ログインقضيا الليل بأسره ملتصقين بالجدار في ركنٍ مظلم، يتوارى عن الأنظار، ويكابد فلوريان ألم الوقوف وتعب ظهره، بينما كان يرمق لينا بين حين وآخر بنظراتٍ تجمع بين العتاب والاستنكار. وأخيرًا، لم يعد قادرًا على الصمت، فتمتم بصوتٍ خافت يحمل مزيجًا من السخط والإرهاق: — «أحقًّا ارتكبتُ ذنبًا عظيمًا يستحق كل هذا العقاب؟ قدماي تكادان تنفصلان عن جسدي، وظهري يطلب العفو... لماذا استسلمتُ لأفكاركِ هكذا؟!» التفتت إليه لينا ببطء، ورفعت سبابتها أمام شفتيها محذّرةً إياه من رفع صوته، ثم أجابته هامسةً، وقد بدا عليها التركيز الشديد: — «أرجوك، كُفّ عن التذمّر واصبر قليلًا... لقد اقترب موعد سقوطهم في نومٍ عميق. إذا تحمّلتَ هذه الدقائق، فلن يضيع كل هذا العناء سُدًى.» زفر فلوريان بضيق، وأسند رأسه إلى الجدار خلفه، ثم تمتم ساخرًا: — «دقائق؟ لقد قلتِ ذلك منذ ساعات!» كادت لينا تبتسم، لكنها تماسكت سريعًا، وأشارت إليه بالصمت. — «ششش... هل تريد أن تفسد كل شيء الآن؟» — «لا، بالطبع لا... لكنني بدأت أشك في أنني سأبقى على قيد الحياة حتى نهاية هذه المغامرة.» عضّت لينا على شفتيها كي لا تضحك: — «تحمّل قليلًا ي
انكمشت ليرا على نفسها في محاولة يائسة لستر جسدها، حتى إن خصلات شعرها الطويلة التي كانت تتوارى خلفها قد قُصَّت في لحظة غضب... أخرجها من ذلك البيت الزجاجي، سالكاً طريقاً جانبية سرية لتفادي أي عابر. صعدا معاً عبر أدراج معزولة، وكانت تعاني من دوخة تجعل عينيها تدوران في غشاوة من الإنهاك والدوار. ليرا (بصوت منهك): أين نحن... ما هذا المكان؟ جاد (بنبرة هادئة وثابتة): نحن في قلب القصر. ليرا (بعيون تائهة): ولكن لم أرى هذا الدرج من قبل. جاد (وهو يبتسم): لا يزال هنالك الكثير من الزوايا والأسرار التي لم ترَيها بعد هنا... ...وصولاً إلى الغرفة، دفع الباب بقدمه ثم أغلقه ووضعها برفق فوق الفراش الواسع، واقفاً يتأملها مطولاً... كان يمعن النظر في جسدها الذي تطبعه الآثار القاسية لضربات الحزام. كانت مرتخية الأطراف، خائرة القوى، لكن عينيها كانتا تترقبان بحذر وشوق ما سيقدم عليه. اقترب منها بخطوات بطيئة، وبدأ يمرر لسانه بحنان على رجليها وفخذيها، صاعداً تدريجياً حيث توجد آثار ذلك الألم الذي تسبب لها به، يداعب الجروح بلسانه وقبلاته الدافئة... كانت ليرا تزداد اشتعالاً مع كل لمسة من أفعاله. ليرا (بتثاقل):
غادر جاد المكان بخطوات خفيفة، وقد زال ذلك الثقل الخانق الذي أطبق على صدورهم قبل برهة. فقد تحرروا من شبح الانتظار والقلق، وبموافقة "دي فالك" بدأ التحضير الفعلي لزواجهم. في المقابل، كان "جاد" يصعد الدرج بخطوات ثقيلة ومتعثرة؛ فكل خطوة يخطوها إلى الأمام كانت روحه تتراجع إثرها خطوتين إلى الوراء. وكلما تذكر إقدامها المتهور على قص شعرها، اشتعل في صدره غضب عارم يمتزج بحقد صامت. أخذ نفساً عميقاً يهدئ به ثورة أعصابه وتابع طريقه إلى غرفتها، لكنه لم يجدها هناك. هبط مجدداً نحو الطابق السفلي متوجهاً إلى المطبخ؛ وما إن وطأت قدماه العتبة حتى ساد صمت مطبق وتسمّر الجميع في أماكنهم، متطلعين إليه بنظرات يملؤها الترقب والخوف. سأل بنبرة قاطعة وحادة: أين هي ليرا؟ أجابت "هيلدا" بصوت يرتجف توجساً: كانت معنا هنا منذ لحظات، ثم غادرت. إلى أين ذهبت؟ لا علم لي البتة يا سيدي! التفت جاد بعينين محتدتين فرأى "ماريت" منكمشة في إحدى الزوايا، تخفي يديها بارتجاف واضح، فصاح بها: لماذا تتصرفان هكذا كأنكما تخفيان جريمة؟ ماريت: أقسم برب السماوات يا سيدي لم نرتكب خطيئة قط... أنا لم أعد أصعد إليها أبداً منذ أن طردتن
✨إسبانيا كانت "ساسكيا" تجلس في غرفتها على جمر من النار، تغلي غضباً كبركان يوشك على الانفجار... في كل مرة تتجه نحو الباب لتفتحه تجده موصداً، كانت تتوعده بأشد ألوان الجحيم... فجأة، تعالت صرير الأقفال وشعرت بالباب يُفتح ببطء لتطل منه احدى الخادمات. – الخادمة: سينيورا... السيد "ماثيو" يدعوكِ لتناول الإفطار معهم... نزلت ساسكيا السلالم بخطوات غاضبة سريعة تنبض بالخطورة. وجدته جالساً ببرود برفقة "إيزابيل" والصغير "ليو". وما إن همّت بافتعال شجار ينسف ثباته، حتى تشبث "ليو" بساقيها في غمرة من الفرحة الطفولية. – ليو: أمي... اشتقت إليكِ كثيراً! – ساسكيا: (تجمدت نظراتها عليه بصدمة) – إيزابيل: (نهضت والبسمة تغمر وجهها) عندما أخبرني ابني أنكِ عدتِ معه لم أصدق الأمر... سينيورا "ماريا"، لقد أنرتِ المنزل بوجودكِ. – ساسكيا: (بسخرية مسمومة) ماريا؟! (ثم التفتت نحو "ماثيو" بغضب) هل والدتك تعلم أنني لست "ماريا"، أم أخبرها بنفسي؟ – إيزابيل: ماذا تقصدين يا بنيتي؟ لم أفهم شيئاً! – ساسكيا: اسمي "ساسكيا"، لست "ماريا" ولا علاقة لي بالمسؤول ولا بإسبانيا كلها... – إيزابيل: كيف ذلك؟! (التفتت نحو
⚡فرنسا كان التوتر يخنق أرجاء الغرفة بينما يحاول «فيكتور» الإمساك بآخر خيوط المنطق وهو يهاتف «لارس». طال الحوار بينهما، يطرقان أبواب التعقل دون جدوى، وكلٌّ منهما يستبسل في الدفاع عن وجهة نظره، غير أن مساحة التفاهم كانت تضيق حتى انعدمت تمامًا. كان صوت «لارس» مشحونًا بمرارة الغضب ونبرة الخذلان التي تجرح الحنجرة، بينما حاول «فيكتور» أن يتشبث بما تبقى من رباطة جأشه، مدركًا أن أي زلة لسان قد تُشعل حريقًا لا يمكن إطفاؤه. — «ضع نفسك مكاني يا فيكتور... لو أن زوجتك اعترفت لرجل آخر بأنها تحبه، ماذا كنت ستفعل؟» أغمض «فيكتور» عينيه وهو يستمع لنبرة صديقه الكسيرة، وأجاب بصوت يحاول بث التهدئة: — «لم يكن الأمر بكامل إرادتها يا لارس... أعلم أنها أخطأت، وأعلم أن ما حدث ليس بالأمر الهيّن الذي يُتجاوز بسهولة، لكنك رجل عاقل وحكيم، وأنت أدرى بالحق وأقدر على احتواء هذا البلاء.» ساد صمت ثقيل عبر الخط، صمتٌ أشبه بالهدوء الذي يسبق العاصفة، قبل أن يقطعه صوت «لارس» بصلابة كالصخر، موصدًا كل أبواب الرجاء: — «لن تطأ قدمها عتبة منزلي بعد اليوم... أبدًا.» انقبض صدر «فيكتور» وقال بنبرة قلقة: — «وماذا عن طفلكما
كان «جاد» يجلس في مكتبه يتأكل سخطاً وغضباً، والدخان يتصاعد في زوايا الغرفة كعاصفة حبيسة... بعد أن أثارت حنقه، أقسم ألا يذوق طعم النوم، فظل يحتسي الكأس تلو الأخرى ليطفئ الجحيم المشتعل في صدره، وما إن تنتهي سيجارته حتى يسحقها ليشعل غيرها... وكان «هندريك» يجلس أمامه، يرقب ثورته الصامتة محاولاً التحدث إليه والوصول إلى عقله. هندريك: «سيدي، إن سمحت لي... أرغب في الخروج لقضاء أمر ما.» جاد (بدون أن يلتفت إليه، وبصوت جاف): «إلى أين؟» هندريك: «أحتاج إلى السفر...» جاد: «الأمر الذي لم تقضه في وقته، لا حاجة لنا به الآن.» هندريك: «لن تمر لهم هذه الفعلة هكذا يا سيدي... وإن لم نأتِ بدليل قاطع يثبت ألا علاقة لك بالأمر، فلن تصدقك "ليرا" أبداً.» جاد (بنزق وعصبية تجلت في نبرته): «فلتصدق أو لا تصدق... لم يعد ينقصني سوى دلال النساء! دعها تثور يوماً أو يومين ثم تهدأ من تلقاء نفسها.» هندريك: «ورغم ذلك، ما زلت أرجوك أن تأذن لي بالخروج...» جاد (ينفث دخانه بزفير حاد): «اذهب... ولكن أمامك أربعة أيام لا تتجاوزها.» هندريك: «أمرك يا سيدي.» (ثم نهض يستعد للمغادرة). جاد: «هندريك...» هندريك (التف
خرجتُ من الحفلة وأنا أشعر أن رأسي سينفجر من الضحكات العالية والعطور الثقيلة والوجوه المزيفة.الكعب العالي كان يتدلّى من أصابعي، وقدماي تحترقان من الألم فوق الرصيف البارد، بينما التصق الفستان الأسود بجسدي كطبقة ثانية من الجلد بعد ساعات طويلة وسط الزحام.المدينة ليلًا، كانت أكثر قسوة...وأكثر وحدة..أ
حلّ الصباح معلنًا عن يوم جديد، رفرفت عيناي ببطء قبل أن تتسع فجأة.أول شيء رأيته كان وجه دايمون على بعد بوصات مني.كانت ملامحه مسترخية في النوم، واختفت خطوط الغضب القاسية التي أرعبتني الليلة الماضية تمامًا. للحظة بقيت أحدق به فقط… أراقب كيف استقرت رموشه الداكنة فوق خديه، وكيف انفصلت شفتاه قليلًا مع
تجمّد الخوف داخل صدري وأنا أسمع صوته يهبط فوقي كقيدٍ بارد.كان ذلك النوع من الخوف الذي لا يصرخ… بل ينسحب ببطء داخل الأضلاع، يضغط على القلب كيد خفية تعرف تمامًا أين تلمس كي تؤلم أكثر.خارج النوافذ العالية، كانت قطرات المطر تضرب الزجاج بإيقاع هادئ ومخيف، بينما انعكس ضوء الثريا الذهبية فوق الجدران الد
"من الآن فصاعدًا… أنتِ داخل عالمي يا لينا."تجمد الدم في عروقي.كيف عرف اسمي؟رفعت عيني نحوه بصدمة حقيقية، لكن دايمون وولف لم يبدُ مهتمًا بشرح شيء. كان مسترخيًا داخل السيارة السوداء الطويلة، وكأن اختطاف امرأة أمر روتيني في حياته، بينما انعكست أضواء القصر الهائل على ملامحه الحادة لتجعله يبدو أكثر ظل







