Compartilhar

189

last update Data de publicação: 2026-10-18 14:58:24

[أبن وريث فيتالي]

كان الصباح قد بدأ منذ ساعات، لكن سولي لم تكن قد انتهت من تجهيز أيان.

وقفت أمام خزانة ملابسه تتفحص القمصان المعلّقة بعناية، بينما كان الصغير يجلس فوق السرير، يحرّك قدميه بحماس وينظر إليها كل بضع ثوانٍ.

— ماما، هل سنذهب الآن؟

التفتت إليه وهي تحمل قميصًا أبيض.

— بعد أن ترتدي ملابسك، يا حبيبي.

— وهل سنرى عائلة أبي اليوم؟

توقفت يدها للحظة.

ثم نظرت إليه.

كان وجهه الصغير يلمع بالحماس، وكأن معرفته بحقيقة والده فتحت أمامه بابًا جديدًا يريد اكتشاف كل ما وراءه.

— نعم. سنذهب إلى قصر عائلة فيتالي، وهناك ستقابل عائلة أبيك للمرة الأولى.

اتسعت عيناه.

— كلهم؟

ابتسمت سولي.

— ستتعرف إلى بعضهم على الأقل.

اقتربت منه وجلست أمامه، تساعده في ارتداء القميص.

— وهناك أيضًا جدتك كارلي.

رفع أيان رأسه بسرعة.

— جدتي؟

— نعم، كارلي هي أم لوكا.

ظل يحدق بها لحظات، ثم اتسعت ابتسامته.

— يعني عندي جدة ثانية؟

شعرت سولي بوخزة خفيفة في قلبها.

كان سؤالًا بريئًا، لكنه ذكّرها بكل السنوات التي عاشها أيان دون أن يعرف أن هناك عائلة أخرى تنتمي إليه.

ومع ذلك، لم تسمح للحزن بأن يسرق منه فرحته.

ابتسمت وهي تغلق الزر الأخير في قميصه.

— نعم يا حبيبي. لديك جدة ثانية، وربما ستجد الكثير من الأشخاص الذين يريدون التعرف إليك.

فكر أيان قليلًا، ثم سأل:

— هل ستعانقني؟

ضحكت سولي بخفة.

— أعتقد أنها ستفعل أكثر من ذلك.

— مثل ماذا؟

— ربما لن تتركك تبتعد عنها طوال اليوم.

ضحك أيان، ثم رفع ذراعيه نحوها.

— وأنتِ ستبقين معي، أليس كذلك؟

احتضنته سولي فورًا.

— بالطبع سأبقى معك.

شدد ذراعيه حول رقبتها.

— وأبي أيضًا؟

أغمضت عينيها للحظة، ثم قبّلت جبينه.

— وأبوك أيضًا.

ابتعد عنها أيان وقد بدا مطمئنًا.

أما سولي، فبقيت تنظر إليه لثوانٍ إضافية.

كانت تحاول أن تحفظ ملامحه السعيدة في قلبها، لأنها تعرف أن هذا اليوم قد لا يسير كما يتمنى.

لم تكن تخشى لقاء كارلي، ولا حتى بقية أفراد العائلة.

بل كانت تخشى الرجل الذي يسكن ذلك القصر.

مورفون.

الرجل الذي لا يزال ماضيه يطاردها، والذي لم يكن وجوده في حياتها يومًا مصدرًا للأمان.

أخذت نفسًا عميقًا، ثم أمسكت بيد أيان.

— هيا يا حبيبي. أبوك ينتظرنا.

---

كان لوكا ينتظرهما عند الباب الخارجي للمنزل.

ارتدى قميصًا أسود وبنطالًا داكنًا، وكان شعره الأسود منسدلًا حول وجهه بترتيبه المعتاد، بينما يتفقد هاتفه عندما سمع خطوات صغيرة تقترب.

— أبي!

رفع رأسه.

ركض أيان نحوه، فالتقطه لوكا ورفعه بين ذراعيه بسهولة.

— انظروا إلى هذا الرجل الأنيق!

ضحك أيان.

— هل أبدو جميلًا؟

تأمله لوكا بجدية مصطنعة، ثم قال:

— جميل جدًا، لكن هناك مشكلة صغيرة.

قطب أيان حاجبيه.

— ما هي؟

— أصبحت أكثر أناقة مني.

ضحك الطفل بصوت مرتفع، بينما ظهرت ابتسامة صغيرة على وجه سولي وهي تقترب منهما.

مد لوكا يده إليها.

— هل أنتِ مستعدة؟

نظرت إليه، ثم إلى السيارة خلفه.

أرادت أن تجيب بنعم، لكن الكلمات لم تخرج فورًا.

لاحظ لوكا ذلك، فاقترب منها قليلًا وخفض صوته حتى لا يسمعه أيان.

— لا داعي لأن تتظاهري أمامي.

نظرت إليه.

— أنا خائفة.

أومأ بهدوء.

— أعرف.

— لا أعرف ماذا سأقول عندما أراهم.

— لا تحتاجين إلى تجهيز خطاب.

ثم مد يده وأمسك يدها.

— سنصل ونتعامل مع كل شيء في وقته.

نظرت إلى أصابعه حول يدها، ثم ضغطت عليها بخفة.

— حسنًا.

فتح لوكا باب السيارة الخلفي وساعد أيان على الجلوس في مقعده، ثم التفت إلى سولي وفتح لها الباب الأمامي.

جلست وربطت حزام الأمان، بينما جلس لوكا خلف المقود.

وقبل أن ينطلق، نظر إليها.

— سولي.

التفتت نحوه.

— مهما حدث اليوم، لا تنسي أنك لستِ مضطرة إلى إثبات قيمتك لأحد.

ابتلعت ريقها.

— وماذا عن أيان؟

تغيرت ملامحه قليلًا، ثم نظر عبر المرآة إلى ابنه الذي كان يراقب الطريق بحماس.

— سنحميه معًا.

أدارت سولي وجهها نحو النافذة، وهي تحاول أن تتمسك بهذه الكلمات.

سنحميه معًا.

كانت تتمنى أن يكون الأمر بهذه البساطة فعلًا.

---

كلما اقتربوا من قصر فيتالي، شعرت سولي أن المسافة بين الماضي والحاضر تضيق أكثر.

كانت الشوارع مألوفة، والبوابات الحديدية الضخمة التي ظهرت في نهاية الطريق أعادت إليها ذكريات كثيرة حاولت دفنها.

نظرت من النافذة، ثم أبعدت عينيها بسرعة.

لاحظ لوكا حركتها.

لم يضغط عليها بالأسئلة، لكنه مد يده نحوها للحظة.

وضعت يدها في يده دون أن تنظر إليه.

أما أيان، فلم يكن يشعر بكل ذلك.

كان يطل من النافذة ويتأمل الأشجار الممتدة على جانبي الطريق.

وفجأة صاح بحماس:

— ماما! انظري إلى هذا البيت!

ابتسمت سولي ابتسامة متعبة.

— ليس بيتًا عاديًا، يا حبيبي.

— هل هذا قصر أبي؟

أجاب لوكا من خلف المقود:

— نعم.

اتسعت عينا أيان.

— إنه كبير جدًا!

— هذا ما قاله الجميع عندما رأوه للمرة الأولى.

ثم نظر لوكا إلى سولي سريعًا.

— حتى أمك.

رمقته بنظرة جانبية.

— لا تبدأ.

ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه.

— لم أقل شيئًا.

— أعرف هذه الابتسامة يا لوكا.

ضحك بخفة، بينما انطلقت من المقعد الخلفي ضحكة أيان أيضًا، رغم أنه لم يفهم تمامًا ما الذي أضحكهما.

لكن الضحكة لم تستمر طويلًا.

فقد توقفت السيارة أمام البوابة الرئيسية للقصر.

كان المبنى شاهقًا بواجهته الحجرية ونوافذه الطويلة وحديقته الواسعة. بدا المكان مهيبًا حتى في ضوء النهار، وكانت البوابة الحديدية مفتوحة، فيما وقف اثنان من الحراس قرب المدخل.

شعرت سولي بأن أصابعها أصبحت باردة.

عاد ذلك الشعور القديم إلى صدرها.

هي تعرف هذا المكان.

وتعرف ما يخفيه خلف جدرانه.

أوقف لوكا السيارة ونزل أولًا.

التف حولها وفتح الباب لها، ثم مد يده.

نظرت سولي إلى يده للحظة قبل أن تمسكها وتنزل.

أما أيان، فخرج من السيارة بعدما ساعده لوكا على فك حزامه، ثم وقف ينظر إلى القصر بانبهار.

— أبي، هل تعيش هنا فعلًا؟

ابتسم لوكا.

— نعم.

— وهل لديك غرفة هنا؟

— أكثر من غرفة.

شهق أيان.

— أكثر من واحدة؟!

ضحك لوكا.

— سنناقش هذا لاحقًا.

أمسكت سولي بيد أيان، لكن الطفل كان لا يزال ينظر إلى القصر بفضول.

ثم التفت إليها وسأل:

— هل يمكنني أن أركض في الحديقة؟

ابتسمت له.

— بعد أن نسلّم على الجميع أولًا.

— اتفقنا!

لكن عندما رفعت سولي عينيها نحو المدخل، شعرت بالحماس يتراجع داخلها.

لقد وصلوا.

ولم يعد هناك طريق للعودة إلى الأيام التي كانت تستطيع فيها تجاهل الحقيقة.

---

فتح أحد الخدم الباب الرئيسي فور رؤيتهم.

دخل لوكا أولًا، ثم سولي وأيان إلى جانبهما.

استقبلتهم رائحة القصر المألوفة، ومشهد الدرج الرخامي الذي يرتفع إلى الطابق العلوي، والثريات الكبيرة المتدلية من السقف.

لكن الغريب أن المكان بدا هادئًا على نحو غير معتاد.

لم يكن هناك أفراد من العائلة في الصالة، ولا أصوات محادثات تأتي من الغرف المجاورة، ولا حركة كثيرة للخدم.

فقط صمت واسع.

نظر لوكا حوله عاقدًا حاجبيه.

— أين الجميع؟

اقترب منه أحد الخدم باحترام.

— السيدة كارلي في القصر، سيدي.

— والبقية؟

تردد الخادم قليلًا.

— أعتقد أنهم في الطابق العلوي.

قبل أن يتمكن لوكا من طرح سؤال آخر، انطلق صوت امرأة من أعلى الدرج:

— لوكا؟!

توقف الجميع.

رفع لوكا رأسه.

وظهرت كارلي عند الدرجة الأخيرة من السلم.

كانت ترتدي ثوبًا أنيقًا بلون عاجي، وشعرها مرتب بعناية، لكن ملامحها تغيرت بمجرد أن رأت ابنها.

اتسعت عيناها.

— لوكا!

نزلت الدرج بسرعة لم يعتدها من يراها عادة، حتى إن إحدى الخادمات تحركت خلفها خوفًا من أن تتعثر.

لكن كارلي لم تهتم.

وصلت إليه، وأمسكت وجهه بين يديها للحظة، ثم احتضنته بقوة.

— يا إلهي! متى وصلت؟ لماذا لم تخبرني أنك ستأتي اليوم؟

ضحك لوكا بخفة وأحاطها بذراعيه.

— صباح الخير لكِ أيضًا يا أمي.

ابتعدت عنه قليلًا لتقبّل وجنته، ثم عادت تحتضنه مرة أخرى.

— اشتقت إليك!

— وأنا أيضًا.

— هل هذه طريقتك الجديدة في زيارة والدتك؟ تختفي أيامًا ثم تدخل القصر دون سابق إنذار؟

رفع لوكا حاجبه.

— أفضّل أن أسمّيها مفاجأة.

ضربت كارلي كتفه بخفة.

— مفاجأة؟ كنت سأموت من المفاجأة لو عرفت أنك قادم من أحد الخدم!

ابتسم لوكا، لكن كارلي توقفت فجأة.

كانت قد لاحظت الطفل الواقف خلفه.

طفل صغير بشعر أسود وعينين داكنتين، يراقبها بفضول واضح، بينما يمسك يد سولي.

اختفت الكلمات من فمها.

نظرت إلى أيان.

ثم إلى لوكا.

ثم عادت تنظر إلى الطفل.

تحركت شفتاها، لكنها لم تستطع الكلام لثوانٍ.

وببطء شديد، امتلأت عيناها بالدموع.

— لوكا...

تحول صوتها إلى همس.

نظر إليها ابنها.

— أمي؟

أشارت إلى أيان بيد مرتجفة قليلًا.

— هل... هل هذا هو؟

لم يحتج لوكا إلى أن يسألها عمّا تقصده.

انخفض إلى مستوى أيان ووضع يده على كتفه.

— أمي، أريدك أن تتعرفي إلى أيان.

ثم نظر إلى الطفل بابتسامة هادئة.

— هذه جدتك كارلي، يا بني.

رفع أيان عينيه نحوها.

— جدتي؟

ارتجفت شفتا كارلي، وانسابت دمعة على خدها.

— نعم يا حبيبي...

حاولت الاقتراب، لكنها توقفت على بُعد خطوة منه.

ثم نظرت إلى سولي.

كانت سولي تقف بصمت، وعيناها ممتلئتان بالدموع، كأنها ترى أمامها مشهدًا لم تسمح لنفسها بتخيله طوال سنوات.

ترددت كارلي لحظة قبل أن تسألها بصوت مرتجف:

— سولي... هل تسمحين لي أن أعانق حفيدي؟

لم تستطع سولي الرد فورًا.

نظرت إلى أيان، الذي كان يتأمل كارلي بفضول وشيء من التردد.

ثم رفعت عينيها إلى المرأة التي كانت يومًا جزءًا من عالمها القديم.

ابتسمت وسط دموعها وأومأت.

— بالطبع.

شهقت كارلي بخفة، وكأنها كانت تنتظر تلك الكلمة منذ سنوات لم تعشها بعد.

انحنت أمام أيان وفتحت ذراعيها.

— تعال إليّ يا صغيري.

نظر أيان إلى أمه.

أومأت سولي مشجعة إياه.

فتقدم الطفل بخطوات قصيرة.

وما إن وصل إلى كارلي حتى احتضنته.

أغلقت كارلي ذراعيها حوله وضمته إلى صدرها بحنان كبير، بينما راحت تقبّل جبينه ووجنتيه وتربت على ظهره.

— يا إلهي... يا إلهي...

كانت تكرر الكلمات، عاجزة عن ترتيب مشاعرها.

— كم أنت جميل! انظر إلى هاتين العينين... وهذا الشعر!

ابتعدت عنه قليلًا وأمسكت وجهه الصغير بين كفيها.

— أنت تشبه لوكا كثيرًا. كأنني أراه عندما كان طفلًا.

نظر أيان إلى لوكا بفخر.

— حقًا؟

أومأت كارلي وهي تضحك وسط دموعها.

— حقًا يا حبيبي. حتى نظرتك هذه تشبهه.

التفت أيان إلى والده.

— أبي، هل كنت جميلًا مثلي؟

رفع لوكا حاجبه.

— كنت أجمل.

ضحكت كارلي.

— لا تصدّقه! كان طفلًا عنيدًا، وكان يعبث بكل شيء في المنزل.

احتج لوكا:

— أمي!

لكن أيان انفجر ضاحكًا.

— أبي كان مشاغبًا!

قال لوكا بجدية مصطنعة:

— لا تنسَ أنك ابني، وقد ترث هذه الصفة مني.

ازداد ضحك أيان، بينما بقيت كارلي تحتضنه من جديد، وكأنها تحاول أن تجمع في ذراعيها كل السنوات التي لم تكن فيها قريبة منه.

ثم قبّلت أعلى رأسه وهمست:

— مرحبًا بك في عائلتك يا صغيري.

عندها، لم تعد سولي قادرة على منع دموعها.

رفعت يدها إلى وجهها ومسحتها بسرعة، لكن كارلي لاحظت ذلك.

مدت يدها الحرة نحوها.

— سولي...

رفعت سولي رأسها.

وقبل أن تتمكن من قول شيء، جذبتها كارلي إلى حضنها أيضًا.

— شكرًا لأنك جئتِ به إلينا.

تجمدت سولي بين ذراعيها.

لم تكن تتوقع تلك الكلمات.

همست بصعوبة:

— أنا... لم أعرف كيف أعود.

أغمضت كارلي عينيها وشددت احتضانها.

— لا داعي لأن تشرحي كل شيء الآن. لقد عدتم، وهذا ما يهمني في هذه اللحظة.

لكن سولي لم تستطع أن تتقبل الراحة بسهولة.

لأنها كانت تعرف أن هذه اللحظة الجميلة قد لا تستمر طويلًا.

كان هناك مورفون.

وكانت هناك حقيقة أخرى لم تصل بعد إلى مسامع الجميع.

---

ابتعدت كارلي أخيرًا، ومسحت دموعها، ثم التفتت نحو الدرج.

— لورينزو!

لم يصلها رد.

رفعت صوتها قليلًا:

— لورينزو، انزل فورًا!

ثم عادت تنظر إلى لوكا بابتسامة واسعة.

— يجب أن يعرف الجميع أنك عدت!

أخذت هاتفها واتصلت بلورينزو، ابن عم لوكا.

— لورينزو، أين أنت؟

جاءها صوته من الطرف الآخر:

— في الأعلى. ماذا حدث؟

— لوكا هنا!

ساد الصمت لثانية.

ثم جاء صوته أعلى:

— ماذا؟!

ابتسمت كارلي بانتصار.

— نعم، لوكا هنا، ومعه سولي وأيان. انزل حالًا!

أغلقت الهاتف قبل أن يمنحها فرصة لطرح الأسئلة.

نظرت سولي إلى الدرج، ثم إلى يديها.

لم تكن تعرف كيف سيكون اللقاء بعد كل ما حدث، ولم تكن تعرف كيف سيتعامل معها لورينزو بعد عودتها المفاجئة.

لكن الشخص الذي لم تكن تتوقع رؤيته اليوم هو المرأة التي وقفت إلى جانبه عندما ظهر أعلى الدرج.

إيلارا.

تجمدت سولي.

كان شعر صديقتها طويلًا كما تذكره، وملامحها قد تغيرت قليلًا بفعل السنوات، لكن عينيها بقيتا تحملان الدفء نفسه الذي عرفته سولي منذ طفولتهما في دار الأيتام.

قبل أن تغادر سولي تلك الحياة القديمة، كانت إيلارا من الأشخاص القلائل الذين امتلكت معهم ذكريات لا تستطيع محوها؛ ليالٍ طويلة من الحديث، وأحلام صغيرة تبادلتاها، ووعود بأنهما لن تنسيا بعضهما مهما فرّقتهما الأيام.

لكن الأيام فعلت ما تشاء.

فقد تفرّقتا، ومضت كل واحدة في طريق مختلف، حتى صارت فكرة اللقاء من جديد أشبه بأمنية بعيدة.

والآن كانت إيلارا أمامها.

حية، حقيقية، وتنظر إليها بالذهول نفسه.

نزلت إيلارا آخر درجات السلم ببطء.

لم تكن تسمع ما يقوله لورينزو؛ فقد وقعت عيناها على سولي، ولم تعودا تريان أحدًا سواها.

همست:

— سولي...؟

ارتجفت شفتا سولي.

— إيلارا...

تقدمت إيلارا خطوة، ثم توقفت وكأنها تخشى أن تكون مخطئة.

— أهذه أنتِ فعلًا؟

ضحكت سولي ضحكة قصيرة امتزجت بدموعها.

— نعم... أنا.

لم تنتظر إيلارا أكثر.

أسرعت نحوها واحتضنتها بقوة، فبادلتها سولي العناق على الفور.

تشبثت كل واحدة منهما بالأخرى، بينما راحت الدموع تنساب على وجهيهما.

— لا أصدق أنك أمامي! — همست إيلارا.

— وأنا لا أصدق أنني أراكِ مرة أخرى.

ابتعدت إيلارا قليلًا، وأمسكت وجه سولي بين يديها، تتفحصه وكأنها تحاول أن تتأكد من أن السنوات لم تسرق صديقتها منها بالكامل.

— أين كنتِ؟ بحثت عن أخبارك طويلًا، ولم أعرف كيف أصل إليكِ.

انخفضت عينا سولي.

— مررت بأشياء كثيرة... ولم أعرف كيف أعود.

— لا بأس. لا أريد إجابات الآن.

عادت إيلارا تحتضنها.

— أريد فقط أن أعرف أنك بخير.

أغمضت سولي عينيها داخل حضنها.

للمرة الأولى منذ عودتها إلى القصر، شعرت أنها لم تعد وحدها تمامًا.

لم تكن إيلارا مجرد وجه من الماضي.

كانت الجزء الصغير من طفولتها الذي ظنت أنها فقدته إلى الأبد.

وحين ابتعدتا أخيرًا، مسحت إيلارا دموعها وضحكت بخجل.

— انظري إلينا! لم نكد نلتقي حتى بدأنا نبكي.

ابتسمت سولي وهي تمسح خديها.

— لم تتغيري.

— وأنتِ أيضًا. ما زلتِ تبكين ثم تحاولين إخفاء ذلك وكأن أحدًا لن يلاحظ.

ضحكت سولي من قلبها هذه المرة.

ثم التفتت إيلارا إلى لوكا وأيان.

— إذًا... هذا هو أيان؟

أومأت سولي.

— نعم. هذا ابني.

انحنت إيلارا أمام الطفل بابتسامة دافئة.

— مرحبًا يا أيان. أنا إيلارا، صديقة أمك القديمة.

تأملها أيان بفضول.

— هل كنتِ تعرفين ماما عندما كانت صغيرة؟

ابتسمت إيلارا.

— منذ أن كنا صغيرتين جدًا.

اتسعت عينا أيان.

— وهل كانت مشاغبة؟

ضحكت إيلارا، ثم نظرت إلى سولي بمكر.

— هل تريد الحقيقة أم النسخة اللطيفة؟

احتجت سولي فورًا:

— إيلارا!

انفجر لورينزو ضاحكًا، بينما نظر لوكا إلى سولي بابتسامة صغيرة.

— أعتقد أنني أريد سماع النسخة الحقيقية.

رمقته سولي بنظرة تحذير.

— وأنت أيضًا لا تبدأ.

رفع لوكا يديه باستسلام مصطنع.

— لم أقل شيئًا.

ضحكت إيلارا، ثم عادت تنظر إلى أيان.

— كانت أمك طيبة، لكنها كانت عنيدة جدًا عندما يتعلق الأمر بمن تحبهم.

توقفت ابتسامتها للحظة، ونظرت إلى سولي بعاطفة.

— وما زالت كذلك، على ما يبدو.

لم تجب سولي.

اكتفت بأن أمسكت يد ابنها بقوة أكبر قليلًا.

فهي لم تكن تعرف بعد كم ستحتاج إلى تلك الصفة في الأيام القادمة.

---

كان لورينزو قد ظل واقفًا يراقب المشهد، لكنه ما إن وجد فرصة حتى تقدم نحو لوكا وصفعه على كتفه بخفة.

— هل ستفسر لي يومًا كيف عدت فجأة دون أن تخبر أحدًا؟

رد لوكا ببرود:

— لا.

ضحك لورينزو.

— اشتقت إلى لطفك المعتاد.

— وأنا اشتقت إلى صمتك.

— إذًا لم يشتق أحدنا إلى الآخر.

مد لورينزو ذراعيه، وكاد يحتضن لوكا، لكن لوكا ابتعد جانبًا.

— لا تبالغ.

فتح لورينزو فمه بصدمة مصطنعة.

— لقد عدت من السفر، وجئت إلى عائلتك، ولم تسمح لي حتى بعناقك؟

— يمكنك أن تكتفي بالمصافحة.

— يا لك من رجل عاطفي!

هزت كارلي رأسها وهي تضحك، بينما وقفت سولي إلى جانب إيلارا، تستعيد شيئًا من هدوئها.

لكن لورينزو لاحظ الطفل الذي يقف قرب لوكا.

فتغيرت ملامحه تدريجيًا.

نظر إلى أيان، ثم إلى لوكا.

— انتظر لحظة... هل هذا هو؟

أومأ لوكا.

— أيان.

اقترب لورينزو ببطء، ثم انحنى أمام الطفل كي يكون في مستواه.

— مرحبًا يا بطل.

— مرحبًا.

— هل أنت ابن لوكا؟

أومأ أيان بثقة.

— نعم. إنه أبي.

سكنت ملامح لورينزو لثانية، وكأن الكلمة جعلته يستوعب حقيقة ما أمامه.

ثم ابتسم ابتسامة واسعة.

— إذًا لدينا وريث صغير جديد في العائلة!

رفع أيان رأسه بفخر.

— أنا الأمير!

ضحك لورينزو.

— الأمير؟ حسنًا، يبدو أنني سأحتاج إلى تعلم كيفية مخاطبتك من الآن.

ثم مد يده نحو أيان، فصافحه الصغير بجدية مضحكة.

— مرحبًا بك في العائلة يا بطل.

اقترب لوكا ووضع يده على كتف ابنه.

— لا تشجعه كثيرًا.

— ولماذا؟ دعه يستمتع بلقبه.

ثم نظر لورينزو إلى سولي بابتسامة أكثر هدوءًا.

— من الجيد أنك عدتِ.

تلاشت ابتسامتها قليلًا، فقد فهمت من نبرته أنه لا يتحدث عن مجرد زيارة قصيرة.

أومأت ببطء.

— لا أعرف إن كان هذا المكان سيصبح بيتي مرة أخرى.

نظر لورينزو إلى لوكا، ثم عاد إليها.

— لن أطلب منكِ أن تنسي كل ما حدث. لكن أتمنى أن تجدي هنا شيئًا يستحق البقاء من أجله.

لم ترد سولي.

خفضت عينيها نحو أيان، الذي كان يتحدث مع لوكا بحماس عن الحديقة.

كان ابنها هو السبب الأول لعودتها.

وكان هو أيضًا السبب الذي لن يجعلها تستسلم، مهما حاول أحدهم إبعاده عنها.

وقبل أن يستمر الحديث، انقطع صوت الضحك فجأة.

طَق.

ضربت عصا الأرض من أعلى الدرج.

التفتت الرؤوس جميعها نحو الصوت.

ظهر مورفون عند رأس الدرج، مرتديًا بدلة داكنة، ممسكًا عصاه بإحدى يديه، فيما ارتسمت على وجهه ملامح باردة لا تحمل أي ترحيب.

نزل درجة واحدة.

ثم أخرى.

كان صوت عصاه يتردد في القصر مع كل خطوة.

تغيرت ملامح سولي فورًا.

تبدد الدفء الذي شعرت به قبل لحظات، وعاد الخوف القديم يطبق على صدرها.

لكن هذه المرة، لم تكن وحدها.

كانت إيلارا إلى جانبها، وكارلي تقف قرب أيان، ولوكا أمام الجميع.

وحين وصل مورفون إلى أسفل الدرج، استقرت عيناه على لوكا، ثم انتقلتا إلى سولي، وأخيرًا إلى الطفل.

ابتسم ابتسامة باردة.

— إذًا... لقد عدتم بالفعل.

لم يجبه أحد.

نظر مورفون إلى أيان طويلًا، ثم قال:

— هذا هو الصغير الذي جئت به إلى منزلنا؟

تقدمت سولي نصف خطوة، ووضعت يدها على كتف ابنها.

— اسمه أيان.

رفع مورفون حاجبه.

— أعرف اسمه.

ثم نظر إلى لوكا.

— يبدو أنك متحمس جدًا لتقديمه إلى العائلة.

رد لوكا ببرود:

— لأنه ابني.

تغير شيء طفيف في ملامح مورفون، ثم أطلق ضحكة قصيرة خالية من المرح.

— ابنك؟

ساد الصمت.

تصلبت ملامح كارلي، بينما اختفت ابتسامة لورينزو تمامًا.

أما سولي، فشعرت بقلبها يخفق بسرعة، لكنها أبقت يدها على كتف أيان، ورفعت رأسها نحو الرجل الذي أخافها طويلًا.

تابع مورفون وهو يضرب الأرض بعصاه:

— يبدو أنك صدّقت القصة التي روتها لك زوجتك.

رفع لوكا رأسه قليلًا.

— انتبه لكلماتك.

لم يتأثر مورفون بتحذيره.

أخرج ملفًا من تحت ذراعه، ورفعه أمام الجميع.

— لديّ ما يثبت أن هذا الطفل ليس ابنك البيولوجي يا لوكا.

لثانية واحدة، لم تسمع سولي شيئًا.

ثم شعرت بالغضب يصعد في صدرها بسرعة، حتى طغى على خوفها.

— ماذا قلت؟

نظر مورفون إليها.

— سمعتِني جيدًا.

فتح الملف ببطء، وأخرج بعض الأوراق.

— وثائق وتقارير تؤكد أن سولي حملت من رجل آخر، ثم عادت إليك بعدما اكتشفت أنك قادر على منحها مكانة داخل هذه العائلة.

لم تنتظر سولي أن يكمل.

تقدمت خطوة، ووقفت أمام أيان مباشرة.

— كاذب!

ارتد صوتها في أرجاء الصالة.

تجمدت كارلي، واتسعت عينا لورينزو، حتى إن إيلارا أمسكت بذراع سولي بدهشة.

لكن سولي لم تنظر إلى أي منهم.

كانت عيناها مثبتتين على مورفون.

— لا يحق لك أن تتحدث عن ابني بهذه الطريقة!

رفع مورفون حاجبه، وكأنه لم يتوقع منها أن ترفع صوتها عليه.

— اخفضي صوتك.

— لن أخفضه!

خرجت الكلمات من سولي حادة، واضحة، لا أثر للتردد فيها.

— لقد صمتُّ طويلًا أمامك لأنني كنت أخشى أذيتك، ولأنني كنت أحاول حماية من أحبهم. لكنك لن تجعل خوفي منك سببًا لتسمح لنفسك بإهانة ابني!

تراجعت كارلي خطوة من شدة المفاجأة.

أما لوكا فظل ينظر إلى سولي، وقد رأى في عينيها غضبًا لم يره من قبل بهذه القوة.

لم تكن تدافع عن نفسها.

كانت تدافع عن أيان.

عن حقيقة لا يمكن أن يغيرها ملف أو تهديد.

رفعت سولي يدها وأشارت إلى الأوراق في يد مورفون.

— احتفظ بأوراقك، واطبع منها ما تشاء، واكتب فيها الأكاذيب التي تريدها. لن تجعلني أشك في ابني، ولن تجعلني أسمح لأحد أن يشكك في والده!

توقفت لحظة، ثم التفتت إلى لوكا.

نظرت إليه مباشرة.

— أيان ابن لوكا فيتالي. ابن الرجل الذي أحبه، وابن الرجل الذي لم أخنه يومًا!

تغيرت ملامح لوكا تمامًا.

لم يكن يتوقع منها أن تقول ذلك أمام الجميع.

لم تقلها دفاعًا عن مكانته أو من أجل لقب الوريث.

قالتها لأنها تعرف الحقيقة، ولأنها رفضت أن تسمح لأحد بتلويثها.

عادت سولي تنظر إلى مورفون.

— قد تكرهني، وقد تحاول الانتقام مني لأنني ابنة أدريان ميرافيل، وقد تفعل كل ما تستطيع لتجعل حياتي جحيمًا... لكنك لن تستخدم أيان لتنتقم مني!

تصلبت ملامح مورفون عند سماع اسم والدها.

لكنها لم تتوقف.

كانت الدموع قد تجمعت في عينيها، إلا أن صوتها ظل ثابتًا.

— أيان ليس ورقة في لعبتك، وليس سرًا تخجل منه عائلتك، وليس غريبًا جئنا به من الشارع! إنه طفل له أب وأم، وله حق في أن يعرف عائلته وأن يعيش دون أن يضطر إلى الدفاع عن وجوده أمام رجل مثلك!

كان أيان ينظر إليها بخوف وحيرة، ممسكًا بطرف ثوبها.

لم يفهم كل الكلمات، لكنه شعر بغضب أمه، ورأى الدموع في عينيها.

شدّ يدها وهمس:

— ماما...

التفتت إليه فورًا.

وفي لحظة واحدة تبدل وجهها.

انحنت أمامه، ووضعت كفيها على خديه.

— انظر إليّ يا حبيبي.

رفع أيان عينيه إليها.

مسحت دمعة صغيرة علقت عند طرف عينه، رغم أنه لم يبدأ بالبكاء بعد.

— لا تصدق أي كلمة يقولها هذا الرجل عنك. أنت ابن أبيك، وأنا أعرف ذلك أكثر من أي شخص في هذا القصر.

ابتلع أيان ريقه.

— لكن... لماذا يقول إن أبي ليس أبي؟

انكسر شيء داخل سولي عند سماع السؤال.

احتضنته بقوة، وضمّت رأسه إلى صدرها.

— لأنه يريد أن يؤذينا، يا حبيبي. لكنه لا يستطيع أن يغير الحقيقة، هل تسمعني؟

هز أيان رأسه قليلًا، متشبثًا بها.

همست قرب أذنه:

— أبوك هو لوكا. لم يكن هناك رجل آخر، ولن أسمح لأحد أن يقنعك بعكس ذلك.

ثم رفعت رأسها ونظرت إلى مورفون من جديد.

— إذا أردت أن تواجهني، فواجهني أنا. إذا أردت أن تنتقم مني، فتعال إليّ أنا. لكن لا تجرؤ على استخدام طفلي سلاحًا ضدي مرة أخرى!

ساد صمت ثقيل.

للمرة الأولى منذ نزل مورفون إلى الصالة، لم يكن هو وحده من يفرض الصمت على الجميع.

لقد وقفت سولي أمامه، المرأة التي ظن أنها سيستطيع إخضاعها كلما هددها، ورفضت أن تتراجع خطوة واحدة حين تعلق الأمر بابنها.

لكن مورفون لم يبدُ مستعدًا للتراجع.

أغلق الملف ببطء.

— انتهيتِ؟

تقدمت سولي نصف خطوة أخرى.

— لا. لديّ المزيد، لكنك لا تستحق أن أضيّع أنفاسي في إقناعك بحقيقة تعرفها جيدًا.

تحولت ابتسامة مورفون إلى خط رفيع.

— انتبهي إلى نفسك يا سولي. قد تندمين على هذه الثقة.

— لن أندم على الدفاع عن ابني أبدًا.

جاء ردها سريعًا، بلا خوف ولا تردد.

ثم أمسكت يد أيان ووقفت إلى جانبه.

— ولن أسمح لك بإخراجه من هذا القصر أو انتزاعه من أبيه بس

Continue a ler este livro gratuitamente
Escaneie o código para baixar o App

Último capítulo

  • حين أحببتكِ متأخرًا    .

    🥹❤️‍🩹 يا أصدقائي، بدي آخد رأيكم بشغلة مهمة! بعد الأحداث الأخيرة، وخصوصًا بعد ما اكتشفنا إن الحياة السعيدة اللي عاشها لوكا مع سولي وأيان كانت مجرد حلم، صرت أفكر بمسار الرواية ونهايتها. بصراحة، كنت مخططة من البداية إن قصتهم تكون سعيدة، وإن أيان يعيش قصة حب خاصة فيه مع ثيا، لكنني قررت أغيّر المسار وأجعل الأحداث أكثر حزنًا وتأثيرًا. والآن بدي أعرف رأيكم أنتم! 🥺 أي مسار بتحبوا نكمل فيه الرواية؟ 💔 الخيار الأول: نكمل بالنهاية الحزينة، ونعيش مع لوكا تبعات خسارته لسولي وأيان، ونكتشف كيف رح يكمل حياته بعد كل هالسنين. ❤️‍🩹 الخيار الثاني: نغيّر مسار الرواية، ونرجع لفكرة المستقبل السعيد اللي كنت مخططة إله، ونمنح الشخصيات فرصة تعيش الحب والحياة اللي حلمت فيها. 💌 شاركوني رأيكم بالتعليقات، واحكولي ليش اخترتوا هالمسار. رأيكم مهم بالنسبة إلي، وبحب أعرف كيف أثّرت فيكم الأحداث الأخيرة! [اتمنى سماع ارائكم كي أشعر أنه هناك حقاً من يقرأ روايتي وليس كأني اكتبها دون أن يقرئها أحد ،أردت فقط أخبركم أنها من الرويات القريبة إلي قلبي لذالك أحببت أن انقشها معكم، وشكراً لكل من سايعطين رئيه.]❤️‍?

  • حين أحببتكِ متأخرًا    199

    [عشر سنوات من دونكما] فتح لوكا عينيه ببطء. ظلّ مستلقيًا في مكانه، يحدق في السقف بصمت، بينما كان ضوء الصباح يتسلل من بين الستائر ويرسم خطوطًا باهتة فوق الجدران. احتاج إلى بضع ثوانٍ حتى يستوعب أين هو. ثم أدار رأسه نحو الجانب الآخر من السرير. كان فارغًا. لم تكن هناك سولي. لا شعرها الأسود المنسدل فوق الوسادة، ولا ملامحها الهادئة التي اعتاد أن يتأملها في أحلامه، ولا ابتسامتها الصغيرة التي كانت تظهر كلما ناداها باسمها. مدّ يده نحو المكان الذي تخيلها نائمة فيه. لم تلامس أصابعه سوى الملاءة الباردة. توقفت يده في الهواء للحظة، ثم أنزلها ببطء. عاد الصمت. ذلك الصمت الذي عرفه جيدًا، حتى صار جزءًا من حياته. أغمض عينيه مجددًا، محاولًا الاحتفاظ ببقايا الحلم قبل أن تتلاشى تمامًا. قبل لحظات، كانت سولي بين ذراعيه. كان الخاتم يلمع في إصبعها، وكانت تضحك وهي تتهمه بأنه رجل مزعج لا يعرف كيف يتوقف عن مفاجأتها. كانت قد وافقت على الزواج منه مرة أخرى. كانا قد تحدثا عن منزلهما الجديد، وعن مخبزها، وعن الغرفة التي أراد تخصيصها لأيان، وعن الصباحات العادية التي تمنّيا أن يعيشاها معًا. وكان أيان هنا

  • حين أحببتكِ متأخرًا    198

    [ ليلةٌ تشبه الوعد] استمر لوكا وسولي في السير بين أحواض التوليب لبعض الوقت. كانت أصابعهما متشابكة، والخاتم الجديد يلمع في إصبع سولي كلما مرّا تحت أحد الفوانيس الصغيرة. وبين حين وآخر، كانت ترفع يدها أمام عينيها لتتأمله من جديد، وكأنها لا تزال تحاول استيعاب أن الرجل الذي راكع أمامها منذ دقائق هو نفسه لوكا فيتالي الذي ارتبطت به يومًا بقرار لم يكن لها فيه رأي. لاحظ لوكا حركتها للمرة الثالثة، فابتسم. — أعتقد أنكِ نظرتِ إلى الخاتم مرات أكثر مما نظرتِ إليّ منذ وافقتِ. رفعت سولي رأسها بسرعة. — هذا غير صحيح! — حقًا؟ — نعم. خفض عينيه إلى يدها. — إذًا، هل تسمحين لي بأن أصدقكِ؟ أخفت سولي يدها خلف ظهرها، وقد احمر وجهها. — أنت مزعج! ضحك لوكا، ثم اقترب منها قليلًا. — ومع ذلك، وافقتِ على الزواج مني مرة أخرى. — لا تجعلني أغيّر رأيي. رفع يديه مستسلمًا، لكن ابتسامته لم تختفِ. — لن أفعل. لقد احتجت إلى شجاعة كبيرة كي أطلب منكِ ذلك، ولا أنوي المخاطرة بكل شيء بسبب مزحة. توقفت سولي عن الابتسام للحظة، ونظرت إليه بتمعّن. كان يمزح معها، نعم، لكنها لاحظت أن صوته يحمل صدقًا عميقًا حين يتحدث عن

  • حين أحببتكِ متأخرًا    197

    [ هذه المرة... لأن قلبي اختاركِ] كانت الشمس تميل نحو الغروب عندما دخلت سيارات عائلة فيتالي إلى ساحة القصر. بعد يوم طويل في المحكمة، بدا الجميع وكأنهم يحملون فوق أكتافهم تعب شهر كامل، لا مجرد ساعات قليلة. ورغم أن الحكم قد صدر، وأن مورفون لم يعد حرًّا كما كان، فإن ما مرّت به العائلة لم يكن أمرًا يمكن نسيانه ببساطة. لكن وسط ذلك التعب، كان هناك شعور جديد يتسلل إلى القلوب. شعور بأنهم يستطيعون أخيرًا أخذ نفس عميق دون انتظار تهديد آخر. ما إن توقفت سيارة لوكا حتى فُتح الباب الرئيسي للقصر، وظهرت جدة سولي عند المدخل. كانت تقف قرب الدرج، ترتدي ثوبًا أنيقًا وشالًا خفيفًا على كتفيها، وملامحها تحمل قلقًا لم تستطع إخفاءه منذ الصباح. وعندما رأت سولي تنزل من السيارة ممسكة بيد أيان، تغير وجهها فورًا. — سولي! تقدمت بسرعة نحوهم. تركت سولي يد لوكا للحظة، وأسرعت إلى جدتها، ثم ارتمت بين ذراعيها. — جدتي... احتضنتها المرأة بقوة، وراحت تربت على ظهرها. — الحمد لله أنكِ عدتِ يا ابنتي. أغمضت سولي عينيها، واستندت إلى كتفها للحظات. لم تكن بحاجة إلى أن تسألها جدتها عما حدث داخل المحكمة؛ فق

  • حين أحببتكِ متأخرًا    196

    [ الحكم الأخير: العدالة من أجل أيان] بعد مرور شهر مرّ شهر كامل منذ اليوم الذي أُخرج فيه مورفون من قصر فيتالي تحت حراسة السلطات. شهرٌ لم يكن عاديًا بالنسبة إلى أيٍّ منهم. ففي الخارج، تحولت القضية إلى واحدة من أكبر القضايا التي شهدتها إيطاليا في السنوات الأخيرة. انتشرت الأخبار في الصحف والقنوات التلفزيونية، وتناقلت وسائل الإعلام تفاصيل اختطاف طفل من داخل قصر عائلة فيتالي، والتقارير الطبية المزورة، والمستشفى الخاص الذي استُخدم لإخفاء مخطط غير قانوني، إضافةً إلى التحقيقات التي كشفت عن صلات محتملة بين مورفون وشبكات إجرامية. ولم تتوقف المفاجآت عند ذلك. فمع استمرار التحقيق، ظهرت وثائق قديمة وشهادات جديدة أعادت فتح ملف وفاة إيدريان ميرافيل وزوجته. بدأت الأدلة تشير إلى أن رفض إيدريان استخدام شركته في عمليات غير قانونية كان أحد الأسباب التي دفعت مورفون إلى الانتقام منه، وأن القضية التي ظن الجميع أنها أُغلقت منذ سنوات لم تكن سوى سرٍّ دُفن تحت النفوذ والخوف. لكن هذه المرة، لم يكن مورفون قادرًا على إغلاق الملف كما فعل سابقًا. كان خلف القضبان، ينتظر المحاكمة. وكانت الأدلة تُعرض تباعًا أمام

  • حين أحببتكِ متأخرًا    195

    [من أجل أيان... سأسقط إمبراطورية كاملة] كان الليل قد انتصف تقريبًا، ومع ذلك لم يكن أحد في القصر مستعدًا للنوم. بعد عودة أيان، تحولت الغرفة إلى مكان يعجّ بالحركة الهادئة. كان الطبيب يطمئن إلى حالته بين حين وآخر، وأحضرت الخادمة له ملابس نظيفة وبطانية ناعمة، بينما بقيت سولي إلى جانبه، لا ترفع عينيها عنه إلا لتتأكد من أن صدره الصغير ما زال يرتفع وينخفض بانتظام. أما لوكا، فكان يقف قرب النافذة صامتًا. لم يستطع أن ينسى المشهد الذي رآه في المستشفى. ابنه الصغير، الذي كان يركض في الصباح حاملًا رسوماته ويطلب منه أن يلعب معه، مستلقيًا بلا حراك على سرير بارد، بينما كان غرباء يستعدون لارتكاب أمر لا يُغتفر بحقه. كلما تذكر ذلك، اشتدّ فكّه وانقبضت يداه. لكنه لم يسمح لغضبه بأن يطغى على اللحظة الوحيدة التي كان ينتظرها منذ ساعات طويلة. أن يستيقظ أيان، وينظر إليه بعينيه الصغيرتين، ويناديه مرة أخرى: أبي. --- تحرك أيان تحت البطانية، ثم فتح عينيه ببطء. كانت عيناه لا تزالان مثقلتين، وملامحه الصغيرة تحمل آثار التعب. كان أول ما رآه وجه أمه. كانت سولي جالسة قربه، تمسك يده بين كفّيها، وما إن لاحظت أ

Mais capítulos
Explore e leia bons romances gratuitamente
Acesso gratuito a um vasto número de bons romances no app GoodNovel. Baixe os livros que você gosta e leia em qualquer lugar e a qualquer hora.
Leia livros gratuitamente no app
ESCANEIE O CÓDIGO PARA LER NO APP
DMCA.com Protection Status