Share

194

last update publish date: 2026-10-18 15:02:14

[أعيدوا إليَّ ابني]

لم يتحرك مورفون من خلف مكتبه.

ظل ينظر إلى لوكا وسولي بهدوء مستفز، بينما بقيت سولي واقفة أمامه، تقبض على مقبض السكين بيد ترتجف من الغضب.

أما لوكا، فكان يعرف أن أي حركة غير محسوبة قد تمنح مورفون فرصة جديدة لإيذائهما.

قال بصوت منخفض:

— سألتك للمرة الأخيرة. أين ابني؟

رفع مورفون حاجبه، ثم نظر إلى سولي.

— يبدو أنكما نسيتما أنكما داخل بيتي.

ضحك ضحكة خافتة، وأضاف:

— أتيتما إلى هنا، وأدخلتما هذه الفوضى إلى القصر، والآن تتهمانني باختفاء الطفل. هل فقدتما صوابكما معًا؟

اشتعلت عينا سولي.

— لا تجرؤ على إنكار ما فعلته!

اندفعت خطوة إلى الأمام، لكن لوكا أمسك بذراعها قبل أن تتجاوز المسافة بينهما.

— سولي، انظري إليّ.

التفتت إليه بعنف.

— اتركني يا لوكا!

— لن أتركك تؤذين نفسك بسببه.

— لقد أخذ أيان!

انكسر صوتها عند ذكر اسم طفلها، وانهمرت دموعها مجددًا.

— إنه يعرف أن أيان لا يستطيع العيش من دوني، ومع ذلك أخذه!

شدّ لوكا فكه، ثم نظر إلى مورفون.

— إن أصاب ابني أي مكروه، فلن تحميك هذه الجدران، ولا اسم عائلتنا، ولا كل الرجال الذين تأمرهم.

لم تتغير ملامح مورفون.

بل نهض ببطء، واتكأ على عصاه.

— تهديداتك لا تخيفني يا لوكا.

ثم مرّ بنظره على سولي.

— أما أنتِ، فأنصحك بأن تتعلمي كيف تتحكمين في انفعالاتك. الصراخ لن يعيد إليك طفلك.

تجمدت سولي للحظة.

كانت كلماته قاسية بما يكفي لإشعال النار في صدرها، لكنها شعرت بأن ساقيها لم تعودا تحملانها.

تقدم لوكا، ووقف أمام مورفون مباشرة.

— لن أسمح لك بالاقتراب من سولي أو أيان مرة أخرى.

أشار إلى الباب.

— من الآن فصاعدًا، ستبقى تحت المراقبة. ولن يتحرك أحد من رجالك داخل القصر أو خارجه من دون علمي.

تصلب وجه مورفون أخيرًا.

— أتجرؤ على احتجازي في بيتي؟

— لا تختبرني.

تبادلا نظرات باردة لثوانٍ طويلة.

ثم استدار لوكا، ووضع ذراعه حول سولي وأخرجها من المكتب، بينما بقيت كلمات مورفون تتردد في رأسها.

الصراخ لن يعيد إليك طفلك.

لكنها لم تكن تريد الصراخ.

كانت تريد أن تسمع صوت أيان.

أن تراه يركض نحوها، وأن تشعر بذراعيه الصغيرتين تلتفان حول خصرها، وأن تسمعه يقول كعادته:

أمي، أين كنتِ؟

لم تكن تريد من هذا العالم شيئًا آخر.

فقط ابنها.

---

مع حلول المساء، لم يعد القصر هادئًا.

انتشر الحراس في الممرات والساحات، وفُحصت المداخل والمخارج، وجُمعت تسجيلات كاميرات المراقبة من كل زاوية.

لكن أيان لم يظهر.

لم يجدوا أثرًا واضحًا له في الطابق الذي كان ينام فيه، ولم تستطع الخادمات تفسير اختفائه. أما التسجيلات، فقد كشفت أن بعض الكاميرات توقفت عن العمل خلال فترة قصيرة، وهي الفترة نفسها التي يُرجح أن الطفل اختفى خلالها.

وقفت سولي أمام شاشة كبيرة في غرفة المراقبة، تحدق في الصور المتتابعة.

— أعدها.

نظر إليها أحد الحراس بتردد.

— سيدتي، لقد شاهدنا التسجيل عدة مرات.

— قلت لك أعده!

أعاد الحارس المقطع.

ظهرت إحدى الخادمات وهي تمر في الممر.

ثم ظهر حارس عند نهاية الدرج.

بعد ذلك، توقفت الصورة لثوانٍ، قبل أن تعود الحركة إلى طبيعتها.

وضعت سولي يدها على فمها.

— لا... لا، هذا مستحيل...

كان لوكا يقف خلفها، وقد أمضى الساعات الماضية يتابع كل تفصيل بنفسه. لم يغادر غرفة المراقبة إلا ليتحدث مع مارك، الذي كان يتولى البحث خارج القصر أيضًا.

اقترب من سولي.

— سنجد طريقًا آخر.

التفتت إليه بعينين حمراوين.

— ماذا لو كان يتألم الآن يا لوكا؟ ماذا لو كان يناديني ولا يجدني؟

لم يستطع الإجابة مباشرة.

لأنه كان يفكر في السؤال نفسه.

اقترب منها أكثر، وأمسك يديها الباردتين.

— أيان يعرف أنك تحبينه. ويعرف أنني لن أتوقف حتى أعيده إلينا.

هزت رأسها.

— لقد وعدته أنني سأكون معه دائمًا.

— وستكونين معه.

— لكنني لم أكن بجانبه عندما احتاج إليّ!

انفجرت بالبكاء، فضمها لوكا إلى صدره.

لم يطلب منها أن تتوقف.

ولم يقل لها أن تكون قوية.

اكتفى بالوقوف معها، بينما كانت أصابعها تتشبث بقميصه، وكأنها تحاول أن تمنع العالم كله من أخذ شيء آخر منها.

في تلك الليلة، لم تأكل سولي.

ولم تنم.

جلست على سرير أيان، تحتضن وسادته الصغيرة، وتحدق في الرسمة التي تركها على الطاولة.

كانت رسمة بسيطة لطفل يمسك بيد امرأة طويلة الشعر، وإلى جانبهما رجل طويل يرتدي قميصًا أسود.

فوق رؤوسهم، كتب أيان بحروف طفولية متعرجة:

«أنا وأمي وأبي.»

مررت سولي أطراف أصابعها فوق الكلمات، ثم انحنت واحتضنت الورقة إلى صدرها.

— أين أنت يا روحي؟

خرج السؤال همسًا، لكن الغرفة الفارغة لم تمنحها جوابًا.

وفي الخارج، بقي لوكا واقفًا عند باب الغرفة، يسمع بكاءها المكتوم.

كان غاضبًا إلى درجة أن يديه كانتا مشدودتين إلى جانبيه، لكنه حين نظر إلى سولي، أدرك أن غضبه لا يساوي شيئًا أمام ألمها.

دخل بهدوء وجلس بجوارها.

لم ترفع رأسها.

قالت بصوت متعب:

— لوكا... أعده إليّ.

أغمض عينيه للحظة.

— سأعيده يا سولي. مهما كلّفني الأمر.

---

اليوم الثاني

مرّ اليوم الثاني ثقيلًا، وكأن الوقت تعمّد أن يسير ببطء.

لم تعد سولي تعرف كم مرة نادت اسم أيان، أو كم مرة فتحت باب غرفته على أمل أن تجده جالسًا على سريره.

كانت تستيقظ على أي صوت في الممر.

وحين تسمع خطوات سريعة، تخرج مسرعة.

وحين يفتح أحدهم الباب، ترفع رأسها فورًا.

لكن في كل مرة، كانت النتيجة واحدة.

لا أيان.

لا صوته.

لا ضحكته.

ولا يداه الصغيرتان اللتان اعتادتا أن تبحثا عن يدها عندما يخاف.

حاولت كارلي إقناعها بتناول القليل من الطعام.

وضعت أمامها كوبًا من الحليب وقطعة خبز، وجلست بجانبها.

— سولي، أرجوكِ. عليكِ أن تأكلي شيئًا.

نظرت سولي إلى الطبق دون اهتمام.

— لا أستطيع.

— أعرف أنك خائفة، وأنا خائفة معكِ، لكنك تحتاجين إلى القوة.

هزت سولي رأسها، ثم ضغطت على شفتيها حتى لا تبكي.

— كيف آكل وأنا لا أعرف حتى إن كان قد أكل اليوم؟ كيف أنام وأنا لا أعرف أين ينام؟ كارلي، إنه صغير جدًا...

ارتجفت شفتاها.

— عندما يخاف، ينادي أمه. ماذا يفعل الآن إن كان خائفًا؟

عانقتها كارلي، وحاولت أن تخفي دموعها هي الأخرى.

كانت قد انتظرت سنوات حتى يظهر حفيدها في حياتها.

وبعدما احتضنته أخيرًا، لم تتخيل أن يختفي بهذه الطريقة.

أما إيلارا، فكانت تجلس مع ثيا بعيدًا عن غرف البحث، تحاول أن تشرح لها أن أيان ليس في القصر مؤقتًا، من دون أن تخيفها أكثر.

وكان لورينزو يتنقل بين مكتب لوكا وغرفة المراقبة، يساعد مارك في تتبع أي سيارة غادرت محيط القصر خلال الساعات السابقة.

لكن كل الطرق كانت تنتهي إلى فراغ.

حتى بعد ظهر ذلك اليوم، حين دخل مارك إلى المكتب، كان وجهه متجهمًا.

رفع لوكا عينيه إليه فورًا.

— ماذا وجدت؟

أغلق مارك الباب خلفه.

— هناك فجوة في التسجيلات. لم تتوقف الكاميرات عشوائيًا، بل عُطّلت بطريقة تجعلنا نرى معظم الحركة في الممرات، لكننا نفقد الدقائق التي نحتاج إليها.

نهض لوكا.

— هل تستطيع معرفة من فعل ذلك؟

— أعمل على الأمر. لكنني وجدت شيئًا آخر.

أخرج مارك هاتفه، وعرض عليه صورة لسيارة داكنة التُقطت قرب أحد المخارج الخدمية.

— لم تدخل السيارة من البوابة الرئيسية، ولم يبلّغ عنها الحراس. ظهرت في تسجيل بعيد، ثم اختفت عن الشبكة.

ضاقت عينا لوكا.

— لمن تعود؟

— لم تُسجّل باسم أحد من العائلة. لكن إحدى الشركات المسجلة باسمها مرتبطة بأشخاص تعاملوا مع مورفون سابقًا.

ساد الصمت.

لم يحتج لوكا إلى سماع المزيد.

— ابحث عن السيارة. أريد طريقها كاملًا، وكل شخص تواصل مع سائقها.

أومأ مارك.

ثم تردد قليلًا قبل أن يضيف:

— لوكا... هناك شيء آخر.

رفع لوكا عينيه.

— تكلم.

— أحد موظفي المستشفى الخاص الذي كان يعمل فيه الدكتور سامر اتصل بمصدر يعرفه. يقول إن هناك تجهيزات طبية نُقلت إلى جناح مغلق في مستشفى بعيد عن وسط المدينة. لم تكن مسجلة باسم المستشفى المعتاد، بل تحت اسم شركة خاصة.

تصلب جسد لوكا.

تذكر اعتراف الطبيب عن التقارير المزورة، وعن رغبة مورفون في إبعاده عن أيان.

وفجأة، بدت الفجوات في التسجيلات والسيارة الغامضة والجناح المغلق أجزاءً من صورة واحدة.

— أي مستشفى؟

أعطاه مارك العنوان.

التقط لوكا سترته ومفاتيحه فورًا.

— أرسل رجالًا إلى هناك، لكن لا تسمح لأحد بالاقتراب قبل أن نعرف ما يحدث داخل المبنى.

— هل تعتقد أن أيان هناك؟

نظر لوكا إلى الصورة التي كانت على شاشة مكتبه، صورة أيان وهو يبتسم في الحديقة.

ثم قال بصوت منخفض:

— لا أعرف. لكنني لن أترك احتمالًا واحدًا من دون أن أتحقق منه.

وقبل أن يغادر، توقف عند الباب.

— مارك، أريد الطبيب الذي شهد على التقارير المزورة تحت الحراسة. وإذا كان هذا المكان مرتبطًا بمورفون فعلًا، فأريد من كل شخص فيه أن يشهد على ما حدث.

أومأ مارك.

خرج لوكا مسرعًا.

وللمرة الأولى منذ اختفاء أيان، لم يكن يتحرك بحثًا عن أثر مجهول.

كان لديه مكان.

وكان عليه أن يصل إليه قبل فوات الأوان.

---

في المساء، وقفت سولي في الممر قرب نافذة طويلة.

كانت قد أمضت اليوم كله تراقب الناس وهم يدخلون ويخرجون، وتسأل كل واحد عن أي معلومة جديدة.

وعندما رأت لوكا يمر من بعيد، أسرعت نحوه.

— هل وجدتم شيئًا؟

توقف أمامها.

كان مترددًا في إخافتها قبل التأكد، لكنه تذكر وعده لها بأن يكون صادقًا معها بشأن كل ما يمسّ سلامة طفلها.

أمسك بيديها.

— لدينا خيط جديد. مارك يتأكد منه الآن.

حدقت فيه، وكأنها تحاول أن تستخلص الحقيقة من عينيه.

— هل هو حي؟

اهتز قلب لوكا عند السؤال.

— لا نملك دليلًا يقول إن مكروهًا أصابه.

لم يكن هذا جوابًا كاملًا، لكنه لم يشأ أن يعطيها وعدًا لا يستطيع ضمانه.

أغمضت سولي عينيها، وضغطت على يديه.

— خذني معك.

— سولي...

— لا تقل لي أن أبقى هنا. لا أستطيع أن أجلس في هذا القصر دقيقة أخرى وأنا لا أعرف أين ابني.

كان صوتها ضعيفًا من التعب، لكنه لم يفقد إصراره.

نظر إليها طويلًا.

— إذا تأكدنا أن المكان آمن بما يكفي، ستأتين معي. لكنني لن أسمح لكِ بأن تواجهي أي خطر وحدك.

أومأت بسرعة، ثم قالت:

— فقط أعده إليّ يا لوكا.

شد على يديها.

— سأفعل كل ما أستطيع.

وحين ابتعد، بقيت سولي تنظر خلفه.

كانت تتمنى أن تكون تلك الليلة هي الأخيرة التي تنام فيها من دون ابنها.

لكنها لم تعرف أن مورفون كان يستعد، في مكان آخر، لإنهاء خطته قبل أن يصل إليه أحد.

---

اليوم الثالث

كان الصباح قد بدأ بالكاد حين اهتز هاتف لوكا.

كان جالسًا في مكتبه، أمامه ملفات وصور ورسائل جمعها مارك طوال الليل.

أجاب فورًا.

— تكلم.

جاء صوت مارك متوترًا على الطرف الآخر:

— تأكدنا من الموقع. أيان هناك.

توقفت أنفاس لوكا للحظة.

نهض من مقعده.

— هل رأيته؟

— أحد العاملين تعرّف على الطفل من الصورة. قال إنه نُقل إلى الجناح الخاص ليلًا، وإن مورفون أصدر أوامر بعدم السماح لأحد بالدخول.

شعر لوكا بأن الدم يغلي في عروقه.

— هل تعرف ماذا ينوي أن يفعل؟

صمت مارك لثانية، ثم أجاب بصوت أكثر انخفاضًا:

— تشير المعلومات إلى أنهم يستعدون لإجراء عملية غير قانونية. لا نعرف كل التفاصيل، لكن هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأن الأمر مرتبط بما قاله الطبيب عن نية مورفون أخذ أعضاء أيان.

تجمد لوكا.

لم يعد في ذهنه شيء سوى وجه ابنه.

طفله الصغير الذي نام بين ذراعيه وهو يسمع قصة التنين.

الذي ناداه «أبي» للمرة الأولى بصوت ناعس.

الذي رسم عائلته وجمعهم في صورة واحدة، وكأنه كان يحلم بأن يصبح لهم بيت لا يفترقون فيه.

ضغط لوكا على الهاتف بقوة.

— أوقفوا كل شيء. أريد الشرطة والطوارئ عند المبنى. لا تسمحوا لأحد بنقل الطفل إلى مكان آخر.

— فهمت.

— وأنا في الطريق.

أنهى الاتصال، والتقط مفاتيحه وسلاحه، ثم خرج من المكتب بسرعة.

كانت سولي تنتظره في الصالة.

وحين رأته، نهضت فورًا.

— لوكا؟ ماذا حدث؟

توقف أمامها.

لم يستطع أن يخفي الحقيقة عنها هذه المرة.

أمسك كتفيها برفق، ونظر في عينيها.

— وجدنا أيان.

شهقت سولي.

— أين هو؟! هل هو بخير؟!

— في مستشفى خاص. هناك شيء خطير يحدث، ويجب أن أصل إليه الآن.

شحبت ملامحها.

— شيء خطير؟ ماذا تقصد؟

لم يشأ أن يتركها تتخيل الأسوأ، لكنه لم يستطع أيضًا أن يكذب.

— أعتقد أن مورفون يريد أن يؤذيه. سأعيده إليكِ، سولي.

وضعت يدها على فمها، وكادت تنهار.

— لا... لا، أرجوك.

ضمها إليه لحظة.

— اسمعيني. مارك سيبقى معكِ حتى تصلنا أخبار مؤكدة. لن أسمح لأحد بأن يأخذه مني مرة أخرى.

رفعت رأسها، وملأت الدموع عينيها.

— إنه ابني يا لوكا. لا تدعهم يؤذونه.

— أعرف.

ثم وضع يده على خدها، ومسح دمعة بإبهامه.

— انتظريني. سأعيده.

استدار قبل أن يفقد السيطرة على غضبه، وخرج من القصر.

وبقيت سولي واقفة مكانها، تحدق في الباب الذي أُغلق خلفه.

لم تستطع اللحاق به.

ولم تستطع حتى أن تتحرك.

اكتفت بأن تشبك يديها أمام صدرها، وتهمس بالدعاء نفسه مرارًا:

— يا رب... أعد إليّ ابني. أعد إليّ أيان سالمًا.

---

كان المستشفى بعيدًا عن الشوارع المزدحمة، مبنى حديثًا تحيط به أسوار عالية، ويبدو من الخارج كأي منشأة طبية خاصة.

لكن خلف الأبواب المغلقة، كان هناك جناح لا يظهر في سجلات الاستقبال المعتادة.

وصلت سيارة لوكا أولًا، وتوقفت قرب المدخل الجانبي.

ترجل منها قبل أن تتوقف السيارة تمامًا، ثم التقى بمارك وعدد من الرجال الذين كانوا ينتظرونه بعيدًا عن الأنظار.

قال مارك بسرعة:

— الأمن في طريقه إلى هنا. لكننا لا نعرف كم بقي لدينا من وقت.

نظر لوكا إلى المبنى.

— أين الغرفة؟

أشار مارك إلى جناح في الطابق الثاني.

— هناك.

لم يسأل لوكا المزيد.

دخل المبنى بخطوات سريعة، ووجهه جامد إلى درجة مخيفة. حاول أحد العاملين منعه، لكن مارك أوقفه وطلب منه الابتعاد، بينما واصل لوكا طريقه.

كلما اقترب من الجناح، ازداد إحساسه بأنه تأخر.

كانت هناك أبواب مغلقة، وأصوات خافتة خلف الجدران، وحركة غير طبيعية لأشخاص يرتدون ملابس طبية ويتجنبون النظر إليه.

ثم لمح بابًا مفتوحًا جزئيًا في نهاية الممر.

ورأى من خلاله سريرًا صغيرًا.

طفلًا مستلقيًا فوقه.

توقف قلبه للحظة.

— أيان...

اندفع نحو الغرفة.

كان ابنه هناك.

وجهه شاحب، عيناه مغمضتان، وجسده الصغير ساكن تحت غطاء أبيض. كانت هناك معدات طبية حوله، وأحد الرجال يستعد للقيام بإجراء طبي لم يأذن به أحد من أهله.

استدار الرجل عند سماع صوت الباب.

— من أنت؟ لا يمكنك الدخول إلى هنا!

لم يتوقف لوكا.

— ابتعد عن ابني.

تبادل الرجل نظرة سريعة مع شخص آخر في الغرفة، ثم تحرك أحدهما باتجاه لوكا محاولًا منعه.

رفع لوكا سلاحه، وصاح:

— لا تقترب!

لكن الرجل لم يتوقف.

وفي لحظة متوترة، أطلق لوكا رصاصة أصابت الرجل الذي اندفع نحوه، فسقط مصابًا، وارتفعت صرخة مفاجئة من بقية الموجودين.

لم يتوقف لوكا ليتحقق من الرجل.

كان يرى أيان فقط.

لكن قبل أن يصل إلى السرير، لمح حركة سريعة من جانب الغرفة. حاول أحد العاملين الوصول إلى الطفل، فاستدار لوكا ووجه سلاحه نحوه، وأمره بالابتعاد.

تراجع الرجل مذعورًا، ورفع يديه.

— لا تطلق النار! لا تطلق النار!

— ابتعد عن ابني!

اندفع مارك إلى الغرفة بعده، وأمسك بالشخص الآخر وأبعده عن السرير، بينما بدأ بقية الرجال يسيطرون على المكان.

كانت الفوضى تعم الغرفة، والأصوات ترتفع، لكن لوكا لم يسمع شيئًا سوى نبضه العنيف.

وصل إلى أيان أخيرًا.

انحنى فوقه.

— أيان؟ حبيبي، أبي هنا.

لم يفتح الطفل عينيه.

اقترب لوكا أكثر، ووضع يده على جانب رأسه.

— أيان، اسمعني... لقد جئت لأعيدك إلى أمك.

لم يتحرك.

كان أثر المهدئ الذي أُعطي له لا يزال واضحًا، وجسده الصغير غارقًا في نوم عميق لم يستطع لوكا إيقاظه منه.

لكن حين رفع لوكا الغطاء قليلًا ليتأكد من حاله، تجمدت عيناه.

كان هناك دم على ثوب الطفل الأبيض وعلى طرف الغطاء.

دم شخص آخر أصاب أيان وسط الفوضى.

لبضع ثوانٍ، لم يستطع لوكا التنفس.

نظر إلى البقع الحمراء، ثم إلى وجه ابنه الساكن.

— لا... لا، ليس أنت.

مد ذراعيه ورفع أيان عن السرير بحذر، وضمّه إلى صدره، محاولًا إبعاد الغطاء الملطخ عنه.

— أبي هنا يا صغيري. انتهى الأمر. لن يلمسك أحد بعد الآن.

دخل أحد الأطباء الذين وصلوا مع فريق الطوارئ، وأسرع لفحص أيان.

— سيدي، دعني أتأكد من حالته.

نظر إليه لوكا بعينين محتقنتين.

— افعل ذلك الآن!

فحص الطبيب الطفل بسرعة، ثم رفع رأسه.

— إنه يتنفس. يبدو أن المهدئ لا يزال يؤثر عليه، لكننا بحاجة إلى فحصه في قسم الطوارئ والتأكد من عدم تعرضه لأي أذى.

أغمض لوكا عينيه للحظة، كأنه يحاول أن يستوعب أن ابنه لا يزال حيًا.

ثم احتضنه بحذر أكبر.

— خذوا المصابين، وأمّنوا الجناح. لا أريد أن يخرج أحد قبل أن يصل رجال الأمن.

قالها لمارك، الذي أومأ فورًا.

— تم.

نظر لوكا إلى أيان مرة أخرى.

كان وجهه ساكنًا، ورأسه مستندًا إلى كتف أبيه، ويده الصغيرة تتدلى من ذراعه.

لم يرَ لوكا في حياته مشهدًا أشد قسوة من أن يحمل ابنه هكذا، بلا صوت، بعد أن كاد يفقده إلى الأبد.

انحنى وقبّل جبينه.

— سامحني يا أيان... سامحني لأنني لم أصل إليك أبكر.

ثم حمله خارج الغرفة، بينما بقي الطبيب قريبًا منه، مصممًا على فحص الطفل ومراقبته في الطريق.

لم يكن لوكا يريد أن يترك ابنه من يديه ولو للحظة.

لكنه كان يعرف أن أول ما يجب فعله هو إعادته إلى مكان آمن، والتأكد من سلامته.

---

العودة — الدم الذي أخافها

كانت سولي في الصالة حين سمعت صوت السيارات يقترب من بوابة القصر.

رفعت رأسها فورًا.

نهضت من مقعدها، وأسقطت الغطاء الذي كانت تمسكه بين أصابعها.

— لوكا؟

لم تنتظر أن يأتي أحد ليخبرها.

ركضت نحو المدخل، وقلبها يخفق بعنف، حتى شعرت أن خطواتها لا تلامس الأرض.

كانت كارلي ولورينزو وإيلارا خلفها، وقد وصلهم الخبر بأن لوكا وجد أيان، لكن لم يعرف أحد بعد حال الطفل.

انفتح الباب.

ودخل لوكا.

كان يحمل أيان بين ذراعيه.

توقفت سولي فجأة.

لم ترَ في البداية سوى جسد طفلها الصغير، ورأسه المستند إلى كتف أبيه، وذراعه المتدلية بلا حركة.

ثم وقعت عيناها على الدم الذي لطخ ثوبه الأبيض، وعلى البقع الحمراء التي ظهرت قرب كتف لوكا وعلى يديه.

اختفى كل صوت من حولها.

لم تعد تسمع كارلي وهي تناديها، ولا خطوات لورينزو خلفها، ولا صوت الطبيب الذي كان يشرح شيئًا للوكا.

رأت أيان فقط.

أيان الذي لم يتحرك.

أيان الذي لم ينادها.

أيان الذي كانت تنتظره منذ يومين كاملين.

ثم خرج صوتها من صدرها كأنه انشقاق:

— أيــــان!

اندفعت نحوه، لكن قدميها تعثرتا للحظة.

— لا... لا، لا، لا!

مدت يديها باتجاهه، وراحت تهز رأسها بعنف.

— حبيبي؟ أيان، أمك هنا!

لم يفتح عينيه.

صرخت وهي تنظر إلى لوكا:

— ماذا حدث له؟! لوكا، لماذا لا يتحرك؟!

حاول لوكا أن يجيبها، لكنها لم تكن قادرة على سماعه.

كانت تحدق في الدم، وتتنقل عيناها بين وجه ابنها وملابسه، بينما أخذت أنفاسها تتقطع.

— لا... ابني...

خطت خطوة أخرى، ثم شعرت أن الأرض تنسحب من تحت قدميها.

وقبل أن تسقط، اندفع لوكا نحوها، لكنه لم يستطع أن يحملها من دون أن يعرّض أيان للخطر.

تحركت كارلي بسرعة وأمسكت بسولي من جانبها، وساعدها لورينزو على الاستقرار فوق المقعد القريب.

— سولي! ابنتي، اسمعيني!

لكن عيني سولي كانتا قد انغلقتا.

فقدت وعيها.

— سولي!

صرخ لوكا باسمها، وشعر للحظة بأن العالم ينهار من حوله مرة أخرى.

كان ابنه بين ذراعيه، وزوجته ممددة على المقعد، ودماء الغريب لا تزال على ثياب الطفل.

نظر إلى الطبيب الذي رافقه.

— افحصه الآن! وأحضر طبيبًا لسولي!

اقترب الطبيب من أيان، وبدأ بفحصه مجددًا، بينما جلست كارلي قرب سولي، تربت على خدها برفق.

— سولي، حبيبتي... افتحي عينيك.

أما لوكا، فبقي ممسكًا بابنه، عاجزًا عن إبعاده عنه حتى للحظات.

كان قد أعاد أيان.

لكن رؤية سولي وهي تسقط من الخوف جعلته يشعر أن المعركة لم تنتهِ بعد.

---

لم تعرف سولي كم مضى من الوقت قبل أن تستعيد وعيها.

أول ما شعرت به كان ثقلًا في رأسها، ثم صوتًا قريبًا يناديها.

— سولي؟ هل تسمعينني؟

فتحت عينيها ببطء.

كان لوكا جالسًا إلى جانبها، ووجهه شاحب ومتعب، وعيناه تحملان قلقًا لم تستطع فهمه في البداية.

لكن ما إن تذكرت ما رأته عند الباب حتى اعتدلت فجأة.

— أيان!

أمسكت بذراع لوكا بقوة.

— أين أيان؟!

— سولي، اهدئي قليلًا...

— لا تقل لي أن أهدأ! أين ابني؟!

حاولت النهوض، لكنه وضع يده على كتفها برفق.

— إنه هنا، في القصر. الطبيب يفحصه الآن.

حدقت فيه.

كانت عيناها تبحثان عن أي إشارة، أي كلمة، أي شيء يمكن أن ينقذها من الفكرة التي بدأت تلتهمها من الداخل.

— لماذا كان بلا حراك؟ لماذا كان عليه دم؟ لوكا، ماذا حدث؟!

ارتجف صوتها في نهاية السؤال، ثم اندفعت الدموع من عينيها.

— لا... أرجوك.

تعلقت بقميصه بكلتا يديها.

— لا تقل لي إنه مات.

تجمد وجه لوكا.

— سولي...

هزت رأسها بسرعة، وكأنها تحاول منعه من قول الكلمة حتى قبل أن ينطق بها.

— لا تقلها! لا تقل إن ابني مات! أرجوك يا لوكا، لا تفعل ذلك بي!

انهارت بالبكاء.

— إنه صغير... لم يفعل شيئًا... لقد وعدته أنني سأحميه. وعدته!

أمسك لوكا بيديها، وجذبها برفق نحوه حتى استطاع أن يجعلها تنظر في عينيه.

— سولي، اسمعيني جيدًا.

كانت ترتجف.

— أيان لم يمت.

توقفت شهقاتها للحظة.

حدقت فيه، وكأنها لم تفهم الكلمات.

فكررها بوضوح أكبر:

— أيان حي، يا سولي. ابننا حي.

اتسعت عيناها.

— حي...؟

أومأ لوكا بسرعة.

— نعم، حي. إنه يتنفس، والطبيب يفحصه الآن. كان تحت تأثير مهدئ، ولهذا لم يستيقظ عندما حملته.

ثم رفع يدها إلى صدره، وضغط عليها برفق.

— أما الدم الذي رأيتِه... فليس دمه. أصاب ثيابه في أثناء الفوضى التي حدثت في المستشفى. الرجل الذي أطلق عليه النار كان من أولئك الذين حاولوا منعي من الوصول إلى أيان. لقد أصيب، وتناثر بعض الدم على ملابس ابننا. لكن أيان لم يُصب بالرصاص.

ظلت سولي تنظر إليه.

كانت الكلمات تصل إليها ببطء، كأن عقلها يحتاج إلى وقت ليفهم أن طفلها الذي ظنته قد مات لا يزال حيًا.

— أنت... أنت متأكد؟

— نعم.

— رأيته؟ كان يتنفس؟

أمسك وجهها بين يديه برفق.

— رأيته، يا سولي. كنت أحمله بين ذراعيّ طوال الطريق. والطبيب فحصه قبل أن نغادر المستشفى. هو معنا الآن، ولم أكن لأخبرك بهذا لو لم أكن متأكدًا مما أقول.

خرج من صدرها صوت متكسر، ثم دفنت وجهها بين يديها.

— يا رب...

انحنت إلى الأمام، وغطت فمها، وهي تبكي من شدة الارتياح والخوف اللذين اجتمعا داخلها.

اقترب لوكا وضمها إليه.

هذه المرة، لم تقاوم.

تشبثت به وهي تبكي، ورددت بين شهقة وأخرى:

— ظننت أنه مات... لوكا، ظننت أنني خسرت ابني...

شد ذراعيه حولها.

— أعرف.

— عندما رأيته بين ذراعيك... ووجهه لم يكن يتحرك... والدم على ثيابه...

توقف صوتها، فعادت إلى البكاء.

أغمض لوكا عينيه، وأسند ذقنه إلى رأسها.

— لا أريدك أن تتخيلي هذا المشهد مرة أخرى. لقد أعدته إليكِ، وهو الآن تحت رعاية الطبيب.

رفعت رأسها فجأة.

— أريد أن أراه.

— سترينه حالما ينتهي الطبيب من فحصه.

— الآن يا لوكا، أرجوك. أريد أن أراه بعيني. أريد أن أتأكد من أنه معي.

لم يعترض.

ساعدها على النهوض ببطء، وأبقى ذراعه حولها حتى استقرت على قدميها.

— حسنًا. لكن إذا شعرتِ بالدوار، فأخبريني فورًا.

لم تجبه، بل أمسكت بيده بقوة.

كانت تريد أن تركض، لكنها لم تكن تملك القوة الكافية.

لذلك مشت معه، خطوة بعد أخرى، وهي تكرر في داخلها:

إنه حي... أيان حي...

---

كانت الغرفة التي نُقل إليها أيان هادئة، وتفوح منها رائحة الأدوية النظيفة.

جلس الطبيب قرب السرير، يتابع حالة الطفل، فيما بقيت كارلي عند الباب، وعيناها ممتلئتان بالدموع.

وعندما دخلت سولي، توقفت عند العتبة.

كان أيان مستلقيًا فوق السرير، وقد استُبدلت ملابسه الملطخة بأخرى نظيفة. بدا شاحبًا ومتعبًا، لكن صدره كان يرتفع وينخفض بهدوء.

كان حيًا.

كان يتنفس.

وكان هنا.

أطلقت سولي شهقة خافتة، ثم أسرعت إلى جانبه.

— أيان...

جلست قربه، وأخذت يده الصغيرة بين يديها.

كانت دافئة.

هذه المرة، لم تكن تحتضن وسادة فارغة، ولا تنظر إلى رسمة فوق طاولة. كان ابنها أمامها، حتى وإن بقي نائمًا.

مررت يدها فوق شعره الأسود الناعم، وانحنت لتقبّل جبينه.

— أمك هنا يا حبيبي.

انحدرت دمعة على خدها.

— عدت إلى أمك... عدت إليّ.

لم يجب أيان، لكنه لم يكن بحاجة إلى الإجابة.

بقيت تمسك بيده، كأنها تخشى أن يختفي إذا تركتها.

اقترب لوكا وجلس على الجانب الآخر من السرير.

نظر إلى ابنه طويلًا، ثم مرر يده برفق فوق شعره.

— لقد كنت شجاعًا، يا صغيري.

رفعت سولي عينيها إليه.

— ماذا قال الطبيب؟

تنفس لوكا بعمق، ثم أجاب:

— لم تبدأ العملية التي كانوا يخططون لها. وصلنا قبل أن يتمكنوا من فعل ما أرادوه. يحتاج أيان إلى المراقبة والراحة حتى يزول تأثير المهدئ تمامًا، لكن الطبيب لم يجد حتى الآن ما يدل على إصابة جسدية مباشرة.

أغمضت سولي عينيها براحة، ثم انحنت وقبّلت يد طفلها.

— الحمد لله...

كان صوتها ضعيفًا، لكنه هذه المرة لم يكن محملًا باليأس.

ثم التفتت إلى لوكا.

— هل كان خائفًا؟

لم يجب فورًا.

تذكر الغرفة، والسرير الصغير، والطفل الذي لم يتحرك عندما ناداه.

وتذكر كيف بدا جسده خفيفًا بين ذراعيه، وكيف شعر بأن العالم كله أصبح على حافة الهاوية.

أخيرًا قال:

— لا أعرف ماذا حدث له قبل وصولي، لكنني لن أترك أحدًا يقترب منه مرة أخرى.

حدقت سولي في وجهه.

كانت لا تزال ترتجف، لكنها شعرت بالغضب يعود إلى قلبها خلف الخوف.

— مورفون.

لم ينكر لوكا.

— سنتعامل معه.

هزت رأسها، ونظرت إلى أيان مجددًا.

— لا. هذه المرة، لن أسمح له بأن يستخدم ابني ليكسرنا. لن أسمح له بأن يخيفه، أو يجعله يظن أن أباه لا يحبه، أو أن أمه لا تستطيع حمايته.

أمسكت يد أيان بيد، ومدت يدها الأخرى نحو لوكا.

— لقد أخذ منا يومين كاملين. يومين وأنا لا أعرف إن كان يتألم أو يناديني. لن أسمح له بأن يأخذ دقيقة أخرى من طفولة ابني.

أمسك لوكا يدها.

— لن يفعل.

نظرت إليه طويلًا.

— أريد أن يعرف أيان أنه آمن. أريد أن يكبر من دون أن يخاف من الاستيقاظ وحده أو أن يظن أن أحدًا سيأخذه مني.

اقترب لوكا من السرير.

— سنخبره بالحقيقة التي يحتاج إلى معرفتها، وسنكون معه عندما يستيقظ. لن نتركه يواجه هذا وحده.

سكتت سولي، ثم مالت برأسها إلى كتفه.

هذه المرة، لم يكن احتضانها له بحثًا عن تفسير، ولا محاولة للهرب من ألمها.

كان مجرد احتياج إلى شخص يشاركها الخوف، ويقف معها بعد أن كادت تخسر كل شيء.

ضمها لوكا إليه، بينما بقيت يدها ممسكة بيد أيان.

مرّت دقائق في هدوء.

ثم تحركت أصابع الطفل الصغيرة حركة خفيفة.

تجمدت سولي.

رفعت رأسها بسرعة.

— لوكا...!

نظر الاثنان إلى أيان.

تحركت جفونه قليلًا، ثم انفرجت عيناه ببطء. بدا مشوشًا، ونظر إلى السقف أولًا، ثم أدار رأسه بصعوبة نحو الصوت الذي يعرفه.

— أمي...؟

شهقت سولي، وانحنت نحوه فورًا.

— أنا هنا يا حبيبي! أنا هنا!

بدأت الدموع تنهمر من عينيها مرة أخرى، لكنها ابتسمت هذه المرة.

حاول أيان تحريك يده، فاحتضنتها بين كفيها.

— أين كنتِ...؟

خرج السؤال ضعيفًا ومتعبًا.

انكسر قلبها.

— أنا معك يا روحي. لن أتركك.

نظر أيان إلى لوكا، الذي كان واقفًا على الجانب الآخر من السرير، وقد بدت الراحة على وجهه للمرة الأولى منذ أيام.

همس الطفل:

— أبي...؟

اقترب لوكا، وانحنى حتى صار وجهه قريبًا من وجه ابنه.

— نعم، يا بطل. أبوك هنا.

بدأت شفتا أيان ترتجفان.

— خفت...

لم يستطع لوكا أن يمنع دمعة من الظهور في عينيه.

أمسك يد ابنه برفق، وقال بصوت خافت:

— أعرف يا صغيري. لكنك الآن معنا، ولن يبعدك أحد عنا مرة أخرى.

نظر أيان بين وجه أبيه ووجه أمه، ثم أغلق عينيه ببطء من شدة التعب، وظلت أصابعه الصغيرة ممسكة بيديهما.

لم يحاول أحد إيقاظه مجددًا.

سمح له الطبيب بالراحة، وبقيت سولي جالسة بجانبه، تراقب تنفسه الهادئ، بينما جلس لوكا في الجهة الأخرى.

لم يعودا بحاجة إلى الكلمات.

كان أيان بينهما.

حيًا.

آمنًا.

وهذا وحده كان كافيًا في تلك اللحظة.

لكن خلف أبواب القصر، كان هناك حساب لم يُحسم بعد.

ظن مورفون أن خوف سولي سيجعلها تنهار، وأن حب لوكا لابنه سيصبح نقطة ضعف يستطيع استغلالها.

لم يفهم أن ما فعله لم يضعفهما.

بل كشف لهما إلى أي مدى يمكن أن يصل كي ينتزع منهما أغلى ما يملكان.

وفي تلك الليلة، بينما نام أيان بين أمه وأبيه، جلس لوكا أمام نافذة الغرفة، ينظر إلى الظلام وراء الزجاج.

اقتربت سولي منه بعدما تأكدت أن طفلها مستقر.

وقفت بجانبه، ثم أمسكت بيده.

— لوكا...

التفت إليها.

قالت بصوت هادئ، لكنه لم يحمل أي تردد:

— لن أهرب منه بعد الآن.

نظر إلى عينيها.

— أعرف.

— ولن أسمح له بأن يجعلني أخاف على أيان كل يوم من حياتي.

ضغط لوكا على يدها.

— لن تواجهينه وحدك.

رفعت عينيها نحوه، ثم نظرت إلى السرير حيث كان ابنهما نائمًا بسلام.

— هذه المرة، سنحميه معًا.

أومأ لوكا.

ثم عاد بنظره إلى النافذة، وقد استقرت في عينيه تلك البرودة التي يعرفها كل من تجرأ على تهديد عائلته.

لقد أعاد ابنه.

والآن، سيحرص على ألا يتمكن مورفون من الاقتراب منه مرة أخرى.

لأن الأمير الصغير عاد إلى ذراعي عائلته... لكن المعركة من أجل حمايته لم تنتهِ بعد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين أحببتكِ متأخرًا    .

    🥹❤️‍🩹 يا أصدقائي، بدي آخد رأيكم بشغلة مهمة! بعد الأحداث الأخيرة، وخصوصًا بعد ما اكتشفنا إن الحياة السعيدة اللي عاشها لوكا مع سولي وأيان كانت مجرد حلم، صرت أفكر بمسار الرواية ونهايتها. بصراحة، كنت مخططة من البداية إن قصتهم تكون سعيدة، وإن أيان يعيش قصة حب خاصة فيه مع ثيا، لكنني قررت أغيّر المسار وأجعل الأحداث أكثر حزنًا وتأثيرًا. والآن بدي أعرف رأيكم أنتم! 🥺 أي مسار بتحبوا نكمل فيه الرواية؟ 💔 الخيار الأول: نكمل بالنهاية الحزينة، ونعيش مع لوكا تبعات خسارته لسولي وأيان، ونكتشف كيف رح يكمل حياته بعد كل هالسنين. ❤️‍🩹 الخيار الثاني: نغيّر مسار الرواية، ونرجع لفكرة المستقبل السعيد اللي كنت مخططة إله، ونمنح الشخصيات فرصة تعيش الحب والحياة اللي حلمت فيها. 💌 شاركوني رأيكم بالتعليقات، واحكولي ليش اخترتوا هالمسار. رأيكم مهم بالنسبة إلي، وبحب أعرف كيف أثّرت فيكم الأحداث الأخيرة!

  • حين أحببتكِ متأخرًا    199

    [عشر سنوات من دونكما] فتح لوكا عينيه ببطء. ظلّ مستلقيًا في مكانه، يحدق في السقف بصمت، بينما كان ضوء الصباح يتسلل من بين الستائر ويرسم خطوطًا باهتة فوق الجدران. احتاج إلى بضع ثوانٍ حتى يستوعب أين هو. ثم أدار رأسه نحو الجانب الآخر من السرير. كان فارغًا. لم تكن هناك سولي. لا شعرها الأسود المنسدل فوق الوسادة، ولا ملامحها الهادئة التي اعتاد أن يتأملها في أحلامه، ولا ابتسامتها الصغيرة التي كانت تظهر كلما ناداها باسمها. مدّ يده نحو المكان الذي تخيلها نائمة فيه. لم تلامس أصابعه سوى الملاءة الباردة. توقفت يده في الهواء للحظة، ثم أنزلها ببطء. عاد الصمت. ذلك الصمت الذي عرفه جيدًا، حتى صار جزءًا من حياته. أغمض عينيه مجددًا، محاولًا الاحتفاظ ببقايا الحلم قبل أن تتلاشى تمامًا. قبل لحظات، كانت سولي بين ذراعيه. كان الخاتم يلمع في إصبعها، وكانت تضحك وهي تتهمه بأنه رجل مزعج لا يعرف كيف يتوقف عن مفاجأتها. كانت قد وافقت على الزواج منه مرة أخرى. كانا قد تحدثا عن منزلهما الجديد، وعن مخبزها، وعن الغرفة التي أراد تخصيصها لأيان، وعن الصباحات العادية التي تمنّيا أن يعيشاها معًا. وكان أيان هنا

  • حين أحببتكِ متأخرًا    198

    [ ليلةٌ تشبه الوعد] استمر لوكا وسولي في السير بين أحواض التوليب لبعض الوقت. كانت أصابعهما متشابكة، والخاتم الجديد يلمع في إصبع سولي كلما مرّا تحت أحد الفوانيس الصغيرة. وبين حين وآخر، كانت ترفع يدها أمام عينيها لتتأمله من جديد، وكأنها لا تزال تحاول استيعاب أن الرجل الذي راكع أمامها منذ دقائق هو نفسه لوكا فيتالي الذي ارتبطت به يومًا بقرار لم يكن لها فيه رأي. لاحظ لوكا حركتها للمرة الثالثة، فابتسم. — أعتقد أنكِ نظرتِ إلى الخاتم مرات أكثر مما نظرتِ إليّ منذ وافقتِ. رفعت سولي رأسها بسرعة. — هذا غير صحيح! — حقًا؟ — نعم. خفض عينيه إلى يدها. — إذًا، هل تسمحين لي بأن أصدقكِ؟ أخفت سولي يدها خلف ظهرها، وقد احمر وجهها. — أنت مزعج! ضحك لوكا، ثم اقترب منها قليلًا. — ومع ذلك، وافقتِ على الزواج مني مرة أخرى. — لا تجعلني أغيّر رأيي. رفع يديه مستسلمًا، لكن ابتسامته لم تختفِ. — لن أفعل. لقد احتجت إلى شجاعة كبيرة كي أطلب منكِ ذلك، ولا أنوي المخاطرة بكل شيء بسبب مزحة. توقفت سولي عن الابتسام للحظة، ونظرت إليه بتمعّن. كان يمزح معها، نعم، لكنها لاحظت أن صوته يحمل صدقًا عميقًا حين يتحدث عن

  • حين أحببتكِ متأخرًا    197

    الفصل — هذه المرة... لأن قلبي اختاركِ كانت الشمس تميل نحو الغروب عندما دخلت سيارات عائلة فيتالي إلى ساحة القصر. بعد يوم طويل في المحكمة، بدا الجميع وكأنهم يحملون فوق أكتافهم تعب شهر كامل، لا مجرد ساعات قليلة. ورغم أن الحكم قد صدر، وأن مورفون لم يعد حرًّا كما كان، فإن ما مرّت به العائلة لم يكن أمرًا يمكن نسيانه ببساطة. لكن وسط ذلك التعب، كان هناك شعور جديد يتسلل إلى القلوب. شعور بأنهم يستطيعون أخيرًا أخذ نفس عميق دون انتظار تهديد آخر. ما إن توقفت سيارة لوكا حتى فُتح الباب الرئيسي للقصر، وظهرت جدة سولي عند المدخل. كانت تقف قرب الدرج، ترتدي ثوبًا أنيقًا وشالًا خفيفًا على كتفيها، وملامحها تحمل قلقًا لم تستطع إخفاءه منذ الصباح. وعندما رأت سولي تنزل من السيارة ممسكة بيد أيان، تغير وجهها فورًا. — سولي! تقدمت بسرعة نحوهم. تركت سولي يد لوكا للحظة، وأسرعت إلى جدتها، ثم ارتمت بين ذراعيها. — جدتي... احتضنتها المرأة بقوة، وراحت تربت على ظهرها. — الحمد لله أنكِ عدتِ يا ابنتي. أغمضت سولي عينيها، واستندت إلى كتفها للحظات. لم تكن بحاجة إلى أن تسألها جدتها عما حدث داخل المحكمة؛ فقد قرأت ا

  • حين أحببتكِ متأخرًا    196

    [ الحكم الأخير: العدالة من أجل أيان] بعد مرور شهر مرّ شهر كامل منذ اليوم الذي أُخرج فيه مورفون من قصر فيتالي تحت حراسة السلطات. شهرٌ لم يكن عاديًا بالنسبة إلى أيٍّ منهم. ففي الخارج، تحولت القضية إلى واحدة من أكبر القضايا التي شهدتها إيطاليا في السنوات الأخيرة. انتشرت الأخبار في الصحف والقنوات التلفزيونية، وتناقلت وسائل الإعلام تفاصيل اختطاف طفل من داخل قصر عائلة فيتالي، والتقارير الطبية المزورة، والمستشفى الخاص الذي استُخدم لإخفاء مخطط غير قانوني، إضافةً إلى التحقيقات التي كشفت عن صلات محتملة بين مورفون وشبكات إجرامية. ولم تتوقف المفاجآت عند ذلك. فمع استمرار التحقيق، ظهرت وثائق قديمة وشهادات جديدة أعادت فتح ملف وفاة إيدريان ميرافيل وزوجته. بدأت الأدلة تشير إلى أن رفض إيدريان استخدام شركته في عمليات غير قانونية كان أحد الأسباب التي دفعت مورفون إلى الانتقام منه، وأن القضية التي ظن الجميع أنها أُغلقت منذ سنوات لم تكن سوى سرٍّ دُفن تحت النفوذ والخوف. لكن هذه المرة، لم يكن مورفون قادرًا على إغلاق الملف كما فعل سابقًا. كان خلف القضبان، ينتظر المحاكمة. وكانت الأدلة تُعرض تباعًا أمام

  • حين أحببتكِ متأخرًا    195

    [من أجل أيان... سأسقط إمبراطورية كاملة] كان الليل قد انتصف تقريبًا، ومع ذلك لم يكن أحد في القصر مستعدًا للنوم. بعد عودة أيان، تحولت الغرفة إلى مكان يعجّ بالحركة الهادئة. كان الطبيب يطمئن إلى حالته بين حين وآخر، وأحضرت الخادمة له ملابس نظيفة وبطانية ناعمة، بينما بقيت سولي إلى جانبه، لا ترفع عينيها عنه إلا لتتأكد من أن صدره الصغير ما زال يرتفع وينخفض بانتظام. أما لوكا، فكان يقف قرب النافذة صامتًا. لم يستطع أن ينسى المشهد الذي رآه في المستشفى. ابنه الصغير، الذي كان يركض في الصباح حاملًا رسوماته ويطلب منه أن يلعب معه، مستلقيًا بلا حراك على سرير بارد، بينما كان غرباء يستعدون لارتكاب أمر لا يُغتفر بحقه. كلما تذكر ذلك، اشتدّ فكّه وانقبضت يداه. لكنه لم يسمح لغضبه بأن يطغى على اللحظة الوحيدة التي كان ينتظرها منذ ساعات طويلة. أن يستيقظ أيان، وينظر إليه بعينيه الصغيرتين، ويناديه مرة أخرى: أبي. --- تحرك أيان تحت البطانية، ثم فتح عينيه ببطء. كانت عيناه لا تزالان مثقلتين، وملامحه الصغيرة تحمل آثار التعب. كان أول ما رآه وجه أمه. كانت سولي جالسة قربه، تمسك يده بين كفّيها، وما إن لاحظت أ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status