Share

part 3

last update publish date: 2026-05-19 01:36:39

في الخارج، توقفت شهد عند أحد الجوانب الهادئة في الرواق، وأسندت ظهرها إلى الحائط للحظة، كأنها تحاول استيعاب ما حدث داخلها قبل أن تنقله للخارج. أخرجت هاتفها بسرعة، وكأنها تخشى أن تضيع الفرحة إن لم تُشاركها فورًا.

ضغطت على زر الاتصال، وقربت الهاتف من أذنها وهي تتنفس ببطء.

شهد: ألو يا ماما؟

جاء صوت والدتها من الطرف الآخر مشحونًا بالقلق المعتاد، ذلك القلق الذي لا يفارق الأم مهما حاولت أن تبدو هادئة.

أم شهد: ها يا حبيبتي؟ عملتي إيه؟

سكتت شهد لحظة قصيرة… لحظة بدت فيها وكأنها تعيد ترتيب الشعور قبل أن تحوله إلى كلمات. ثم قالت، وصوتها هذه المرة كان مختلفًا… أقل ارتجافًا، وأكثر صدقًا

شهد: الحمد لله… اتقبلت.

في الجهة الأخرى، لم تستوعب الأم الكلمات في البداية، ثم ما لبث أن انفجر صوتها بالفرحة والدعاء، فرحة خالصة كأنها انتظرت هذا الخبر طويلًا.

ابتسمت شهد دون أن تشعر، وارتخت ملامحها شيئًا فشيئًا. لأول مرة منذ زمن، لم يكن في صوت أمها قلقٌ فقط، بل فرحٌ حقيقي يصلها ويستقر داخلها.

وأغلقت المكالمة ببطء، وهي ما زالت واقفة في مكانها، لكن قلبها هذه المرة لم يكن مثقلًا كما كان صباحًا. كان هناك شيء صغير جدًا… لكنه كافٍ ليجعلها تشعر بأن الأرض لم تعد تضيق بها تمامًا.

شيء يشبه الطمأنينة، ولو للحظات.

في البيت، استقبلتها أمها بفرحٍ لم تستطع إخفاءه، كأن خبر قبولها في العمل أعاد إلى ملامحها شيئًا من الحياة التي كانت تخشى أن تبهت في ابنتها.

أم شهد: حمد لله يا بنتي… ربنا يفتحها في وشك دايمًا.

لكن الفرحة لم تكتمل على وجه الأم. تغيّرت نبرتها قليلًا، وتبدلت ملامحها كأنها تتذكر شيئًا ثقيلاً قبل أن تنطقه.

أم شهد: بالمناسبة… عمك سأل عليكي النهارده.

توقفت شهد لحظة دون أن تفهم سبب هذا التحوّل المفاجئ في صوت أمها.

ثم جاءت الجملة التالية، كأنها سقطت في الغرفة دون مقدمات

أم شهد: قُصي نازل آخر الأسبوع.

تجمدت شهد..... لم يتحرك فيها شيء في البداية… فقط عيناها اتسعتا قليلًا، وكأن الاسم وحده أعاد فتح بابٍ ظنت أنه أُغلق منذ زمن.

قُصي…كان الاسم كافيًا ليعيد ارتباكًا قديمًا، دفنته بصعوبة، واعتقدت أنها تجاوزته. حاولت أن تتكلم، أن تسأل، أن تبدو طبيعية، لكن صوتها خرج أضعف مما توقعت.

شهد: يعني… هييجي؟

لم تجب الأم مباشرة، فقط نظرت إليها بحذر، كأنها تعرف أن هذا الخبر لن يمر بسهولة.

في تلك الليلة، لم تستطع شهد النوم.

الغرفة كانت هادئة، لكن داخلها كان صاخبًا بشكل لا يُحتمل. نهضت من فراشها ببطء، وأخرجت من درج قديم صورةً كانت تخبئها منذ سنوات.

صورة تجمعها بـ قُصي… ابتسامات قديمة، وعيون لم تكن تعرف الخوف حينها.

جلست على طرف السرير، تتأمل الصورة طويلًا، وكأنها تبحث فيها عن إجابة لم تأتِ يومًا.

شهد بصوتٍ مكسور، كأنه يخرج من أعماقها دون إرادة:

شهد: ليه رجعت يا قُصي…؟

سقط الصمت بعدها، ثقيلًا، كأنه يشاركها السؤال ولا يملك إجابة.

أغمضت عينيها ببطء، تحاول إسكات الفوضى التي بدأت تتصاعد داخلها… لكن بدل أن يهدأ قلبها، ظهر في عقلها وجهٌ آخر دون استئذان.

عدي…وجهه، نظراته الهادئة، حضوره الذي أربكها من أول لحظة.

وبين اسمين يتنازعان داخلها بصمت… لم تعد تعرف أيهما يقترب منها، وأيهما يعيدها إلى جرحها القديم.

✨✨✨✨✨✨✨

وفي مكانٍ آخر، كان عدي جالسًا وحده، وقد خفّ صخب المكان من حوله، لكن داخله لم يكن هادئًا بالقدر نفسه.

أسند ظهره إلى كرسيه، وعيناه معلّقتان بنقطةٍ غير مرئية، كأنه يعيد مشهد اليوم من بدايته. اصطدامها به، ارتباكها، نظرتها حين أجابت، ذلك الحزن الذي لم يكن بحاجة إلى تفسير كي يُرى…

لم تكن مجرد موظفة جديدة بالنسبة له.

كانت هناك تفاصيل لا تُقال، لكنه شعر بها.

عدي بصوتٍ خافت، كأنه يحدث نفسه أكثر مما يصرّح:

عدي: يا ترى إيه اللي مخبّياه ورا عينيها دي…؟

صمت قليلًا، ثم أرخى يده على المكتب وهو ما يزال شاردًا. لم يكن من عادته أن ينشغل بهذه الدرجة، لكنه لا يعرف لماذا بقيت صورتها عالقة في ذهنه أكثر مما ينبغي.

ليس إعجابًا… ولا فضولًا عابرًا فقط.

بل إحساسٌ بأن خلف هذا الهدوء المرهق حكاية لم تُروَ كاملة بعد

أغمض عينيه لثوانٍ، ثم فتحهما وكأنه يحاول طرد الفكرة، لكن أثرها ظل ثابتًا داخله، كشيء بدأ يتكوّن بصمت دون أن يطلب الإذن.

أما في مكانٍ آخر… بعيدًا عن هذا المكتب، وعن هذا اللقاء الأول الذي لم يكن عابرًا كما بدا…

كانت الأيام تتحرك في اتجاهٍ مختلف تمامًا.

كأنها تُعيد ترتيب الخيوط من جديد، بهدوءٍ شديد، دون أن تخبر أحدًا أن ما هو قادم… لن يشبه ما مضى

في صباحِ اليوم التالي، وعلى زقزقة العصافير التي امتزجت بضوء الشمس المتسلل بخجلٍ عبر نافذتها، ومع ضوضاء الشارع المكتظ بالحياة وأصوات الجيران المتداخلة القادمة من الخارج، بدأت شهد تتململ في فراشها ببطء، كأن النوم كان يقبض على روحها ويرفض أن يتركها تواجه يومًا جديدًا.

تحركت بأنينٍ خافت، بينما انسدلت خصلات شعرها فوق وجهها الشاحب، وبدت ملامحها مرهقة بصورةٍ تُشبه من خاض حربًا كاملة داخل قلبه دون أن يراه أحد.

فتحت عينيها ببطء شديد، لتقابلها سقوف الغرفة الصامتة ذاتها… الجدران ذاتها… والوحدة ذاتها.

ظلت تحدّق في الأعلى لثوانٍ طويلة، ساكنة تمامًا، وكأن عقلها عاجز عن استيعاب أن الليل انتهى بالفعل، وأن عليها النهوض مجددًا لمواجهة كل ما تهرب منه.

تسللت أشعة الشمس فوق وجهها، لكنها لم تمنحها دفئًا، بل كشفت بوضوح تلك الهالات الداكنة أسفل عينيها، وآثار السهر والبكاء التي حاولت كثيرًا إخفاءها.

ابتلعت غصتها بصعوبة، ثم أطلقت زفرة مرتجفة خرجت مثقلة بالحزن والتعب، قبل أن ترفع يدها ببطءٍ فوق عينيها، كأنها تحاول الاحتماء من الواقع للحظاتٍ إضافية.

وفي داخلها كان شيءٌ ما ينكسر بصمت… بينما شيءٌ آخر، ضعيف للغاية، ما زال يتمسك بخيطٍ رفيع من الأمل.

همست أخيرًا بصوتٍ واهن، بالكاد سمعته هي نفسها، لكنه كان ممتلئًا برجاءٍ غارق وسط الألم

شهد: لعلّ الله يُحدث بعد ذلك أمرًا…

نهضت شهد من فراشها ببطء، وكأن جسدها ما زال مثقلًا بآثار ليلةٍ طويلة من التفكير والخوف، ثم اتجهت نحو الحمّام بخطوات هادئة تتسلل فوق أرضية المنزل الباردة.

أغلقت الباب خلفها، وما إن لامست المياه وجهها حتى شعرت بشيءٍ من السكينة يتسلل إلى روحها المضطربة.

توضأت بعناية، وكأنها تغسل عن قلبها تعب الأيام لا عن جسدها فقط، ثم وقفت بين يدي الله تؤدي فرضها بخشوعٍ صادق، وعيناها تلمعان بدعواتٍ صامتة لم تستطع البوح بها لأحد.

كانت تُصلي وكأنها تتشبث بالله من السقوط… تطلب منه القوة، والطمأنينة، وبدايةً جديدة تُرمم ما انكسر بداخلها.

وبعد أن انتهت، ظلت للحظات جالسة فوق سجادة الصلاة، تضم كفيها إلى صدرها وعيناها شاردتان، قبل أن تنهض أخيرًا متجهة إلى غرفتها.

وقفت أمام خزانتها تتأمل ملابسها بصمت، ثم بدأت تختار بعناية ما سترتديه في يومها الأول بالعمل، وكأنها تحاول أن تبدو قوية… حتى لو لم تكن كذلك من الداخل.

أخرجت فستانًا بسيطًا منقوشًا بورودٍ صغيرة، بلونٍ وردي هادئ منحها مسحة رقيقة من الأنوثة والبراءة، ثم ارتدت فوقه طرحة بيضاء زادت ملامحها نعومة وصفاءً، رغم الحزن المختبئ داخل عينيها.

وقفت أمام المرآة للحظات، تتأمل انعكاسها بصمت… كانت جميلة ببساطتها، هادئة الملامح، لكن عينيها كانتا تفضحان قلبًا مرهقًا خاض الكثير بصمت.

تناولت حقيبتها الصغيرة، ثم خرجت من غرفتها بخطوات مترددة تخفي خلفها رهبة اليوم الأول.

شهد: يا ماما، أنا رايحة الشغل… ادعيلي، النهارده أول يوم.

رفعت أمها عينيها إليها، فتوقفت للحظة تتأمل ابنتها بفخرٍ امتزج بالحزن. كانت ترى طفلتها تكبر قبل أوانها، وتحاول الوقوف وحدها رغم كل ما مرت به.

ابتسمت لها بحنانٍ دافئ وقالت

أم شهد: ربنا معاكي يا بنتي ويوفقك… طيب افطري الأول.

هزّت شهد رأسها بخفة وهي تحاول إخفاء توترها بابتسامة صغيرة.

شهد: لا، مش عايزة أتأخر على الشغل… لازم أكون ملتزمة من أول يوم.

تنهدت أمها بصمت، ثم هزّت رأسها وهي تدعو لها من قلبٍ يخشى عليها أكثر مما يُظهر.

أم شهد: ربنا يجبر بخاطرك يا بنتي… ويعوضك خير.

اهتز شيءٌ داخل قلب شهد عند تلك الكلمات، لكنها اكتفت بابتسامة صغيرة مرتجفة، قبل أن تتجه نحو الباب.

فتحت باب المنزل، لتستقبلها نسمات الصباح الباردة وضجيج الحياة في الخارج، فتنفست بعمق، وكأنها تستعد لعبور مرحلةٍ جديدة لا تعرف ماذا تخبئ لها.

ثم خرجت… تخطو نحو يومها الأول، وقلبها يتأرجح بين الخوف… والأمل.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين عاد الماضي   part 9

    في المساء، كان الهدوء يخيّم على الطابق العلوي من الشركة بعدما غادر أغلب الموظفين، ولم يبقَ سوى أضواء خافتة تنعكس فوق الأرضية اللامعة وصوت أجهزة التكييف الذي يملأ الفراغ بصمتٍ بارد.داخل مكتبه، كان عدي يجلس خلف طاولته بشرودٍ واضح، بينما بقيت عيناه معلقتين على الملف المفتوح أمامه دون أن يقرأ منه شيئًا.عقله كان في مكانٍ آخر تمامًا…في تلك النظرة المرتبكة التي ظهرت بعيني شهد داخل الاجتماع. وفي الطريقة التي خرجت بها فجأة وكأنها تهرب من شيء يطاردها.تنهد ببطء، ثم مرر يده فوق عنقه بإرهاق، قبل أن يقطع الصمت صوت الباب وهو يُفتح دون استئذان.دخلت فتاة بخطواتٍ واثقة وناعمة في آنٍ واحد، يتمايل شعرها الأشقر الطويل خلفها بانسيابية، بينما انعكست الإضاءة فوق بشرتها البيضاء الصافية وعينيها الزرقاوين الواسعتين اللتين حملتا حيوية واضحة وشيئًا من الدلال المحبب.كانت ترتدي ملابس أنيقة بعناية، تفوح منها رائحة عطر هادئ، وابتسامتها المشرقة سبقت كلماتها فور دخولها.لين: يعني بقالك ساعة كاملة فوق ومفكرتش حتى ترد على تليفوني؟رفع عدي عينيه إليها، لتخفّ حدة ملامحه تلقائيًا.عدي: يا ساتر… إنتِ عرفتي تدخلي هنا إز

  • حين عاد الماضي   part 8

    داخل قاعة الاجتماعات، كان الجو مشبعًا بالهدوء الرسمي المعتاد… شاشة العرض مضاءة، الأوراق موزعة فوق الطاولة الطويلة، وأصوات النقاش تدور بنبرة عملية ثابتة.أما شهد… فكانت تشعر أن الهواء نفسه يضغط فوق صدرها.جلست في مكانها بهدوءٍ ظاهري، بينما قبضتها تنغلق فوق القلم بين أصابعها دون أن تنتبه. عيناها لم تجرؤا على الارتفاع كثيرًا، لكنها رغم ذلك كانت تشعر به.قُصي.وجوده وحده داخل المكان كان كافيًا ليبعثر كل محاولاتها للتماسك.كان يجلس على الجانب المقابل من الطاولة، بكامل هدوئه المعتاد، يشارك الحديث أحيانًا، ويستمع أغلب الوقت… لكن عيناه، رغم كل شيء، كانتا تعودان إليها باستمرار.نظرات قصيرة… هادئة… لكنها ثقيلة بما يكفي لتربك أنفاسها في كل مرة.حاولت شهد التركيز في الملفات أمامها، في صوت المتحدث، في أي شيء يبعدها عن ذلك الإحساس الخانق، لكنها كانت تشعر بنظراته حتى دون أن تراه.وكأن الماضي جلس معهم على نفس الطاولة.أما عدي… فقد بدأ يلاحظ.في البداية ظن الأمر مجرد مصادفات عابرة، لكن مع مرور الوقت، أصبح انتباه قُصي تجاه شهد واضحًا بصورة لا يمكن تجاهلها.كلما تحدثت شهد، كان قُصي ينظر إليها. كلما تحرك

  • حين عاد الماضي   Part 1

    في يومٍ جديد، لم تعد تميز فيه بين الأمس والغد، ولا تدري أيّ زمنٍ يبتلعها بصمت. كل ما تعرفه أنها أنهكت، وأن الأيام حين مرّت بها لم تمرّ رحيمة، بل أخذت من روحها أكثر مما أبقت. تسير كأنها ظلٌّ فقد صاحبه، تائهة بين تفاصيل لا تعنيها، ولا شيء يثير فيها رغبة البقاء سوى أملٍ خافت، لا يكاد يُرى، بأن تكون بخير… ولو لمرة واحدة فقط، ولو على هيئة هدنة قصيرة مع نفسها. فما فعلته بها الحياة لم يكن عابرًا، ولا هيّنًا. كان تراكمًا ثقيلًا من خيباتٍ صغيرة، وانكساراتٍ لا تُرى بالعين، لكنها تُشعر بها في كل نبضة. حتى قلبها… لم يعد كما كان، وكأن شيئًا ما انكسر فيه وبقي على هيئة صمت. إنها شهد… في العشرين من عمرها، بعينين بنيّتين واسعتين، كأنهما نافذتان لروحٍ كانت يومًا أكثر دفئًا وطمأنينة. وجهٌ قمحيّ هادئ الملامح، لا يصرخ بجمالٍ صارخ، بل يهمس به همسًا خافتًا، كأن الجمال فيها لم يكن يومًا في الشكل فقط، بل في شيءٍ أعمق لا يُرى بسهولة. كانت متوسطة القامة، تمشي كأنها تحمل في خطواتها حكاياتٍ لا تُقال، وذكرياتٍ لا تجد طريقها إلى النسيان. جمالها الحقيقي لم يكن يومًا في تفاصيلها الخارجية فحسب، بل في روحها… في

  • حين عاد الماضي   part 2

    في الطريق إلى الشركة، كانت شهد تحاول أن تبدو متماسكة أكثر مما تشعر. ضمّت حقيبتها الصغيرة إلى صدرها كأنها تستمد منها شيئًا من الأمان، بينما عيناها تائهتان خلف زجاج النافذة، تراقبان العالم دون أن تنتميا إليه. الشوارع كانت مزدحمة كعادتها… سيارات متلاحقة، وأقدام تسرع دون توقف، ووجوه تمرّ كأن لكلٍ منها حكاية لا يشاركها أحد. الجميع يركضون نحو شيء ما، أهداف واضحة أو أوهام مؤجلة، بينما هي كانت تشعر بشيء مختلف تمامًا… كأنها لا تركض معهم، بل تتأخر عن الحياة ذاتها. كل مشهد خارج النافذة كان يذكّرها بأنها واقفة في مكان لا يشبهها..... بعد دقائق، توقفت السيارة. وصلت. ترجّلت ببطء، ورفعت عينيها نحو مبنى الشركة الكبير. كان ضخمًا على نحوٍ يبعث على التوتر أكثر مما يوحي بالإنجاز. واجهته الزجاجية تعكس الضوء ببرود، وكأن المكان لا يرحّب بأحد بسهولة. وقفت لثوانٍ، تتأمله بصمت، تحاول أن تُقنع نفسها أنها قادرة على هذه الخطوة. ثم شدّت أنفاسها بعمق، وكأنها تجمع شجاعتها المتناثرة، ودخلت. داخل المبنى… كان كل شيء واسعًا وهادئًا بشكل غريب. هدوءٌ لا يطمئن، بل يضغط على الأعصاب، كأنه يختبر الداخلين إليه قبل أ

  • حين عاد الماضي   part 3

    في الخارج، توقفت شهد عند أحد الجوانب الهادئة في الرواق، وأسندت ظهرها إلى الحائط للحظة، كأنها تحاول استيعاب ما حدث داخلها قبل أن تنقله للخارج. أخرجت هاتفها بسرعة، وكأنها تخشى أن تضيع الفرحة إن لم تُشاركها فورًا. ضغطت على زر الاتصال، وقربت الهاتف من أذنها وهي تتنفس ببطء. شهد: ألو يا ماما؟ جاء صوت والدتها من الطرف الآخر مشحونًا بالقلق المعتاد، ذلك القلق الذي لا يفارق الأم مهما حاولت أن تبدو هادئة. أم شهد: ها يا حبيبتي؟ عملتي إيه؟ سكتت شهد لحظة قصيرة… لحظة بدت فيها وكأنها تعيد ترتيب الشعور قبل أن تحوله إلى كلمات. ثم قالت، وصوتها هذه المرة كان مختلفًا… أقل ارتجافًا، وأكثر صدقًا شهد: الحمد لله… اتقبلت. في الجهة الأخرى، لم تستوعب الأم الكلمات في البداية، ثم ما لبث أن انفجر صوتها بالفرحة والدعاء، فرحة خالصة كأنها انتظرت هذا الخبر طويلًا. ابتسمت شهد دون أن تشعر، وارتخت ملامحها شيئًا فشيئًا. لأول مرة منذ زمن، لم يكن في صوت أمها قلقٌ فقط، بل فرحٌ حقيقي يصلها ويستقر داخلها. وأغلقت المكالمة ببطء، وهي ما زالت واقفة في مكانها، لكن قلبها هذه المرة لم يكن مثقلًا كما كان صباحًا. كان

  • حين عاد الماضي   Part 4

    في الطريق إلى الشركة، كانت شهد تسير بخطواتٍ هادئة فوق الأرصفة المزدحمة، تضم حقيبتها الصغيرة إلى صدرها وكأنها تتشبث بشيءٍ يمنحها الأمان وسط ذلك الاضطراب الذي يعصف بداخلها. كانت المدينة قد استيقظت بالكامل… أصوات السيارات تتعالى، الباعة ينادون، والوجوه تمر مسرعة وكأن لكل شخصٍ معركته الخاصة، أما هي… فكانت تسير بينهم بجسدها فقط، بينما عقلها غارق في دوامةٍ لا تهدأ. كان قلبها يخفق بتوترٍ خفي كلما اقتربت من الشركة. اليوم ليس مجرد يوم عمل… بل بداية جديدة تحاول أن تُقنع نفسها بأنها تستحقها. لكن الماضي لم يكن سهلًا إلى هذا الحد. في الممر الخارجي للشركة، كانت شهد تسير بجوار إيمان بخطواتٍ هادئة، بينما تستمع إليها باهتمامٍ حقيقي وهي تشرح لها بعض تفاصيل العمل ونظام الملفات والاجتماعات. إيمان كانت تتحدث بحماسٍ خفيف، تشير بيدها بين الحين والآخر نحو المكاتب المختلفة، أما شهد فكانت تحاول حفظ كل شيء بعناية، حتى لا تبدو مرتبكة أو قليلة الخبرة أمام أحد. لكن فجأة…انفتح باب مكتبٍ جانبي بعنف بسبب عامل النظافة الذي خرج مسرعًا وهو يدفع عربة التنظيف دون انتباه. وفي اللحظة نفسها، كان عدي يخرج من مك

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status