LOGIN{ مائدةٌ لم يستطع الجلوس إليها}
في صباح اليوم التالي، كانت كارلي تقف في مطبخ القصر وهي ترتدي مئزرًا بسيطًا. كانت أمامها مجموعة من المكونات، بينما وقفت سولي إلى جانبها تحاول مساعدتها. قالت كارلي وهي تفتح أحد الأدراج: — لوكا كان يحب هذا الطبق عندما كان صغيرًا. نظرت سولي إليها باهتمام. — ما زلتِ تتذكرين كل ما يحبه؟ ابتسمت كارلي بحزن. — الأم لا تنسى الأشياء الصغيرة المتعلقة بابنها. ثم بدأت بإعداد الطعام. كانت تعرف تمامًا ما يفضله لوكا؛ الطعام الإيطالي الذي يحبه، الطريقة التي يفضّل بها إعداد الطبق، وحتى الحلوى التي كان يطلبها عندما كان طفلًا. راقبتها سولي بإعجاب. — يبدو أنكِ تعرفينه أكثر مما توقعت. توقفت كارلي للحظة. — كنت أعرفه جيدًا. ثم عادت إلى عملها. لكن سولي لاحظت الحزن الذي مر في عينيها. ترددت قليلًا قبل أن تسأل: — كارلي... هل يمكنني أن أسألك سؤالًا؟ رفعت كارلي عينيها إليها. — بالطبع. — لماذا تركتِ لوكا؟ توقفت يد كارلي. لم تجب مباشرة. خفضت عينيها إلى الطعام، ثم قالت: — لم أتركه لأنني أردت ذلك. سكتت سولي. — كنت مجبرة. رفعت كارلي عينيها إليها. — لم يكن أمامي خيار. — لكن لوكا يعتقد أنكِ تخليتِ عنه. — أعرف. تنهدت كارلي. — ولهذا لا أستطيع أن أطلب منه أن يفهمني الآن. بالنسبة إليه، أنا المرأة التي اختفت وتركته وحده. اقتربت سولي منها قليلًا. — لكنكِ لم تتخلي عنه بإرادتكِ؟ هزت كارلي رأسها. — لا. ثم أضافت بصوت منخفض: — كنت أعتقد أن ابتعادي سيحميه. بقيت سولي صامتة، وهي تحاول استيعاب كلامها. --- عند موعد الغداء، كان لوكا قد عاد إلى القصر. وجدته سولي في الممر، فاقتربت منه بابتسامة صغيرة. — لوكا. نظر إليها. — ماذا؟ — تعال معي. — إلى أين؟ — فقط تعال. نظر إليها باستغراب، لكنه تبعها. قادته سولي إلى الحديقة الخلفية. وما إن خرجا إليها حتى توقف لوكا. كانت هناك طاولة مرتبة بعناية، وعليها أطباق الطعام التي أعدتها كارلي. نظر إليها ثم إلى الطاولة. — هل فعلتِ هذا؟ ابتسمت سولي. — لا. ثم قالت بهدوء: — أمك هي التي طبخت كل شيء. تغير وجه لوكا فورًا. — سولي... — فقط اسمعني. — أنا لست جائعًا. استدار ليغادر. لكن سولي أمسكت يده بسرعة. — انتظر. توقف. — أعطها فرصة واحدة فقط. نظر إليها ببرود. — لا أريد أن أسمع شيئًا عنها. — لكنها تريد فقط أن تتحدث معك. — قلت لا. حاول سحب يده. لكن سولي تمسكت بها للحظة. — لوكا، هي لم— سحب يده بسرعة أكبر. تعثرت سولي. — آه! فقدت توازنها وسقطت على الأرض. ساد الصمت. تجمد لوكا في مكانه. نظر إليها، ثم إلى يده التي سحبها منها قبل لحظات. اتسعت عيناه قليلًا. — سولي... كانت جالسة على الأرض، وملامحها متفاجئة أكثر من كونها متألمة. رفعت عينيها إليه. لم يكن في وجهها غضب. وهذا جعله يشعر بسوء أكبر. اقترب منها بسرعة ومد يده. — هل أنتِ بخير؟ نظرت إلى يده للحظة، ثم وضعت يدها فيها. ساعدها على الوقوف بهدوء. ساعدها على الوقوف بهدوء، لكنه ظل ممسكًا بذراعها حتى تأكد من أنها ثابتة - "أنا... أنا آسف." ثم قال بصوت منخفض: — لم أقصد أن أسقطك. — أعرف. خفض لوكا عينيه. رفع عينيه إليها، وكانت ملامحه مضطربة — كنت غاضبًا ولم أفكر. سحبت يدي بعنف... وكان يجب ألا أفعل ذلك. اقتربت سولي منه قليلًا. — لوكا، أنا بخير. هز رأسه بسرعة، وكأنه لم يستطع تصديق نفسه بعد. — لا، كان من الممكن أن تتأذي بسببي. ثم نظر إلى يدها وملامحها بقلق. — هل يؤلمك شيء؟ -أنا بخير حقًا. قالت وهي مسك يده. خفض لوكا عينيه. ثم نظر إلى الطاولة. كانت رائحة الطعام تملأ الحديقة. وللمرة الأولى، لم يستطع أن ينظر إلى ما أعدته أمه دون أن يشعر بالغضب... ولا أن يتجاهل تمامًا حقيقة أن شخصًا ما بذل كل هذا الجهد من أجله. أما سولي، فبقيت واقفة إلى جانبه بصمت. لم تضغط عليه هذه المرة. فقط قالت: — لن أجبرك. ثم ابتعدت خطوة. — لكن لا تغلق الباب قبل أن تعرف الحقيقة. نظر لوكا إليها طويلًا. ولم يجب. لكن هذه المرة... لم يغاد.[حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها
[ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب
[ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت
[ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر
[حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه
[بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا