Share

part 9

last update publish date: 2026-05-21 21:33:11

في المساء، كان الهدوء يخيّم على الطابق العلوي من الشركة بعدما غادر أغلب الموظفين، ولم يبقَ سوى أضواء خافتة تنعكس فوق الأرضية اللامعة وصوت أجهزة التكييف الذي يملأ الفراغ بصمتٍ بارد.

داخل مكتبه، كان عدي يجلس خلف طاولته بشرودٍ واضح، بينما بقيت عيناه معلقتين على الملف المفتوح أمامه دون أن يقرأ منه شيئًا.

عقله كان في مكانٍ آخر تمامًا…

في تلك النظرة المرتبكة التي ظهرت بعيني شهد داخل الاجتماع. وفي الطريقة التي خرجت بها فجأة وكأنها تهرب من شيء يطاردها.

تنهد ببطء، ثم مرر يده فوق عنقه بإرهاق، قبل أن يقطع الصمت صوت الباب وهو يُفتح دون استئذان.

دخلت فتاة بخطواتٍ واثقة وناعمة في آنٍ واحد، يتمايل شعرها الأشقر الطويل خلفها بانسيابية، بينما انعكست الإضاءة فوق بشرتها البيضاء الصافية وعينيها الزرقاوين الواسعتين اللتين حملتا حيوية واضحة وشيئًا من الدلال المحبب.

كانت ترتدي ملابس أنيقة بعناية، تفوح منها رائحة عطر هادئ، وابتسامتها المشرقة سبقت كلماتها فور دخولها.

لين: يعني بقالك ساعة كاملة فوق ومفكرتش حتى ترد على تليفوني؟

رفع عدي عينيه إليها، لتخفّ حدة ملامحه تلقائيًا.

عدي: يا ساتر… إنتِ عرفتي تدخلي هنا إزاي أصلًا؟

اقتربت منه وهي تعقد ذراعيها بتذمرٍ مصطنع.

لين: عادي جدًا، أنا لين بنت خالتك المدللة… محدش يقدر يمنعني.

هز رأسه بخفة، بينما ظهرت ابتسامة صغيرة على شفتيه رغم إرهاقه.

لين كانت دائمًا هكذا… خفيفة، كثيرة الكلام، تدخل حياته دون مقدمات وتملأ المكان بحضورها.

ومنذ سنوات وهي تحمل مشاعر واضحة تجاهه، مشاعر لاحظها الجميع تقريبًا… إلا عدي، أو ربما لاحظها وتعمّد تجاهلها.

فهو لم يرها يومًا سوى تلك الطفلة المشاغبة التي كبرت أمامه. أخته الصغيرة… لا أكثر.

جلست فوق المقعد المقابل له وهي تراقبه قليلًا قبل أن تضيق عينيها بشك.

لين: في إيه؟

عدي: مفيش.

لين: لا فيه… إنت وشك بيقول إن دماغك في حتة تانية خالص.

صمت لثوانٍ، ثم أغلق الملف أمامه بهدوء.

عدي: مجرد ضغط شغل.

راقبته لين للحظة أطول، وكأنها لا تصدق تمامًا، لكنها لم تضغط عليه أكثر. بل نهضت واتجهت نحوه، ثم خطفت القلم من يده فجأة.

لين: خلاص بقى، اقفل الشغل ده وتعالى اتعشى معانا النهارده.

رفع حاجبه بخفة: أمر يعني؟

لين بابتسامة واسعة: طبعًا أمر.

وقبل أن يرد… رنّ هاتفه فجأة فوق المكتب.

توقفت لين مكانها، بينما وقعت عينا عدي على اسم المتصل.

شهد.

للحظة قصيرة… شعر بشيء يتحرك داخله دون تفسير.

أما لين، فقد لاحظت تغير نظرته السريع للهاتف، فتعلقت عيناها بالشاشة بفضول صامت.

التقط عدي الهاتف بهدوء، ثم أجاب:

عدي: ألو؟

على الجهة الأخرى، جاء صوت شهد مترددًا وخافتًا بعض الشيء.

شهد: آسفة لو اتصلت متأخر…

اعتدل عدي قليلًا في جلسته فور سماع نبرتها.

عدي: لا عادي… في حاجة؟

سكتت شهد للحظة، وكأنها تجمع الكلمات بصعوبة، قبل أن تقول بهدوء مرتبك:

شهد: أنا… كنت عايزة أعتذر إني مشيت فجأة النهارده من غير ما أستأذن.

تغيرت ملامح عدي دون أن يشعر.

إذن هي فكرت بالأمر… واهتمت أن تبرر له.

عدي: شهد… عادي. بس إنتِ كنتِ باينة متوترة جدًا.

ساد صمت قصير عبر الهاتف.

أما شهد، فكانت جالسة فوق سريرها تضم قدميها إلى صدرها، والهاتف بين يديها المرتجفتين قليلًا.

شهد: كان عندي شوية ضغط بس… وهديت دلوقتي.

لم يقتنع تمامًا. صوتها كان يحمل تعبًا أكبر من مجرد “ضغط”.

لكن بدل أن يضغط عليها، قال بهدوءٍ أخف:

عدي: المهم إنك بخير.

ارتخت أنفاسها قليلًا عند طريقته، قبل أن تهمس:

شهد: شكرًا.

ولسببٍ لم يفهمه… ابتسم عدي ابتسامة خفيفة فور سماعها.

أما لين، فكانت تراقبه بصمتٍ تام. تراقب الهدوء المختلف في صوته… والنظرة التي لم ترها في عينيه منذ وقت طويل.

عدي: على فكرة… أول يومين ليكي في الشغل كانوا كارثيين جدًا.

اتسعت عينا شهد بدهشة: نعم؟

عدي كاتمًا ضحكته: مرة توقعيني في المستشفى… ومرة تهربي من الاجتماع.

خرجت منها ضحكة صغيرة رغماً عنها، خافتة لكنها حقيقية.

شهد: والله ده سوء حظ مش أكتر.

عدي: هممم… مش مقتنع.

شعرت شهد لأول مرة منذ ساعات أن شيئًا من ثقل قلبها خفّ قليلًا. مجرد دقائق بسيطة من الحديث معه… لكنها جعلتها تتنفس بصورةٍ أهدأ.

أما هو… فكان يستمع لصوتها وكأنه يطمئن أنها ما زالت بخير فعلًا.

وفي النهاية، قال بهدوء:

عدي: ارتاحي دلوقتي… وبلاش تفكير كتير.

توقفت شهد عند الجملة للحظة… كأنها لامست شيئًا داخلها دون قصد.

ثم همست بصوت منخفض:

شهد: هحاول.

أغلقا المكالمة أخيرًا… لكن كليهما بقي ممسكًا بالهاتف لثوانٍ بعدها دون سبب واضح.

أما لين، فظلت واقفة مكانها تنظر إلى عدي بصمتٍ طويل، قبل أن تسأله فجأة:

لين: مين شهد…؟

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين عاد الماضي   part 9

    في المساء، كان الهدوء يخيّم على الطابق العلوي من الشركة بعدما غادر أغلب الموظفين، ولم يبقَ سوى أضواء خافتة تنعكس فوق الأرضية اللامعة وصوت أجهزة التكييف الذي يملأ الفراغ بصمتٍ بارد.داخل مكتبه، كان عدي يجلس خلف طاولته بشرودٍ واضح، بينما بقيت عيناه معلقتين على الملف المفتوح أمامه دون أن يقرأ منه شيئًا.عقله كان في مكانٍ آخر تمامًا…في تلك النظرة المرتبكة التي ظهرت بعيني شهد داخل الاجتماع. وفي الطريقة التي خرجت بها فجأة وكأنها تهرب من شيء يطاردها.تنهد ببطء، ثم مرر يده فوق عنقه بإرهاق، قبل أن يقطع الصمت صوت الباب وهو يُفتح دون استئذان.دخلت فتاة بخطواتٍ واثقة وناعمة في آنٍ واحد، يتمايل شعرها الأشقر الطويل خلفها بانسيابية، بينما انعكست الإضاءة فوق بشرتها البيضاء الصافية وعينيها الزرقاوين الواسعتين اللتين حملتا حيوية واضحة وشيئًا من الدلال المحبب.كانت ترتدي ملابس أنيقة بعناية، تفوح منها رائحة عطر هادئ، وابتسامتها المشرقة سبقت كلماتها فور دخولها.لين: يعني بقالك ساعة كاملة فوق ومفكرتش حتى ترد على تليفوني؟رفع عدي عينيه إليها، لتخفّ حدة ملامحه تلقائيًا.عدي: يا ساتر… إنتِ عرفتي تدخلي هنا إز

  • حين عاد الماضي   part 8

    داخل قاعة الاجتماعات، كان الجو مشبعًا بالهدوء الرسمي المعتاد… شاشة العرض مضاءة، الأوراق موزعة فوق الطاولة الطويلة، وأصوات النقاش تدور بنبرة عملية ثابتة.أما شهد… فكانت تشعر أن الهواء نفسه يضغط فوق صدرها.جلست في مكانها بهدوءٍ ظاهري، بينما قبضتها تنغلق فوق القلم بين أصابعها دون أن تنتبه. عيناها لم تجرؤا على الارتفاع كثيرًا، لكنها رغم ذلك كانت تشعر به.قُصي.وجوده وحده داخل المكان كان كافيًا ليبعثر كل محاولاتها للتماسك.كان يجلس على الجانب المقابل من الطاولة، بكامل هدوئه المعتاد، يشارك الحديث أحيانًا، ويستمع أغلب الوقت… لكن عيناه، رغم كل شيء، كانتا تعودان إليها باستمرار.نظرات قصيرة… هادئة… لكنها ثقيلة بما يكفي لتربك أنفاسها في كل مرة.حاولت شهد التركيز في الملفات أمامها، في صوت المتحدث، في أي شيء يبعدها عن ذلك الإحساس الخانق، لكنها كانت تشعر بنظراته حتى دون أن تراه.وكأن الماضي جلس معهم على نفس الطاولة.أما عدي… فقد بدأ يلاحظ.في البداية ظن الأمر مجرد مصادفات عابرة، لكن مع مرور الوقت، أصبح انتباه قُصي تجاه شهد واضحًا بصورة لا يمكن تجاهلها.كلما تحدثت شهد، كان قُصي ينظر إليها. كلما تحرك

  • حين عاد الماضي   Part 1

    في يومٍ جديد، لم تعد تميز فيه بين الأمس والغد، ولا تدري أيّ زمنٍ يبتلعها بصمت. كل ما تعرفه أنها أنهكت، وأن الأيام حين مرّت بها لم تمرّ رحيمة، بل أخذت من روحها أكثر مما أبقت. تسير كأنها ظلٌّ فقد صاحبه، تائهة بين تفاصيل لا تعنيها، ولا شيء يثير فيها رغبة البقاء سوى أملٍ خافت، لا يكاد يُرى، بأن تكون بخير… ولو لمرة واحدة فقط، ولو على هيئة هدنة قصيرة مع نفسها. فما فعلته بها الحياة لم يكن عابرًا، ولا هيّنًا. كان تراكمًا ثقيلًا من خيباتٍ صغيرة، وانكساراتٍ لا تُرى بالعين، لكنها تُشعر بها في كل نبضة. حتى قلبها… لم يعد كما كان، وكأن شيئًا ما انكسر فيه وبقي على هيئة صمت. إنها شهد… في العشرين من عمرها، بعينين بنيّتين واسعتين، كأنهما نافذتان لروحٍ كانت يومًا أكثر دفئًا وطمأنينة. وجهٌ قمحيّ هادئ الملامح، لا يصرخ بجمالٍ صارخ، بل يهمس به همسًا خافتًا، كأن الجمال فيها لم يكن يومًا في الشكل فقط، بل في شيءٍ أعمق لا يُرى بسهولة. كانت متوسطة القامة، تمشي كأنها تحمل في خطواتها حكاياتٍ لا تُقال، وذكرياتٍ لا تجد طريقها إلى النسيان. جمالها الحقيقي لم يكن يومًا في تفاصيلها الخارجية فحسب، بل في روحها… في

  • حين عاد الماضي   part 2

    في الطريق إلى الشركة، كانت شهد تحاول أن تبدو متماسكة أكثر مما تشعر. ضمّت حقيبتها الصغيرة إلى صدرها كأنها تستمد منها شيئًا من الأمان، بينما عيناها تائهتان خلف زجاج النافذة، تراقبان العالم دون أن تنتميا إليه. الشوارع كانت مزدحمة كعادتها… سيارات متلاحقة، وأقدام تسرع دون توقف، ووجوه تمرّ كأن لكلٍ منها حكاية لا يشاركها أحد. الجميع يركضون نحو شيء ما، أهداف واضحة أو أوهام مؤجلة، بينما هي كانت تشعر بشيء مختلف تمامًا… كأنها لا تركض معهم، بل تتأخر عن الحياة ذاتها. كل مشهد خارج النافذة كان يذكّرها بأنها واقفة في مكان لا يشبهها..... بعد دقائق، توقفت السيارة. وصلت. ترجّلت ببطء، ورفعت عينيها نحو مبنى الشركة الكبير. كان ضخمًا على نحوٍ يبعث على التوتر أكثر مما يوحي بالإنجاز. واجهته الزجاجية تعكس الضوء ببرود، وكأن المكان لا يرحّب بأحد بسهولة. وقفت لثوانٍ، تتأمله بصمت، تحاول أن تُقنع نفسها أنها قادرة على هذه الخطوة. ثم شدّت أنفاسها بعمق، وكأنها تجمع شجاعتها المتناثرة، ودخلت. داخل المبنى… كان كل شيء واسعًا وهادئًا بشكل غريب. هدوءٌ لا يطمئن، بل يضغط على الأعصاب، كأنه يختبر الداخلين إليه قبل أ

  • حين عاد الماضي   part 3

    في الخارج، توقفت شهد عند أحد الجوانب الهادئة في الرواق، وأسندت ظهرها إلى الحائط للحظة، كأنها تحاول استيعاب ما حدث داخلها قبل أن تنقله للخارج. أخرجت هاتفها بسرعة، وكأنها تخشى أن تضيع الفرحة إن لم تُشاركها فورًا. ضغطت على زر الاتصال، وقربت الهاتف من أذنها وهي تتنفس ببطء. شهد: ألو يا ماما؟ جاء صوت والدتها من الطرف الآخر مشحونًا بالقلق المعتاد، ذلك القلق الذي لا يفارق الأم مهما حاولت أن تبدو هادئة. أم شهد: ها يا حبيبتي؟ عملتي إيه؟ سكتت شهد لحظة قصيرة… لحظة بدت فيها وكأنها تعيد ترتيب الشعور قبل أن تحوله إلى كلمات. ثم قالت، وصوتها هذه المرة كان مختلفًا… أقل ارتجافًا، وأكثر صدقًا شهد: الحمد لله… اتقبلت. في الجهة الأخرى، لم تستوعب الأم الكلمات في البداية، ثم ما لبث أن انفجر صوتها بالفرحة والدعاء، فرحة خالصة كأنها انتظرت هذا الخبر طويلًا. ابتسمت شهد دون أن تشعر، وارتخت ملامحها شيئًا فشيئًا. لأول مرة منذ زمن، لم يكن في صوت أمها قلقٌ فقط، بل فرحٌ حقيقي يصلها ويستقر داخلها. وأغلقت المكالمة ببطء، وهي ما زالت واقفة في مكانها، لكن قلبها هذه المرة لم يكن مثقلًا كما كان صباحًا. كان

  • حين عاد الماضي   Part 4

    في الطريق إلى الشركة، كانت شهد تسير بخطواتٍ هادئة فوق الأرصفة المزدحمة، تضم حقيبتها الصغيرة إلى صدرها وكأنها تتشبث بشيءٍ يمنحها الأمان وسط ذلك الاضطراب الذي يعصف بداخلها. كانت المدينة قد استيقظت بالكامل… أصوات السيارات تتعالى، الباعة ينادون، والوجوه تمر مسرعة وكأن لكل شخصٍ معركته الخاصة، أما هي… فكانت تسير بينهم بجسدها فقط، بينما عقلها غارق في دوامةٍ لا تهدأ. كان قلبها يخفق بتوترٍ خفي كلما اقتربت من الشركة. اليوم ليس مجرد يوم عمل… بل بداية جديدة تحاول أن تُقنع نفسها بأنها تستحقها. لكن الماضي لم يكن سهلًا إلى هذا الحد. في الممر الخارجي للشركة، كانت شهد تسير بجوار إيمان بخطواتٍ هادئة، بينما تستمع إليها باهتمامٍ حقيقي وهي تشرح لها بعض تفاصيل العمل ونظام الملفات والاجتماعات. إيمان كانت تتحدث بحماسٍ خفيف، تشير بيدها بين الحين والآخر نحو المكاتب المختلفة، أما شهد فكانت تحاول حفظ كل شيء بعناية، حتى لا تبدو مرتبكة أو قليلة الخبرة أمام أحد. لكن فجأة…انفتح باب مكتبٍ جانبي بعنف بسبب عامل النظافة الذي خرج مسرعًا وهو يدفع عربة التنظيف دون انتباه. وفي اللحظة نفسها، كان عدي يخرج من مك

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status