Share

82

last update publish date: 2026-09-08 05:33:36

{رائحةٌ أعادته إلى طفولته}

بقي لوكا واقفًا خارج منزل جدة سولي، مستندًا إلى جانب السيارة، بينما كانت أضواء المنزل الدافئة تنعكس على الحديقة الصغيرة أمامه.

مرت عدة دقائق.

ثم فُتح الباب.

ظهرت سولي وهي تبتسم.

— لوكا!

رفع عينيه إليها.

— انتهيتِ؟

هزت رأسها، ثم ابتعدت عن الباب قليلًا.

— لماذا تقف هنا؟ ادخل.

نظر إلى المنزل.

— سأنتظرك هنا.

عبست سولي.

— جدتي قالت إنك ستدخل.

رفع حاجبه.

— قالت ذلك؟

— نعم.

ثم أضافت بابتسامة:

— وإذا بقيت هنا، ستغضب مني لأنني تركتك وحدك.

تنهد لوكا.

— هذه حجة غير عادلة.

ضحكت سولي.

— لكنها نجحت.

دخل معها.

استقبلته الجدة بابتسامة واسعة، ورحبت به كأنه واحد من أفراد العائلة.

جلس لوكا بهدوء، وبعد قليل وُضع العشاء أمامهما.

كان الطعام بسيطًا ودافئًا، مختلفًا تمامًا عن الموائد الرسمية في قصر فيتالي.

وللمرة الثانية، شعر لوكا بذلك الدفء الغريب الذي شعر به في زيارته السابقة.

هنا لم يكن أحد ينظر إليه كوريث.

ولا كرجل من عائلة فيتالي.

كان فقط لوكا.

وبعد انتهاء العشاء، اختفت سولي للحظات إلى المطبخ.

قالت الجدة وهي تبتسم:

— ستعود بشيء آخر.

نظر لوكا إليها باستغراب.

— شيء آخر؟

ضحكت.

— انتظر وسترى.

بعد دقائق، عادت سولي وهي تحمل طبقًا صغيرًا.

— صنعت لكم شيئًا.

وضعت الطبق على الطاولة.

كان يحتوي على بسكوت صغير دائري، ذهبي اللون، تفوح منه رائحة الزبدة والفانيلا.

أخذ لوكا واحدة.

وبمجرد أن تذوقها...

توقف.

لم تتحرك يده.

كانت النكهة بسيطة، لكنها حملت شيئًا لم يتوقعه.

شيئًا قديمًا جدًا.

ذكرى بعيدة.

مطبخ صغير.

وصوت امرأة تضحك وهي تضع طبقًا مشابهًا أمام طفل صغير.

أمه.

كارلي.

كانت تصنع له هذا النوع من الكعك عندما كان صغيرًا.

ابتلع لوكا ببطء.

لاحظت سولي تغير ملامحه.

— لوكا؟

لم يجب فورًا.

نظر إلى البسكوت في يده.

— هذا...

توقف.

— ماذا؟

قال بصوت منخفض:

— يشبه الكعك الذي كانت أمي تصنعه لي.

ساد الصمت.

نظرت سولي إليه بحنان، بينما ابتسمت الجدة بهدوء.

لم تسأله شيئًا.

فقط تركته يعيش تلك الذكرى دون أن تزعجه.

بعد لحظات، أخذ لوكا قطعة أخرى.

وقالت سولي بخجل:

— إذًا أعجبك؟

نظر إليها.

— نعم.

ابتسمت.

— جيد.

ثم أضافت:

— سأصنعه لك مرة ثانية.

ظل لوكا ينظر إليها لثانية.

ثم قال بهدوء:

— سأنتظر ذلك.

---

حل المساء، وحان وقت العودة.

ودعت سولي جدتها، ثم ركبت السيارة بجانب لوكا.

طوال الطريق، كان هادئًا.

لكن هذه المرة لم يكن صمته ثقيلًا.

كان يفكر في طعم البسكوت...

وفي وجه أمه وهي تصنعه له منذ سنوات طويلة.

عندما وصلا إلى القصر، دخلا معًا.

لكن بمجرد أن دخلا الصالة...

توقفت خطوات لوكا.

كانت كارلي جالسة هناك.

رفعت رأسها عندما سمعت الباب.

التقت عيناها بعيني ابنها.

تجمدت للحظة.

أما لوكا، فبقي واقفًا دون كلمة.

كانت سولي إلى جانبه، فنظرت بينهما بصمت.

لاحظت أن ملامح لوكا تغيرت قليلًا.

اقتربت منه خطوة، دون أن تتدخل.

قالت كارلي بصوت خافت:

— عدت.

لم يجب.

ثم وقعت عيناها على يده.

كان لا يزال يحمل علبت صغيرة من البسكوت التي أخذها معه من منزل جدت سولي.

اتسعت عيناها.

عرفت فورًا.

— هذا... البسكويت؟

رفع لوكا عينيه إليها.

صمت طويل مر بينهما.

ثم قال:

— كان طعمه مثل الذي كنتِ تصنعينه لي.

ارتجفت شفتا كارلي.

لم تعرف ماذا تقول.

أما سولي، فابتسمت ابتسامة صغيرة.

لأول مرة منذ عودتها...

شعرت أن بين الأم وابنها خيطًا صغيرًا بدأ يظهر من بين كل ذلك الألم.

لكن لوكا لم يقترب منها.

ولم يكن مستعدًا للمسامحة بعد.

ومع ذلك...

كان واضحًا أن شيئًا في داخله بدأ يتغير.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين أحببتكِ متأخرًا    138

    [حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها

  • حين أحببتكِ متأخرًا    137

    [ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب

  • حين أحببتكِ متأخرًا    136

    [ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت

  • حين أحببتكِ متأخرًا    135

    [ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر

  • حين أحببتكِ متأخرًا    134

    [حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه

  • حين أحببتكِ متأخرًا    133

    [بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status