ログイン[أخاف أن تشكّ بي]
كان المساء قد بدأ ينسدل على قصر فيتالي، ناشرًا ضوءًا ذهبيًا خافتًا على الممرات الطويلة. داخل غرفة الضيوف، كانت سولي تجلس على طرف السرير، بينما جلس أيان بجانبها، واضعًا رسوماته فوق الغطاء، يتحدث بحماس عن الأشياء التي يريد أن يفعلها في اليوم التالي. — ماما، هل يمكنني أن أذهب إلى الحديقة مع أبي غدًا؟ ابتسمت سولي وهي تتأمل رسمة في يده. — إذا كان أبوك متفرغًا، بالطبع. رفع أيان عينيه إليها فورًا. — سأطلب منه! سيوافق، أليس كذلك؟ ضحكت بخفة. — أنت تعرف كيف تقنعه أكثر مني. ابتسم أيان بفخر، ثم عاد إلى رسمته. كانت سولي تحاول مجاراته في الحديث، لكن ذهنها ظل يعود رغمًا عنها إلى ما حدث في الصالة. إلى الملف الذي رفعه مورفون أمام الجميع. إلى نبرته الواثقة وهو يتهمها بالخيانة. وإلى اللحظة التي أمسك فيها بذراع أيان، وكاد ينتزعه منها. كلما تذكرت ذلك المشهد، شعرت بأن أصابعها تنقبض وحدها. لم تكن تخشى أن يشكك مورفون فيها؛ فقد توقعت منه أن يحاول إيذاءها يومًا ما. لكنها لم تكن مستعدة لأن يستخدم ابنها وسيلة للضغط عليها، وأن يجعل أيان نفسه يسمع كلمات قد تزرع داخله أسئلة لا ينبغي لطفل في عمره أن يحملها. تنهدت بصمت. لاحظ أيان ذلك، فرفع رأسه. — ماما، هل أنتِ حزينة؟ تبدلت ملامحها على الفور. ابتسمت، ومدت يدها تمسح شعره عن جبينه. — قليلًا فقط، يا حبيبي. — بسبب جدي؟ توقفت يدها للحظة. لم ترد أن تكذب عليه، لكنها لم ترد أيضًا أن تحمله عبئًا أكبر من عمره. — بسبب ما حدث اليوم. لكنني سأكون بخير. نظر إليها أيان بجدية، ثم اقترب منها وعانقها. — لا تحزني. أنا هنا معكِ. أغمضت سولي عينيها واحتضنته بقوة. يا إلهي، كم كانت تتمنى أن تحمي قلبه الصغير من كل ما يحيط به! قبّلت أعلى رأسه وهمست: — أعرف يا حبيبي. وجودك معي يجعلني أقوى. وفجأة، سُمعت طرقات خفيفة على الباب. رفع أيان رأسه. — من هذا؟ ابتسمت سولي. — ربما يكون أبوك. لم تنتظر حتى تنهض، فقد انفتح الباب بعد أن سُمع صوت لوكا من الخارج: — هل يمكنني الدخول؟ أجابته سولي: — تفضّل. ظهر لوكا عند الباب، مرتديًا قميصًا أسود كانت أكمامه مطوية حتى ساعديه، وبدا على وجهه شيء من الإرهاق رغم محاولته إخفاءه. كان قد أمضى الساعات الماضية في مكتبه، يراجع الأوراق التي تركها مورفون، ويحاول فهم التناقض الصغير الذي لفت انتباهه في أحد التواريخ. لم يصل بعد إلى إجابة. وكلما حاول أن يركز في الوثائق، ظهرت أمامه صورة أيان وهو يتشبث به في الصالة، مرتعبًا من أن يُنتزع من والده. ثم تذكّر الطريقة التي نادت بها سولي مورفون، وكيف وقفت أمامه رغم خوفها، ودافعت عن الحقيقة دون أن تتراجع. رفع عينيه نحو الغرفة. كانت سولي تجلس إلى جانب ابنه، وشعرها الأسود منسدل حول كتفيها، فيما كانت تستمع إلى حديثه الصغير بانتباه. لبضع ثوانٍ، بقي لوكا واقفًا عند الباب دون أن يتكلم. كان المشهد بسيطًا للغاية. أمّ تجلس مع ابنها. ورسومات مبعثرة فوق السرير. وحياة عادية كان من المفترض أن يكون جزءًا منها منذ خمس سنوات. لكن مورفون كاد يسرق منهم حتى تلك البساطة. وفجأة، لمح أيان وجوده. اتسعت عينا الصغير، واختفت كل ملامح التعب عن وجهه. — بابا! قفز عن السرير وركض نحوه بكل حماسه. لم يستطع لوكا منع الابتسامة التي ظهرت على وجهه. انحنى في اللحظة المناسبة، فاندفع أيان إلى ذراعيه ولفّهما حول عنقه. — بابا! لقد جئت! ضمّه لوكا بقوة، ورفع جسده الصغير عن الأرض قليلًا. — بالطبع جئت يا بطل. ألم أقل لك إنني سأمر للاطمئنان عليكما؟ ضحك أيان، ثم التصق به أكثر. — ظننت أنك ستتأخر. — وهل كنت ستغضب مني؟ أومأ أيان بجدية مصطنعة. — كثيرًا. رفع لوكا حاجبه. — كثيرًا؟ حسنًا، يبدو أنني أحتاج إلى تقديم اعتذار رسمي. ضحك الطفل. — نعم! قبّل لوكا وجنته، ثم أنزله قليلًا حتى يتمكن من النظر إلى وجهه. — إذًا، أقبل الاعتذار أم أحتاج إلى محاولة ثانية؟ فكر أيان، ثم مد ذراعيه حول عنقه من جديد. — هذه المرة سامحتك. ضحك لوكا، لكن ضحكته خفتت تدريجيًا حين سمع أيان يهمس قرب أذنه: — لا تتأخر عليّ مرة ثانية، بابا. تجمّد شيء داخل صدره. لم يكن نداء «بابا» جديدًا عليه تمامًا، فقد سمعه من أيان من قبل، لكن كل مرة كان يسمعه فيها يشعر وكأنه يتلقى ضربة مباشرة إلى قلبه؛ ضربة تحمل الحب والفرح، وتذكّره في الوقت نفسه بكل ما فاته. هذه المرة، كان الأمر أشد. لأن صوت ابنه لم يكن يحمل الحماس وحده. كان يحمل خوفًا صغيرًا، خوف طفل سمع رجلًا بالغًا يشكّك في حقه بوالده، ثم رأى ذلك الرجل نفسه يحاول أخذه بعيدًا. أحاط لوكا ظهره بذراعه، ووضع كفه خلف رأسه الصغير. — لن أتأخر عنك عمدًا، يا بني. ثم أضاف بصوت دافئ: — وإن اضطررت إلى الذهاب لبعض الوقت، فسأخبرك دائمًا. لن أختفي دون أن تعرف أين أنا، اتفقنا؟ ابتعد أيان قليلًا لينظر إليه. — وعد؟ رفع لوكا إصبعه الصغير وربطه بإصبع ابنه. — وعد. ابتسم أيان أخيرًا. لكن لوكا ظل ينظر إلى وجهه لثوانٍ أخرى، متأملًا ملامحه التي تحمل الكثير من ملامحه هو. العينين الداكنتين. الشعر الأسود. وطريقة عقد الحاجبين حين يحاول التفكير في أمر جاد. كيف أمكن لمورفون أن ينظر إلى هذا الطفل ويشكك في نسبه بهذه السهولة؟ كيف أمكن له أن يحوّل حقيقة واضحة إلى سلاح؟ شعر لوكا بشيء ساخن يندفع في صدره، لكنه كبته قبل أن يظهر على وجهه. لم يكن سيترك غضبه يفسد هذه اللحظة. فأيان لم يكن بحاجة إلى أب غاضب الآن. كان بحاجة إلى أب يطمئنه بأنه لن يتركه. شدّ لوكا ذراعيه حوله مرة أخرى، ثم قبّل جبينه. — اشتقت إليك اليوم، هل تعرف ذلك؟ ابتسم أيان. — لكنك رأيتني اليوم! — أعرف. — إذًا كيف اشتقت إليّ؟ نظر لوكا إليه بجدية مصطنعة. — لأنك كنت بعيدًا عني لبعض الوقت، وهذه مشكلة كبيرة. ضحك أيان، ثم التفت نحو سولي وكأنه يريد أن يجعلها شاهدة على هذا الاعتراف. — ماما! أبي يقول إنه اشتاق إليّ! ابتسمت سولي وهي تنظر إليهما. — سمعته يا حبيبي. ثم أضافت بمكر خفيف: — يبدو أنك أصبحت تعرف كيف تجعل أباك يقول أشياء لم يكن يقولها لأحد. رفع لوكا عينيه إليها. — هل لديكِ اعتراض؟ هزت سولي رأسها. — لا، على الإطلاق. لكنها لاحظت شيئًا في وجهه. كانت ابتسامته موجودة، وحنانه تجاه أيان واضحًا، إلا أن ذهنه بدا في مكان آخر. فعيناه كانتا تشرُدان بين لحظة وأخرى، وفكه ينقبض كلما سكت الطفل للحظات. كانت تعرف لوكا بما يكفي لتلاحظ أن شيئًا يثقله. لم تكن تلك ملامح رجل متعب فحسب. كان هناك أمر يحاول أن يحسمه داخله. وسولي، التي أمضت سنوات تخشى أن تكون موضع شك، شعرت بالقلق يعود إلى قلبها ببطء. --- — أبي، انظر إلى الرسم الذي صنعتُه! ابتعد أيان عن لوكا وركض نحو السرير، ثم التقط ورقة وعاد بها. فردها أمام والده بفخر. كانت الرسمة تمثل ثلاثة أشخاص يمسكون أيدي بعضهم؛ امرأة بشعر أسود طويل، ورجل طويل بجوارها، وطفل يقف بينهما. وفوقهم شمس كبيرة، وعلى الجانب منزل بأربع نوافذ. نظر لوكا إليها طويلًا. — من هؤلاء؟ أشار أيان إلى الشخص الأول. — هذه ماما. ثم أشار إلى الرجل. — وهذا أنت. ثم وضع إصبعه الصغير على الطفل الذي يقف بينهما. — وهذا أنا! ابتسم لوكا. — أرى ذلك. لكن لماذا جعلتني بهذا الطول؟ نظر أيان إلى الرسمة باهتمام. — لأنك طويل. — وماذا عن شعري؟ هل تظن أنه يبدو هكذا فعلًا؟ ضحك أيان. — نعم! — إذًا لا يمكنني الاعتراض. ثم أمسك الرسم بعناية، وكأنه شيء ثمين. — إنها جميلة جدًا يا بني. رفع أيان وجهه بسعادة. — سأعلّقها في غرفتي! — سنجد لها مكانًا مميزًا. تردد الطفل قليلًا، ثم سأل: — هل ستبقى عندنا عندما ننام؟ أومأ لوكا. — سأبقى معكما لبعض الوقت. — وهل ستقرأ لي قصة؟ — إذا اخترت قصة جيدة. ركض أيان إلى حقيبته الصغيرة، وأخرج كتابًا مصورًا كان قد أحضره معه. — هذه! أخذ لوكا الكتاب وقلب غلافه. — قصة التنين الذي لم يكن يعرف كيف يطير؟ أومأ أيان بحماس. — نعم! لأنه خائف، لكنه يحاول كل مرة. نظر لوكا إلى غلاف الكتاب لثانية أطول مما ينبغي. تنين صغير يحاول الطيران رغم خوفه. كادت سولي تبتسم، لكن تعبير وجهها توقف حين رأت عيني لوكا تسرحان من جديد. كان يقرأ العنوان، لكنه لم يكن يفكر في القصة. كان يفكر في الملف. وفي تلك الوثائق التي لم يكتشف حقيقتها بعد. وفي احتمال أن يكون مورفون قد بنى خطته على شيء أعمق من مجرد اتهام. شعرت سولي بوخزة في قلبها. لم تكن تريد أن تسيء فهمه، لكنها لم تستطع منع نفسها من التساؤل. هل كان لوكا يفكر في كلام مورفون؟ هل بدأ يتذكر السنوات التي غابت فيها عنه؟ هل أخذ يتساءل عمّا كانت تفعله بعيدًا عنه، ومن كان معها، وكيف عاش أيان سنواته الأولى؟ لم تكن هذه الأسئلة عادلة بحقه، فهي تعرف أنه لم يتهمها بشيء. لكن الخوف لا ينتظر دليلًا كي يتسلل إلى القلب. أحيانًا تكفي نظرة شاردة، أو صمت أطول من المعتاد، ليعيد إلى الإنسان كل مخاوفه القديمة. نظرت إلى أيان، ثم ابتسمت له. — حبيبي، ما رأيك أن تذهب إلى الحمام وتأخذ حمامًا دافئًا قبل النوم؟ لقد كان يومك طويلًا. التفت إليها أيان. — الآن؟ — نعم. وسأجهز لك ملابس النوم. نظر إلى والده. — هل ستنتظرني؟ أعاد لوكا انتباهه إليه فورًا. — سأنتظرك هنا. — ولن تذهب إلى مكتبك؟ — لن أذهب إلى مكتبي الآن. ابتسم أيان مطمئنًا، ثم حمل كتابه وتوقف فجأة. — أبي، هل تقرأ لي القصة عندما أخرج؟ — بالتأكيد. ركض الصغير إلى الحمام، ثم عاد بعد لحظة ليأخذ ملابس النوم من أمه. — لا تنسَ وعدك! ضحك لوكا. — لن أنساه. دخل أيان الحمام وأغلق الباب، وبعد ثوانٍ سُمعت حركة الماء. بقي لوكا واقفًا في مكانه، يحمل رسمة ابنه بين يديه. أما سولي، فظلت تراقبه بصمت. انتظرت حتى تأكدت أن أيان لن يسمعهما، ثم نهضت من طرف السرير واقتربت منه. — لوكا؟ رفع رأسه. — نعم؟ نظرت إلى الرسم الذي بين يديه. — هل أنت شارد الذهن بسبب الأوراق التي أحضرها مورفون؟ لم يُجب مباشرة. وهذا الصمت القصير كان كافيًا لتشعر سولي بأن شيئًا بداخلها انكمش. أخذت نفسًا عميقًا، ثم تابعت: — أعلم أن ما حدث اليوم لم يكن سهلًا عليك. ولا أطلب منك أن تتجاهل الأمر، ولا أن تتصرف وكأن تلك الأوراق لم تظهر أمامك. خفضت عينيها للحظة. — لكنني أريد أن أعرف ما الذي يدور في رأسك. نظر لوكا إليها. — سولي... قاطعته بهدوء متعب: — هل تفكر في كلامه؟ هل تسأل نفسك إن كنت قد خدعتك؟ تغيرت ملامحه فورًا. — لا. جاءت إجابته سريعة وحاسمة. لكن سولي لم تستطع أن ترتاح كما توقعت. ابتسمت ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيها. — إذًا، بماذا تفكر؟ وضع لوكا الرسم فوق الطاولة القريبة، ثم نظر إليها بكل انتباه. — أفكر في سبب ثقته بتلك الأوراق. أفكر في التواريخ التي رأيتها، وفي الجهة التي أصدرتها، وفي الطريقة التي يريد بها أن يجعلنا نصدقه قبل أن نفحص أي شيء. صمت لحظة، ثم أضاف: — أنا لا أشك بكِ يا سولي. نظرت إليه طويلًا. كانت تريد أن تصدق كلماته دون أن تحتاج إلى أي شيء آخر. لكنها كانت قد عاشت من قبل في عالم تُتخذ فيه القرارات عنها، ويُحكم عليها قبل أن تتكلم، ويُنظر إليها وكأنها مدينة دائمًا بتفسير نفسها للآخرين. لذلك، كان من الصعب عليها أن تتجاهل المرارة التي تركتها اتهامات مورفون في قلبها. قالت بصوت منخفض: — لكنك تفكر في الأمر. — أفكر في ما فعله جدي. — أعرف. ابتلعت ريقها، ثم أضافت: — لكن الأوراق تتحدث عني أنا. والاتهام يخصني أنا، وخيانتي لك هي الشيء الذي حاول أن يجعلك تصدقه أمام الجميع. توقفت، وهي تحاول أن تجد الكلمات المناسبة. — لذلك، عندما أراك شاردًا هكذا، لا أستطيع منع نفسي من التساؤل عمّا إذا كنت تحاول أن تقنع نفسك بأنك لا تشك بي... أم أنك فعلًا لا تشك بي. تصلبت ملامح لوكا. لم يكن يتوقع أن تكون هذه الفكرة قد وصلت إليها. اقترب منها خطوة، لكنه لم يلمسها قبل أن يرى إن كانت مستعدة لذلك. — انظري إليّ يا سولي. رفعت عينيها إليه ببطء. قال بوضوح: — أنا لا أحاول أن أقنع نفسي بأني لا أشك بكِ. أنا لا أشك بكِ أصلًا. ارتجفت شفتاها قليلًا، لكنها لم تتكلم. تابع لوكا: — لو كنت أصدق مورفون، لكنت وقفت هناك وطلبت منكِ تفسيرًا، أو سمحت له بأن يأخذ أيان حتى يثبت كلامه. لكنني لم أفعل ذلك، لأنني أعرفكِ، وأعرف أنكِ لم تخونيني. خفض صوته أكثر. — أنتِ لم تعودي إلى هنا لتستغلي اسمي. لقد عدتِ وأنتِ تعرفين كم يمكن لهذا المكان أن يؤذيكِ. وأنتِ وقفتِ أمام مورفون اليوم وواجهتِه رغم كل خوفكِ، فقط حتى لا يشعر ابننا بأنه غريب عن أبيه. تحركت عينا سولي، وبدأت الدموع تتجمع فيهما. قالت بصوت مبحوح: — لكنني كنت بعيدة عنك خمس سنوات يا لوكا. أومأ ببطء. — أعرف. — لم تكن تعرف أين أنا، ولا كيف أعيش، ولا ماذا حدث لي. — أعرف ذلك أيضًا. نظرت إليه، وبدت المرارة في ملامحها بوضوح أكبر. — إذًا لا تقل إن الأمر سهل. لا تقل إنك تستطيع أن تنظر إلى تلك السنوات ولا تسأل نفسك أسئلة. صمت لوكا. لم يكن يريد أن يكذب عليها. فقد كان هناك الكثير مما يتمنى لو عرفه عن السنوات الخمس الماضية؛ كيف كانت تسهر حين يمرض أيان، وكيف كانت تعمل لتوفر لهما الحياة، وكم مرة شعرت بالخوف دون أن تجد أحدًا يقف إلى جانبها. لكن فضوله عن تلك السنوات لم يكن اتهامًا لها. كان ألمًا بسبب غيابه عنها. قال أخيرًا: — لديّ أسئلة كثيرة عن السنوات التي لم أكن فيها معكما. وأتمنى لو لم أضع قدمًا واحدة خارج حياتكما طوال تلك المدة. ثم نظر مباشرة في عينيها. — لكن أسئلتي عن الماضي لا تعني أنني أتهمكِ بشيء. ولا تعني أنني أعتقد أنكِ خنتِني. أشاحت سولي بوجهها. لم تكن تبكي بصوت عالٍ، لكنها شعرت بحرارة الدموع على خديها. — لا تعرف كم يؤلمني أن أضطر إلى سماع هذا الاتهام مرة أخرى. توقف لوكا عن الكلام. أكملت سولي، وصوتها يرتجف رغم محاولتها السيطرة عليه: — لقد خسرت أشياء كثيرة، وخفت من أشياء أكثر، وحاولت أن أحمي أيان بكل ما أستطيع. لم أعد إلى هنا كي أثبت لك أنني امرأة تستحق الثقة، ولم أعد كي أتوسل إليك أن تصدقني. رفعت عينيها نحوه. — كنت أتمنى فقط أن أعود إلى المكان الذي يستطيع فيه ابني أن يعرف أباه، وأن يحصل على حقه في أن يكون جزءًا من عائلته. سكتت، ثم أضافت بنبرة أكثر ألمًا: — لم أتخيل أنني سأقف هنا مرة أخرى وأشعر بأنني مطالبة بالدفاع عن نفسي أمام رجل أحببته يومًا، ثم أمام عائلته كلها. شعر لوكا وكأن كلماتها استقرت فوق صدره بثقل لا يستطيع تجاهله. كان يعرف أنه لم يتهمها. لكنه بدأ يدرك أن وجود الملف وحده أعاد إليها خوفًا قديمًا؛ خوف أن تُحاكم على شيء لم تفعله، وأن تجد نفسها مضطرة إلى إثبات براءتها أمام من يفترض أن يعرفها أكثر من الجميع. اقترب منها أكثر، ثم قال بصوت خافت: — لم يكن يجب أن تشعري بذلك معي. نظرت إليه، وفي عينيها خيبة لم يستطع تجاهلها. — لكنني شعرت به. أغمض لوكا عينيه للحظة. ثم فتحهما وقال: — أنا آسف. توقفت سولي عن الحركة. لم تكن تتوقع اعتذاره. تابع بصدق: — لا أعتذر لأنني فكرت في الأوراق؛ لأنني سأفعل كل ما يلزم حتى أعرف من صنعها ولماذا. لكنني أعتذر إن كان صمتي قد جعلكِ تشعرين بأنني أضعكِ موضع الاتهام. رفع يده ببطء ومسح دمعة عن خدها. — أنتِ لستِ مطالبة بأن تثبتي لي أنكِ لم تخونيني. أنا أعرف ذلك، وسأتمسك بهذه الحقيقة حتى لو حاول مورفون أن يجعل القصر كله يقف ضدنا. نظرت سولي إلى وجهه. كانت تبحث عن أي علامة تدل على أنه يقول ما يريد منها أن تصدقه فحسب، لكنها لم تجد سوى الجدية والندم. ومع ذلك، بقي في داخلها خوف صغير لم يستطع أن يختفي بكلمات قليلة. همست: — أحيانًا أخاف أن يأتي يوم تسمع فيه كذبة مرات كثيرة حتى تبدأ بالتساؤل إن كان فيها شيء من الحقيقة. هز لوكا رأسه فورًا. — لن أسمح له بذلك. ثم أمسك يدها، لكنه ترك لها مساحة لتسحبها إن أرادت. — سولي، اسمعيني جيدًا. أنا لا أحتاج إلى ملف كي أعرف من هي المرأة التي أحبها. ولا أحتاج إلى تقرير كي أعرف من هو ابني. ارتجفت أصابعها داخل يده. فأكمل: — مورفون يستطيع أن يشكك في أي شيء يشاء، لكن هذا لن يغير ما أعرفه عنكِ، ولن يغير علاقتي بأيان. سأفحص الأوراق لأكشف كذبته، لا لأقرر إن كنت سأصدق زوجتي أم لا. انخفضت عينا سولي إلى يديهما. كانت تلك الجملة مختلفة. لقد فهمت أخيرًا ما الذي كان يحاول قوله. لم يكن يبحث عن دليل ليقرر إن كان أيان ابنه. كان يبحث عن دليل يكشف به كيف حاول مورفون استخدام الأوراق لانتزاع طفلهما منهما. ومع ذلك، بقي الألم موجودًا. لأنها كانت تتمنى لو لم تضطر إلى المرور بهذه المواجهة أصلًا. اقترب لوكا منها قليلًا. — هل تصدقينني؟ لم تجب فورًا. ثم قالت بصدق: — أريد أن أصدقك دون خوف. أومأ، وكأنه فهم أن هذه الإجابة أهم من أي وعد سريع. — هذا يكفيني الآن. رفع يدها إلى شفتيه وقبّلها قبلة خفيفة، ثم أعادها برفق. — لن أطلب منكِ أن تنسي ما حدث اليوم. فقط لا تواجهي خوفكِ وحدكِ. عندما تشعرين بأن شيئًا يزعجكِ، اسأليني. حتى لو كان السؤال مؤلمًا. امتلأت عيناها بالدموع من جديد. — وأنت أيضًا... لا تختبئ خلف الصمت. نظر إليها. — سأحاول. — لا، يا لوكا. أريدك أن تعدني. ابتسم ابتسامة صغيرة، رغم ثقل اللحظة. — أعدك. ساد بينهما صمت هادئ. ثم أطلقت سولي نفسًا طويلًا، وكأنها كانت تحبسه منذ دخول مورفون إلى الصالة. اقتربت من لوكا وأسندت رأسها إلى صدره. تردد للحظة، ثم أحاطها بذراعيه. لم يقل أي منهما شيئًا. كان لوكا يفكر في الملف الذي ينتظره على مكتبه، وفي التناقض الذي اكتشفه، وفي الخطوة التالية التي يجب أن يتخذها. أما سولي، فكانت تحاول أن تصدق أن الرجل الذي احتضنها الآن لن يسمح لأحد بأن يجعلها غريبة في نظره من جديد. بعد لحظات، جاء صوت أيان من الحمام: — ماما! انتهيت! ابتعدت سولي عن لوكا ومسحت عينيها بسرعة، ثم ابتسمت. — حسنًا يا حبيبي، سأحضر لك ملابس النوم. تراجعت خطوة، لكنها توقفت حين أمسك لوكا يدها برفق. نظرت إليه. قال بصوت منخفض: — سولي... — نعم؟ نظر إلى باب الحمام، حيث كان ابنه ينتظرهما، ثم عاد إليها. — عندما سمعت أيان يناديني «بابا» قبل قليل، شعرت بشيء لم أستطع وصفه. ابتسمت سولي بحزن. — ماذا شعرت؟ خفض عينيه للحظة. — شعرت أنني كدت أخسره قبل أن أحصل على فرصة لأكون أباه فعلًا. ثم رفع رأسه. — ولهذا لن أسمح لمورفون بأن يأخذه مني. ولن أسمح له بأن يجعل أيان يشك فيكِ أو فيّ. أومأت سولي ببطء. — لن أسمح له بذلك أيضًا. ثم أفلتت يدها بلطف واتجهت نحو الحمام. لكن قبل أن تدخل، التفتت إلى لوكا مرة أخيرة. — سأحضر له ملابس النوم، ثم يمكنك أن تقرأ له قصته. ارتسمت ابتسامة حقيقية على وجهه هذه المرة. — اتفقنا. دخلت سولي إلى الحمام، بينما جلس لوكا على طرف السرير وفتح كتاب التنين الصغير. لم يمضِ وقت طويل حتى خرج أيان بملابس نومه، وشعره الأسود مبلل قليلًا، فركض إلى أبيه وصعد بجانبه. — هل ستقرأ لي الآن؟ فتح لوكا الكتاب. — بالطبع. استند أيان إلى ذراعه، ثم نظر إليه فجأة. — أبي؟ — نعم، يا بطل؟ — هل يمكنني أن أنام بجانبك الليلة؟ نظر لوكا إلى وجهه الصغير. ثم أغلق الكتاب للحظة، واحتضنه. — بالطبع يمكنك ذلك. ابتسم أيان ودفن رأسه عند كتفه. — أحبك يا أبي. أغمض لوكا عينيه لثانية. ثم قبّل شعره وهمس: — وأنا أحبك أكثر مما تتصور. كانت سولي تقف قرب الخزانة، تطوي ملابس ابنها، لكنها توقفت حين سمعت الكلمات. نظرت إليهما، وشعرت بأن شيئًا دافئًا امتزج بالحزن داخل صدرها. لم تكن تعرف ما الذي سيكشفه فحص الأوراق، ولا كيف سيتصرف مورفون في الأيام القادمة. لكنها رأت شيئًا واحدًا بوضوح. لوكا لم يكن ينظر إلى أيان باعتباره وريثًا يحتاج إلى إثبات نسبه. كان ينظر إليه باعتباره ابنه. الطفل الذي حُرم منه خمس سنوات، والذي عاد أخيرًا إلى ذراعيه. وحين عاد لوكا إلى قراءة القصة بصوت هادئ، جلست سولي إلى جانبهما، وأسندت يدها برفق على ظهر أيان. للحظات قصيرة، بدا العالم خارج الغرفة بعيدًا. لكن على الطاولة القريبة من النافذة، كان هاتف لوكا يهتز بصمت. ظهرت على شاشته رسالة جديدة من أحد رجاله، تتضمن اسم الشخص الذي أصدر التقرير الأول. قرأ لوكا الاسم مرة واحدة. ثم أعاد قراءته. تغيرت ملامحه، لكنه لم يقل شيئًا أمام أيان. رفع عينيه نحو سولي، فوجدها تنظر إليه بقلق. أطفأ الشاشة، ووضع الهاتف جانبًا. لم يكن الوقت مناسبًا لإخبارها بعد. فقد بدأ الخيط الأول للحقيقة يظهر أخيرًا، وكان عليه أن يتأكد من كل شيء قبل أن يعرّضها لمزيد من الخوف. عاد ينظر إلى أيان، الذي كان يصارع النعاس وهو يستمع إلى القصة. ثم مرّر لوكا يده على شعره وهمس: — نام يا بطل. أنا هنا. أغمض أيان عينيه مطمئنًا. أما لوكا، فبقي مستيقظًا، وعيناه معلقتان بالباب المغلق. لم يعد السؤال في رأسه إن كان يثق بسولي. بل أصبح سؤالًا واحدًا فقط: من الذي ساعد مورفون على صنع كذبة تبدو كأنها حقيقة؟🥹❤️🩹 يا أصدقائي، بدي آخد رأيكم بشغلة مهمة! بعد الأحداث الأخيرة، وخصوصًا بعد ما اكتشفنا إن الحياة السعيدة اللي عاشها لوكا مع سولي وأيان كانت مجرد حلم، صرت أفكر بمسار الرواية ونهايتها. بصراحة، كنت مخططة من البداية إن قصتهم تكون سعيدة، وإن أيان يعيش قصة حب خاصة فيه مع ثيا، لكنني قررت أغيّر المسار وأجعل الأحداث أكثر حزنًا وتأثيرًا. والآن بدي أعرف رأيكم أنتم! 🥺 أي مسار بتحبوا نكمل فيه الرواية؟ 💔 الخيار الأول: نكمل بالنهاية الحزينة، ونعيش مع لوكا تبعات خسارته لسولي وأيان، ونكتشف كيف رح يكمل حياته بعد كل هالسنين. ❤️🩹 الخيار الثاني: نغيّر مسار الرواية، ونرجع لفكرة المستقبل السعيد اللي كنت مخططة إله، ونمنح الشخصيات فرصة تعيش الحب والحياة اللي حلمت فيها. 💌 شاركوني رأيكم بالتعليقات، واحكولي ليش اخترتوا هالمسار. رأيكم مهم بالنسبة إلي، وبحب أعرف كيف أثّرت فيكم الأحداث الأخيرة!
[عشر سنوات من دونكما] فتح لوكا عينيه ببطء. ظلّ مستلقيًا في مكانه، يحدق في السقف بصمت، بينما كان ضوء الصباح يتسلل من بين الستائر ويرسم خطوطًا باهتة فوق الجدران. احتاج إلى بضع ثوانٍ حتى يستوعب أين هو. ثم أدار رأسه نحو الجانب الآخر من السرير. كان فارغًا. لم تكن هناك سولي. لا شعرها الأسود المنسدل فوق الوسادة، ولا ملامحها الهادئة التي اعتاد أن يتأملها في أحلامه، ولا ابتسامتها الصغيرة التي كانت تظهر كلما ناداها باسمها. مدّ يده نحو المكان الذي تخيلها نائمة فيه. لم تلامس أصابعه سوى الملاءة الباردة. توقفت يده في الهواء للحظة، ثم أنزلها ببطء. عاد الصمت. ذلك الصمت الذي عرفه جيدًا، حتى صار جزءًا من حياته. أغمض عينيه مجددًا، محاولًا الاحتفاظ ببقايا الحلم قبل أن تتلاشى تمامًا. قبل لحظات، كانت سولي بين ذراعيه. كان الخاتم يلمع في إصبعها، وكانت تضحك وهي تتهمه بأنه رجل مزعج لا يعرف كيف يتوقف عن مفاجأتها. كانت قد وافقت على الزواج منه مرة أخرى. كانا قد تحدثا عن منزلهما الجديد، وعن مخبزها، وعن الغرفة التي أراد تخصيصها لأيان، وعن الصباحات العادية التي تمنّيا أن يعيشاها معًا. وكان أيان هنا
[ ليلةٌ تشبه الوعد] استمر لوكا وسولي في السير بين أحواض التوليب لبعض الوقت. كانت أصابعهما متشابكة، والخاتم الجديد يلمع في إصبع سولي كلما مرّا تحت أحد الفوانيس الصغيرة. وبين حين وآخر، كانت ترفع يدها أمام عينيها لتتأمله من جديد، وكأنها لا تزال تحاول استيعاب أن الرجل الذي راكع أمامها منذ دقائق هو نفسه لوكا فيتالي الذي ارتبطت به يومًا بقرار لم يكن لها فيه رأي. لاحظ لوكا حركتها للمرة الثالثة، فابتسم. — أعتقد أنكِ نظرتِ إلى الخاتم مرات أكثر مما نظرتِ إليّ منذ وافقتِ. رفعت سولي رأسها بسرعة. — هذا غير صحيح! — حقًا؟ — نعم. خفض عينيه إلى يدها. — إذًا، هل تسمحين لي بأن أصدقكِ؟ أخفت سولي يدها خلف ظهرها، وقد احمر وجهها. — أنت مزعج! ضحك لوكا، ثم اقترب منها قليلًا. — ومع ذلك، وافقتِ على الزواج مني مرة أخرى. — لا تجعلني أغيّر رأيي. رفع يديه مستسلمًا، لكن ابتسامته لم تختفِ. — لن أفعل. لقد احتجت إلى شجاعة كبيرة كي أطلب منكِ ذلك، ولا أنوي المخاطرة بكل شيء بسبب مزحة. توقفت سولي عن الابتسام للحظة، ونظرت إليه بتمعّن. كان يمزح معها، نعم، لكنها لاحظت أن صوته يحمل صدقًا عميقًا حين يتحدث عن
الفصل — هذه المرة... لأن قلبي اختاركِ كانت الشمس تميل نحو الغروب عندما دخلت سيارات عائلة فيتالي إلى ساحة القصر. بعد يوم طويل في المحكمة، بدا الجميع وكأنهم يحملون فوق أكتافهم تعب شهر كامل، لا مجرد ساعات قليلة. ورغم أن الحكم قد صدر، وأن مورفون لم يعد حرًّا كما كان، فإن ما مرّت به العائلة لم يكن أمرًا يمكن نسيانه ببساطة. لكن وسط ذلك التعب، كان هناك شعور جديد يتسلل إلى القلوب. شعور بأنهم يستطيعون أخيرًا أخذ نفس عميق دون انتظار تهديد آخر. ما إن توقفت سيارة لوكا حتى فُتح الباب الرئيسي للقصر، وظهرت جدة سولي عند المدخل. كانت تقف قرب الدرج، ترتدي ثوبًا أنيقًا وشالًا خفيفًا على كتفيها، وملامحها تحمل قلقًا لم تستطع إخفاءه منذ الصباح. وعندما رأت سولي تنزل من السيارة ممسكة بيد أيان، تغير وجهها فورًا. — سولي! تقدمت بسرعة نحوهم. تركت سولي يد لوكا للحظة، وأسرعت إلى جدتها، ثم ارتمت بين ذراعيها. — جدتي... احتضنتها المرأة بقوة، وراحت تربت على ظهرها. — الحمد لله أنكِ عدتِ يا ابنتي. أغمضت سولي عينيها، واستندت إلى كتفها للحظات. لم تكن بحاجة إلى أن تسألها جدتها عما حدث داخل المحكمة؛ فقد قرأت ا
[ الحكم الأخير: العدالة من أجل أيان] بعد مرور شهر مرّ شهر كامل منذ اليوم الذي أُخرج فيه مورفون من قصر فيتالي تحت حراسة السلطات. شهرٌ لم يكن عاديًا بالنسبة إلى أيٍّ منهم. ففي الخارج، تحولت القضية إلى واحدة من أكبر القضايا التي شهدتها إيطاليا في السنوات الأخيرة. انتشرت الأخبار في الصحف والقنوات التلفزيونية، وتناقلت وسائل الإعلام تفاصيل اختطاف طفل من داخل قصر عائلة فيتالي، والتقارير الطبية المزورة، والمستشفى الخاص الذي استُخدم لإخفاء مخطط غير قانوني، إضافةً إلى التحقيقات التي كشفت عن صلات محتملة بين مورفون وشبكات إجرامية. ولم تتوقف المفاجآت عند ذلك. فمع استمرار التحقيق، ظهرت وثائق قديمة وشهادات جديدة أعادت فتح ملف وفاة إيدريان ميرافيل وزوجته. بدأت الأدلة تشير إلى أن رفض إيدريان استخدام شركته في عمليات غير قانونية كان أحد الأسباب التي دفعت مورفون إلى الانتقام منه، وأن القضية التي ظن الجميع أنها أُغلقت منذ سنوات لم تكن سوى سرٍّ دُفن تحت النفوذ والخوف. لكن هذه المرة، لم يكن مورفون قادرًا على إغلاق الملف كما فعل سابقًا. كان خلف القضبان، ينتظر المحاكمة. وكانت الأدلة تُعرض تباعًا أمام
[من أجل أيان... سأسقط إمبراطورية كاملة] كان الليل قد انتصف تقريبًا، ومع ذلك لم يكن أحد في القصر مستعدًا للنوم. بعد عودة أيان، تحولت الغرفة إلى مكان يعجّ بالحركة الهادئة. كان الطبيب يطمئن إلى حالته بين حين وآخر، وأحضرت الخادمة له ملابس نظيفة وبطانية ناعمة، بينما بقيت سولي إلى جانبه، لا ترفع عينيها عنه إلا لتتأكد من أن صدره الصغير ما زال يرتفع وينخفض بانتظام. أما لوكا، فكان يقف قرب النافذة صامتًا. لم يستطع أن ينسى المشهد الذي رآه في المستشفى. ابنه الصغير، الذي كان يركض في الصباح حاملًا رسوماته ويطلب منه أن يلعب معه، مستلقيًا بلا حراك على سرير بارد، بينما كان غرباء يستعدون لارتكاب أمر لا يُغتفر بحقه. كلما تذكر ذلك، اشتدّ فكّه وانقبضت يداه. لكنه لم يسمح لغضبه بأن يطغى على اللحظة الوحيدة التي كان ينتظرها منذ ساعات طويلة. أن يستيقظ أيان، وينظر إليه بعينيه الصغيرتين، ويناديه مرة أخرى: أبي. --- تحرك أيان تحت البطانية، ثم فتح عينيه ببطء. كانت عيناه لا تزالان مثقلتين، وملامحه الصغيرة تحمل آثار التعب. كان أول ما رآه وجه أمه. كانت سولي جالسة قربه، تمسك يده بين كفّيها، وما إن لاحظت أ