LOGIN{ آثار لا تكذب }
لم تمر سوى دقائق حتى عاد أحد رجال لوكا إلى القصر وهو يحمل جهازًا لوحيًا. — سيدي، وجدنا تسجيلات كاميرات المراقبة. رفع لوكا رأسه فورًا. — شغّلها. اقترب لورينزو منه، وبقي الاثنان أمام الشاشة. بدأ التسجيل. ظهر مدخل القصر أولًا، ثم الممرات الداخلية. وفجأة ظهر الرجل الغريب. كان قد دخل من أحد المداخل الجانبية، متسللًا بحذر، وكأنه يعرف تمامًا أين يذهب. ضاقت عينا لوكا. — أوقف التسجيل. توقفت الصورة. — كبّر وجهه. فعل الرجل ما طلبه. حفظ لوكا ملامحه بصمت، ثم قال: — تابع. عادت الصورة للحركة. بعد دقائق ظهرت سولي في الصالة. كانت تمشي بهدوء، قبل أن تسمع صوتًا جعلها تتوقف. ثم ظهر الرجل خلفها. تغير وجه سولي فورًا. تراجعت خطوة... ثم أخرى. كان واضحًا من حركاتها أنها تحاول الابتعاد عنه دون أن تستفزه. لكن الرجل اقترب. بدأت سولي تبحث بعينيها عن طريق للهروب، ثم استدارت فجأة وركضت نحو المدخل. شد لورينزو قبضته. — كانت تحاول تهرب... واصل التسجيل. أثناء ركضها اصطدمت سولي بطاولة، فسقطت المزهرية وتحطمت على الأرض. تابعت الركض، لكن الرجل لحق بها. أمسكها من شعرها وسحبها إلى الخلف. شهقت سولي وحاولت إبعاد يده عنها، ثم استدارت محاولة الإفلات منه. وفي لحظة، صفعها الرجل على وجهها. تجمد لورينزو. أما لوكا... فلم يتحرك. كانت عيناه مثبتتين على الشاشة، لكن ملامحه أصبحت باردة بشكل مخيف. أعاد الرجل التسجيل بضع ثوانٍ. ثم قال: — مرة ثانية. نظر إليه لورينزو بصدمة. — لوكا... — أعده. عاد المشهد. هذه المرة رأى لوكا كل شيء بوضوح؛ خوف سولي، محاولتها الهرب، ثم اللحظة التي مُنعت فيها من الوصول إلى الباب. شد لوكا يده حتى برز التوتر في أصابعه. — أين كانت آخر نقطة ظهر فيها؟ أجاب أحد الرجال: — عند المدخل الخلفي. بعدها اختفت عن الكاميرات. وقف لوكا. — إذًا لم تخرج من الباب الرئيسي. ثم التفت إلى رجاله. — أريد كل سيارة غادرت المنطقة خلال ذلك الوقت. كل كاميرا في الشوارع المحيطة، وكل تسجيل يمكن الوصول إليه. — حاضر، سيدي. غادر الرجال بسرعة. بقي لورينزو واقفًا أمام الشاشة، ثم قال بصوت منخفض: — كان يجب ألا أتركها وحدها. التفت لوكا إليه. — لا تلوم نفسك الآن. صمت لحظة، ثم أضاف: — سنجدها. لكن عندما عاد ونظر إلى الشاشة مرة أخرى، وقعت عيناه على سولي وهي تحاول الهرب. تذكر كيف كانت دائمًا تبتسم له عندما يعود. كيف كانت تنتظره. وكيف طلبت منه ذات ليلة فقط أن يبقى قريبًا منها. انخفض صوته: — فقط... ابقي بخير يا سولي. ثم التفت إلى رجاله. — أعيدوا لي زوجتي. --- {غضب لوكا} بقي لوكا واقفًا أمام شاشة المراقبة، بينما كان لورينزو جالسًا بصمت، وملامح الذنب واضحة على وجهه. قال لورينزو أخيرًا: — أنا السبب... التفت لوكا إليه. — لورينزو. — لو أنني لم أذهب إلى الاجتماع وتركتها وحدها، لما حدث هذا. خفض رأسه، ثم تابع بصوت أثقل: — وفوق ذلك... هناك شيء آخر أخفيه عنك. تغيرت نظرات لوكا. — ماذا؟ تردد لورينزو. كان يعرف أنه لا يستطيع إخباره الآن بحالة سولي الصحية، خصوصًا أنها توسلت إليه ألا يخبره. — عندما كنت معها اليوم... شعرت أنها متعبة أكثر من المعتاد. صمت لحظة. — أخذتها إلى المستشفى. اتسعت عينا لوكا. — المستشفى؟ أومأ لورينزو. — نعم. لكنني لا أستطيع أن أخبرك بكل شيء الآن. وعدتها ألا أخبر أحدًا. اقترب لوكا منه. — لورينزو، سولي مفقودة. لا تخبرني أن هناك شيئًا آخر وأنا آخر شخص يعرف. — أنا لا أخفي الأمر لأؤذيك. ثم نظر إليه مباشرة. — هي طلبت مني ذلك. بقي لوكا صامتًا، وكأن الجملة جعلته ممزقًا بين غضبه وقلقه عليها. لكن قبل أن يتحدث، دخل أحد الرجال بسرعة. — سيدي. استدار لوكا. — وجدنا المكان. تغيرت ملامحه فورًا. — أين؟ أعطاه الرجل عنوانًا. ثم أضاف: — وتمكنا من التعرف على إحدى السيارات المرتبطة بالمكان. الرجل ليس من أفراد العائلة، لكننا نحاول معرفة من أرسله. أخذ لوكا نفسًا عميقًا. — أريد اسمه. — نعمل على ذلك. — لا. رفع لوكا عينيه إليه. — أريده الآن. تبادل الرجل ولورينزو نظرة قصيرة. قال لورينزو: — لوكا... لكن لوكا قاطعه: — إذا كان هذا الشخص تابعًا لأحد أعدائنا، فأنا أريد أن أعرف من أعطاه الأمر. ثم نظر إلى صورة الرجل التي ظهرت على الشاشة. كانت عيناه باردتين. — إذا كانت إحدى العائلات المنافسة وراء هذا... سكت للحظة. — فسأتولى الأمر بنفسي. اقترب لورينزو منه. — المهم الآن أن نجد سولي. نظر إليه لوكا. — هذا بالضبط ما سأفعله. ثم أخذ معطفه واتجه نحو الباب. وقبل أن يخرج، توقف لحظة وقال دون أن يلتفت: — وعندما نجدها... لن تبتعد عن عيني حتى أعرف أنها بأمان. نظر لورينزو إلى ظهره بصمت. كان يعرف أن لوكا لا يزال لا يعرف الحقيقة كاملة. لا يعرف عن مرض سولي، ولا يعرف أن الوقت بالنسبة إليها أصبح أثمن من أي وقت مضى. والآن... كان عليهما أن يجداها قبل أن يحدث أي شيء آخر.[حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها
[ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب
[ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت
[ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر
[حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه
[بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا