LOGIN{طبق لوكا المفضل}
بقيت سولي في المكتبة تقرأ بينما كان لوكا يعمل خلف مكتبه. مر الوقت بهدوء، حتى أغلقت سولي الكتاب أخيرًا ورفعته عن حضنها. نظرت إلى لوكا. — خلصت. رفع عينيه عن الأوراق. — هل أعجبك؟ — جدًا. وضعت الكتاب على الطاولة، ثم ترددت قليلًا قبل أن تسأله: — لوكا؟ — همم؟ — ما طعامك المفضل؟ رفع حاجبه وكأنه لم يتوقع السؤال. فكر للحظة، ثم قال اسم طبق إيطالي تقليدي. نظرت إليه سولي بصدمة. — ما هذا؟! ظهرت على وجهه لمحة استغراب. — طعام. — أعرف إنه طعام! لكن اسمه لوحده مخيف! ضحك لوكا ضحكة خافتة دون أن يقصد. توقفت سولي عن الكلام. كانت تلك المرة الأولى التي تسمع فيها ضحكته بهذا الشكل. ابتسمت تلقائيًا. ثم قالت: — حسنا. سوف أجرب طهيه. رفع لوكا رأسه. — ماذا؟ لكنها كانت قد وقفت بالفعل. — لا شيء. وغادرت المكتبة. --- بعد قليل، كانت سولي في المطبخ، تنظر إلى الوصفة المكتوبة أمامها بتركيز شديد. — حسنا... ما هذا؟ بدأت تحضر المكونات واحدًا تلو الآخر. كانت تحاول اتباع الخطوات بدقة، حتى دخلت إيلينا. توقفت عندما رأت سولي في المطبخ. — ماذا تفعلين؟ التفتت سولي. — أحاول تحضير طبق لوكا المفضل. نظرت إيلينا إلى المكونات. ثم ضحكت بسخرية خفيفة. — أنتِ؟ خفضت سولي عينيها. — نعم. — هل تعرفين أصلًا كيف يُحضّر؟ — سأحاول. اقتربت إيلينا من الطاولة. — هذا الطبق يحتاج إلى مهارة حقيقية. حتى بعض الطهاة المحترفين يجدون تحضيره صعبًا. ثم نظرت إليها. — كيف لفتاة لم تسافر في حياتها تقريبًا أن تعرف إعداد طبق كهذا؟ سكتت سولي. كانت كلماتها قاسية، لكنها لم تجب. اكتفت بالنظر إلى الوصفة. هزت إيلينا رأسها وغادرت. بقيت سولي واقفة مكانها للحظات. ثم أخذت نفسًا عميقًا. — لن أستسلم. فجأة جاء صوت من خلفها: — أمي دائمًا هكذا. التفتت بسرعة. كان لورنزو واقفًا عند الباب. ابتسم لها. — لا تأخذي كلامها على محمل الجد. نظرت إليه سولي للحظة. كانت تعرف أنه أحد أفراد العائلة، لكنها لم تتحدث معه كثيرًا من قبل. — شكرًا. اقترب لورنزو من الطاولة. — هل تريدين مساعدة؟ ترددت. — أنت تعرف تحضره؟ ضحك. — أفضل منكِ بقليل. ضحكت سولي للمرة الأولى. — إذًا ساعدني. بدأ الاثنان العمل معًا. كان لورنزو يشرح لها بعض الخطوات، وهي تنفذها بحذر. — لا، ليس هكذا. ضحكت. — إذا كيف؟ — أعطني هذا. وبدأ يوضح لها الطريقة. بعد وقت طويل، امتلأت المطبخ برائحة الطعام. نظرت سولي إلى الطبق. ابتسمت بسعادة. — نجح! — أظن ذلك. نظرت إليه. — شكرًا لأنك ساعدتني. — لا تشكريني. أنا أيضًا أريد أن أعرف إن كان لوكا سيأكل هذا أم سيهرب. ضحكت سولي. — لا تقل ذلك! ثم أخذت نفسًا عميقًا. كانت تتخيل وجه لوكا عندما يراه. ولأول مرة منذ فترة طويلة، شعرت أنها تفعل شيئًا بسيطًا فقط لأنها تريد أن تجعل شخصًا آخر سعيدًا. لم تكن تعرف أن لورنزو، وهو يراقب ابتسامتها، بدأ يفهم شيئًا لم ينتبه إليه لوكا نفسه بعد... سولي لم تعد تحاول فقط أن تكون زوجة الوريث. كانت تحاول أن تصبح جزءًا من عالم لوكا. --- بعد قليل، رتبت سولي غرفة الجلوس الصغيرة داخل جناح لوكا. أشعلت بعض المصابيح الهادئة، ورتبت الطاولة بعناية، ثم وضعت الطبق أمام المقعد الذي اعتاد لوكا الجلوس فيه. كانت تنظر إلى الطعام كل بضع ثوانٍ، وكأنها تخشى أن يكون قد فشل رغم كل تعبها. وأخيرًا، انفتح باب المكتب. خرج لوكا، ثم توقف. نظر إلى الطاولة. ثم إلى سولي. — ما هذا؟ ابتسمت بخجل. — العشاء. اقترب قليلًا، ثم لاحظ الطبق. تغيرت ملامحه. — هذا... طبقي المفضل. أومأت بحماس. — سألتك عنه في المكتبة. بقي صامتًا. كان أول شيء فكر فيه: هذا ليس جيدًا. كان يجب أن يبتعد عنها. كان يجب ألا يسمح لهذه المسافة بينهما أن تختفي أكثر. لكن عندما نظر إلى وجهها، رأى شيئًا مختلفًا. كانت تنتظر رأيه بفارغ الصبر. جلس أخيرًا. — حسنًا. جلست سولي أمامه. أخذ لوكا أول لقمة. راقبته سولي بصمت. مضغها بهدوء. ثم أخذ لقمة أخرى. رفعت سولي حاجبيها. — هل... أعجبك؟ رفع عينيه إليها. تردد لحظة، ثم قال: — نعم. اتسعت ابتسامتها. — حقًا؟ أومأ. — إنه جيد جدًا. خفضت عينيها بسعادة. — الحمد لله... ثم بدأت تأكل معه. ولأول مرة، لم يكن بينهما صمت ثقيل. كان هناك فقط صوت الملاعق... وشعور صغير بأنهما، ولو لليلة واحدة، كانا زوجين عاديين.[حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها
[ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب
[ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت
[ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر
[حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه
[بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا