمت بين ذراعيها. — جدتي... احتضنتها المرأة بقوة، وراحت تربت على ظهرها. — الحمد لله أنكِ عدتِ يا ابنتي. أغمضت سولي عينيها، واستندت إلى كتفها للحظات. لم تكن بحاجة إلى أن تسألها جدتها عما حدث داخل المحكمة؛ فقد قرأت ا
[ الحكم الأخير: العدالة من أجل أيان] بعد مرور شهر مرّ شهر كامل منذ اليوم الذي أُخرج فيه مورفون من قصر فيتالي تحت حراسة السلطات. شهرٌ لم يكن عاديًا بالنسبة إلى أيٍّ منهم. ففي الخارج، تحولت القضية إلى واحدة من أكبر القضايا التي شهدتها إيطاليا في السنوات الأخيرة. انتشرت الأخبار في الصحف والقنوات التلفزيونية، وتناقلت وسائل الإعلام تفاصيل اختطاف طفل من داخل قصر عائلة فيتالي، والتقارير الطبية المزورة، والمستشفى الخاص الذي استُخدم لإخفاء مخطط غير قانوني، إضافةً إلى التحقيقات التي كشفت عن صلات محتملة بين مورفون وشبكات إجرامية. ولم تتوقف المفاجآت عند ذلك. فمع استمرار التحقيق، ظهرت وثائق قديمة وشهادات جديدة أعادت فتح ملف وفاة إيدريان ميرافيل وزوجته. بدأت الأدلة تشير إلى أن رفض إيدريان استخدام شركته في عمليات غير قانونية كان أحد الأسباب التي دفعت مورفون إلى الانتقام منه، وأن القضية التي ظن الجميع أنها أُغلقت منذ سنوات لم تكن سوى سرٍّ دُفن تحت النفوذ والخوف. لكن هذه المرة، لم يكن مورفون قادرًا على إغلاق الملف كما فعل سابقًا. كان خلف القضبان، ينتظر المحاكمة. وكانت الأدلة تُعرض تباعًا أمام
[من أجل أيان... سأسقط إمبراطورية كاملة] كان الليل قد انتصف تقريبًا، ومع ذلك لم يكن أحد في القصر مستعدًا للنوم. بعد عودة أيان، تحولت الغرفة إلى مكان يعجّ بالحركة الهادئة. كان الطبيب يطمئن إلى حالته بين حين وآخر، وأحضرت الخادمة له ملابس نظيفة وبطانية ناعمة، بينما بقيت سولي إلى جانبه، لا ترفع عينيها عنه إلا لتتأكد من أن صدره الصغير ما زال يرتفع وينخفض بانتظام. أما لوكا، فكان يقف قرب النافذة صامتًا. لم يستطع أن ينسى المشهد الذي رآه في المستشفى. ابنه الصغير، الذي كان يركض في الصباح حاملًا رسوماته ويطلب منه أن يلعب معه، مستلقيًا بلا حراك على سرير بارد، بينما كان غرباء يستعدون لارتكاب أمر لا يُغتفر بحقه. كلما تذكر ذلك، اشتدّ فكّه وانقبضت يداه. لكنه لم يسمح لغضبه بأن يطغى على اللحظة الوحيدة التي كان ينتظرها منذ ساعات طويلة. أن يستيقظ أيان، وينظر إليه بعينيه الصغيرتين، ويناديه مرة أخرى: أبي. --- تحرك أيان تحت البطانية، ثم فتح عينيه ببطء. كانت عيناه لا تزالان مثقلتين، وملامحه الصغيرة تحمل آثار التعب. كان أول ما رآه وجه أمه. كانت سولي جالسة قربه، تمسك يده بين كفّيها، وما إن لاحظت أ