Share

part 2

last update publish date: 2026-05-19 01:28:35

في الطريق إلى الشركة، كانت شهد تحاول أن تبدو متماسكة أكثر مما تشعر. ضمّت حقيبتها الصغيرة إلى صدرها كأنها تستمد منها شيئًا من الأمان، بينما عيناها تائهتان خلف زجاج النافذة، تراقبان العالم دون أن تنتميا إليه.

الشوارع كانت مزدحمة كعادتها… سيارات متلاحقة، وأقدام تسرع دون توقف، ووجوه تمرّ كأن لكلٍ منها حكاية لا يشاركها أحد. الجميع يركضون نحو شيء ما، أهداف واضحة أو أوهام مؤجلة، بينما هي كانت تشعر بشيء مختلف تمامًا… كأنها لا تركض معهم، بل تتأخر عن الحياة ذاتها.

كل مشهد خارج النافذة كان يذكّرها بأنها واقفة في مكان لا يشبهها..... بعد دقائق، توقفت السيارة. وصلت.

ترجّلت ببطء، ورفعت عينيها نحو مبنى الشركة الكبير. كان ضخمًا على نحوٍ يبعث على التوتر أكثر مما يوحي بالإنجاز. واجهته الزجاجية تعكس الضوء ببرود، وكأن المكان لا يرحّب بأحد بسهولة.

وقفت لثوانٍ، تتأمله بصمت، تحاول أن تُقنع نفسها أنها قادرة على هذه الخطوة. ثم شدّت أنفاسها بعمق، وكأنها تجمع شجاعتها المتناثرة، ودخلت.

داخل المبنى… كان كل شيء واسعًا وهادئًا بشكل غريب. هدوءٌ لا يطمئن، بل يضغط على الأعصاب، كأنه يختبر الداخلين إليه قبل أن يمنحهم فرصة للمرور.

تقدمت شهد بخطوات محسوبة، تشعر بأن كل خطوة تُسمع داخلها أكثر مما تُرى من الخارج… وأن هذه اللحظة، رغم بساطتها، قد تكون بداية شيء مختلف تمامًا، أو مجرد اختبار آخر لصمودها.

وبينما كانت تسير شاردة الذهن، غارقة في دوامة أفكارها، اصطدمت فجأة بشخصٍ أمامها.

تراجعت خطوة إلى الخلف بتلقائية، وترنحت قليلًا قبل أن تستعيد توازنها. رفعت عينيها بسرعة نحو من اصطدمت به، وقلبها ما زال يسبق خطواتها بارتباكٍ خفيف.

كان شابًا طويل القامة، يفرض حضوره دون أن يتكلم. ملامحه حادّة على نحوٍ محسوب، وملابسه الرسمية الأنيقة تزيده وقارًا وثقة. أما عيناه العسليتان… فكان فيهما ثباتٌ غريب، نظرة مستقرة أربكتها لسبب لا تفهمه، وكأنها وُضعت أمام شيء أكبر من مجرد مصادفة.

قطّب حاجبيه قليلًا وهو يقول بنبرة هادئة، لكنها حاسمة

هو: مش تركزّي يا آنسة؟

ارتبكت شهد فورًا، وشعرت بسخونة خفيفة تسري في وجهها من شدة المفاجأة.

شهد: آسفة… ماخدتش بالي.

نظر إليها للحظات قصيرة، لم تكن نظرة قسوة، لكنها أيضًا لم تكن عابرة. كأنها قراءة سريعة لشخصٍ لا يعرفه لكنه لاحظه.

ثم قال بهدوء أقل حدّة

هو: تمام، مافيش مشكلة. بس خدي بالك بعد كده.

أومأت برأسها بسرعة، دون أن تجد ما تقوله، بينما ابتعد هو بخطوات واثقة وهادئة، كأنه لم يترك خلفه سوى أثرٍ خفيف من حضوره.

ظلت شهد واقفة لثوانٍ، عيناها تتبعه دون قصد، قبل أن تنتبه لنفسها فجأة، فتشيح بنظرها سريعًا، وتواصل طريقها… لكن شيئًا ما داخلها كان قد تعثّر للحظة، دون أن تفهم سببه.

شهد: مالك يا شهد… ركزي بس.

همست بها لنفسها بصوتٍ داخلي خافت، كأنها تحاول أن تجمع شتات نفسها قبل أن تنفلت تمامًا. شدّت قبضتها على حقيبتها الصغيرة، ثم رفعت ذقنها قليلًا، وكأنها تستمد من هذه الحركة البسيطة قدرًا ضئيلًا من الثبات.

اتجهت نحو الاستقبال بخطوات محسوبة، رغم أن داخلها كان يرتجف أكثر مما يبدو عليها.

شهد: لو سمحتِ، عندي مقابلة شغل.

رفعت السكرتيرة رأسها، ونظرت إليها بنظرة سريعة تحمل مزيجًا من التنظيم والاعتياد على هذا النوع من الطلبات.

السكرتيرة: اتفضلي يا فندم، مستر عدي لسه داخل حالًا. ممكن ترتاحي شوية لحد ما يبدأ.

شهد: حاضر.

جلست شهد على أحد المقاعد الجانبية في ركن الانتظار. وضعت حقيبتها بجانبها، لكنها لم تبتعد عنها تمامًا، وكأنها امتدادٌ لوجودها في هذا المكان الغريب.

كان الجلوس نفسه يبدو ثقيلاً.

الإنتظار بالنسبة لها لم يكن مجرد وقت يمر… بل مساحة يزداد فيها الضجيج داخل رأسها. كل دقيقة صمت كانت تعيد فتح أبوابٍ ظنت أنها أُغلقت، وتدفعها إلى التفكير أكثر مما تحتمل. ماذا لو لم تُقبل؟ ماذا لو كانت هذه المحاولة مثل كل مرة… بداية مكسورة أخرى؟

مرّت الدقائق ببطءٍ خانق، حتى بدا الوقت وكأنه يتعمد أن يثقل وجودها.

فجأة، خرج أحد الموظفين من المكتب بخطوات سريعة، وتبادل كلمات مقتضبة مع السكرتيرة.

ثم التفتت السكرتيرة نحو شهد، وأشارت إليها بهدوء مهني

السكرتيرة: اتفضلي يا فندم.

رفعت شهد رأسها فورًا، وشعرت بأن قلبها يسبق خطواتها قبل أن تبدأ حتى. وقفت بسرعة، عدّلت من هيئتها دون وعي، سحبت نفسًا عميقًا كأنه محاولة أخيرة لتثبيت ما بداخلها من ارتجاف، ثم تقدمت نحو الباب.

كل خطوة كانت تقربها من لحظة لا تعرفها جيدًا… لحظة قد تُفتح فيها أبواب جديدة، أو تُغلق فيها واحدة من آخر محاولاتها للنجاة بصمت.

دخلت الغرفة بهدوء، وأُغلق الباب خلفها بصوت خافت بدا وكأنه يقطع آخر خيط من ترددها.

كان المكتب واسعًا، أنيقًا على نحوٍ بارد، يفرض نظامه على كل شيء فيه. خلف الطاولة كان يجلس رجل يعطي ظهره لها، لكن حتى من دون أن تراه، شعرت شهد بثِقله… بحضوره الذي يملأ المكان دون حاجة للكلام.

ترددت لثوانٍ، ثم وقفت بثباتٍ مُتعب، قبل أن يلتفت الرجل ببطء.

وفي اللحظة التي التقت فيها عيناها به…تجمدت.

اتسعت عيناها بدهشة واضحة، كأن الزمن أعادها دقائق إلى الوراء في لحظة واحدة فقط.

هو نفسه.... الشاب الذي اصطدمت به منذ قليل عند المدخل… يقف أمامها الآن كصاحب القرار.

عدي: هو إنتِ؟

خرج صوته هادئًا، لكنه حمل في داخله تلك النبرة التي تُعيد ترتيب الموقف من جديد.

بلعت شهد ارتباكها بصعوبة، ثم قالت بسرعة حاولت أن تبدو فيها طبيعية:

شهد: أيوه… أنا جاية عشان المقابلة.

ظل عدي ينظر إليها لحظاتٍ قصيرة، نظرة لا يمكن وصفها بالفضول فقط، بل كأنها محاولة لقراءة ما وراء التوتر الظاهر عليها. ثم أشار إلى الكرسي أمامه بهدوء

عدي: اتفضلي.

جلست شهد، لكن جلوسها لم يُنهِ توترها… بل غيّر شكله فقط. وضعت حقيبتها بجانبها، وضمّت يديها في حجرها، تحاول أن تبدو أكثر ثباتًا مما تشعر.

بدأ عدي يطرح أسئلته بهدوء مهني، عن دراستها، عن خبراتها، عن قدرتها على العمل تحت ضغط. وكانت تجيب… بصوتٍ ثابت نسبيًا، لكن خلف كل إجابة كان هناك ارتجاف صغير تحاول إخفاءه.

كان يستمع جيدًا.... لكن عينيه… لم تكن عادية في طريقة الملاحظة. لاحظت شهد ذلك رغم انشغالها بالإجابة. شيء في نظرته كان يتوقف عند تفاصيلها أكثر مما ينبغي… عند ترددها، عند نبرة صوتها، وحتى عند ذلك الحزن الخافت الذي يختبئ خلف ثباتها المصطنع.

هو لاحظ،لكن لم يعلّق

مرّت الدقائق، حتى خفّ ضغط الأسئلة تدريجيًا، وصمت قليلًا قبل أن يغلق الملف أمامه بهدوء.

عدي: تمام يا شهد… اعتبري نفسك معانا من النهارده.

توقفت يدها في الهواء لحظة، وكأنها لم تصدق ما سمعت.

رفعت عينيها إليه ببطء، وفيهما دهشة صافية

شهد: بجد؟

لم يجب فورًا، فقط أومأ برأسه بإيجاز

عدي: أيوه.

ساد صمت قصير، لكنه لم يكن صمتًا عاديًا… كان لحظة انتقال غير مرئية.

نهضت شهد ببطء، وقد شعرت أن شيئًا ما داخلها تغيّر، ولو بشكل صغير جدًا. لم تكن تعرف إن كان هذا بداية نجاة، أم مجرد محطة جديدة في طريق طويل من الترقب… لكنها حين خرجت من المكتب، كانت تحمل شعورًا مختلفًا لأول مرة منذ زمن.

شيء يشبه. البداية.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين عاد الماضي   part 9

    في المساء، كان الهدوء يخيّم على الطابق العلوي من الشركة بعدما غادر أغلب الموظفين، ولم يبقَ سوى أضواء خافتة تنعكس فوق الأرضية اللامعة وصوت أجهزة التكييف الذي يملأ الفراغ بصمتٍ بارد.داخل مكتبه، كان عدي يجلس خلف طاولته بشرودٍ واضح، بينما بقيت عيناه معلقتين على الملف المفتوح أمامه دون أن يقرأ منه شيئًا.عقله كان في مكانٍ آخر تمامًا…في تلك النظرة المرتبكة التي ظهرت بعيني شهد داخل الاجتماع. وفي الطريقة التي خرجت بها فجأة وكأنها تهرب من شيء يطاردها.تنهد ببطء، ثم مرر يده فوق عنقه بإرهاق، قبل أن يقطع الصمت صوت الباب وهو يُفتح دون استئذان.دخلت فتاة بخطواتٍ واثقة وناعمة في آنٍ واحد، يتمايل شعرها الأشقر الطويل خلفها بانسيابية، بينما انعكست الإضاءة فوق بشرتها البيضاء الصافية وعينيها الزرقاوين الواسعتين اللتين حملتا حيوية واضحة وشيئًا من الدلال المحبب.كانت ترتدي ملابس أنيقة بعناية، تفوح منها رائحة عطر هادئ، وابتسامتها المشرقة سبقت كلماتها فور دخولها.لين: يعني بقالك ساعة كاملة فوق ومفكرتش حتى ترد على تليفوني؟رفع عدي عينيه إليها، لتخفّ حدة ملامحه تلقائيًا.عدي: يا ساتر… إنتِ عرفتي تدخلي هنا إز

  • حين عاد الماضي   part 8

    داخل قاعة الاجتماعات، كان الجو مشبعًا بالهدوء الرسمي المعتاد… شاشة العرض مضاءة، الأوراق موزعة فوق الطاولة الطويلة، وأصوات النقاش تدور بنبرة عملية ثابتة.أما شهد… فكانت تشعر أن الهواء نفسه يضغط فوق صدرها.جلست في مكانها بهدوءٍ ظاهري، بينما قبضتها تنغلق فوق القلم بين أصابعها دون أن تنتبه. عيناها لم تجرؤا على الارتفاع كثيرًا، لكنها رغم ذلك كانت تشعر به.قُصي.وجوده وحده داخل المكان كان كافيًا ليبعثر كل محاولاتها للتماسك.كان يجلس على الجانب المقابل من الطاولة، بكامل هدوئه المعتاد، يشارك الحديث أحيانًا، ويستمع أغلب الوقت… لكن عيناه، رغم كل شيء، كانتا تعودان إليها باستمرار.نظرات قصيرة… هادئة… لكنها ثقيلة بما يكفي لتربك أنفاسها في كل مرة.حاولت شهد التركيز في الملفات أمامها، في صوت المتحدث، في أي شيء يبعدها عن ذلك الإحساس الخانق، لكنها كانت تشعر بنظراته حتى دون أن تراه.وكأن الماضي جلس معهم على نفس الطاولة.أما عدي… فقد بدأ يلاحظ.في البداية ظن الأمر مجرد مصادفات عابرة، لكن مع مرور الوقت، أصبح انتباه قُصي تجاه شهد واضحًا بصورة لا يمكن تجاهلها.كلما تحدثت شهد، كان قُصي ينظر إليها. كلما تحرك

  • حين عاد الماضي   Part 1

    في يومٍ جديد، لم تعد تميز فيه بين الأمس والغد، ولا تدري أيّ زمنٍ يبتلعها بصمت. كل ما تعرفه أنها أنهكت، وأن الأيام حين مرّت بها لم تمرّ رحيمة، بل أخذت من روحها أكثر مما أبقت. تسير كأنها ظلٌّ فقد صاحبه، تائهة بين تفاصيل لا تعنيها، ولا شيء يثير فيها رغبة البقاء سوى أملٍ خافت، لا يكاد يُرى، بأن تكون بخير… ولو لمرة واحدة فقط، ولو على هيئة هدنة قصيرة مع نفسها. فما فعلته بها الحياة لم يكن عابرًا، ولا هيّنًا. كان تراكمًا ثقيلًا من خيباتٍ صغيرة، وانكساراتٍ لا تُرى بالعين، لكنها تُشعر بها في كل نبضة. حتى قلبها… لم يعد كما كان، وكأن شيئًا ما انكسر فيه وبقي على هيئة صمت. إنها شهد… في العشرين من عمرها، بعينين بنيّتين واسعتين، كأنهما نافذتان لروحٍ كانت يومًا أكثر دفئًا وطمأنينة. وجهٌ قمحيّ هادئ الملامح، لا يصرخ بجمالٍ صارخ، بل يهمس به همسًا خافتًا، كأن الجمال فيها لم يكن يومًا في الشكل فقط، بل في شيءٍ أعمق لا يُرى بسهولة. كانت متوسطة القامة، تمشي كأنها تحمل في خطواتها حكاياتٍ لا تُقال، وذكرياتٍ لا تجد طريقها إلى النسيان. جمالها الحقيقي لم يكن يومًا في تفاصيلها الخارجية فحسب، بل في روحها… في

  • حين عاد الماضي   part 2

    في الطريق إلى الشركة، كانت شهد تحاول أن تبدو متماسكة أكثر مما تشعر. ضمّت حقيبتها الصغيرة إلى صدرها كأنها تستمد منها شيئًا من الأمان، بينما عيناها تائهتان خلف زجاج النافذة، تراقبان العالم دون أن تنتميا إليه. الشوارع كانت مزدحمة كعادتها… سيارات متلاحقة، وأقدام تسرع دون توقف، ووجوه تمرّ كأن لكلٍ منها حكاية لا يشاركها أحد. الجميع يركضون نحو شيء ما، أهداف واضحة أو أوهام مؤجلة، بينما هي كانت تشعر بشيء مختلف تمامًا… كأنها لا تركض معهم، بل تتأخر عن الحياة ذاتها. كل مشهد خارج النافذة كان يذكّرها بأنها واقفة في مكان لا يشبهها..... بعد دقائق، توقفت السيارة. وصلت. ترجّلت ببطء، ورفعت عينيها نحو مبنى الشركة الكبير. كان ضخمًا على نحوٍ يبعث على التوتر أكثر مما يوحي بالإنجاز. واجهته الزجاجية تعكس الضوء ببرود، وكأن المكان لا يرحّب بأحد بسهولة. وقفت لثوانٍ، تتأمله بصمت، تحاول أن تُقنع نفسها أنها قادرة على هذه الخطوة. ثم شدّت أنفاسها بعمق، وكأنها تجمع شجاعتها المتناثرة، ودخلت. داخل المبنى… كان كل شيء واسعًا وهادئًا بشكل غريب. هدوءٌ لا يطمئن، بل يضغط على الأعصاب، كأنه يختبر الداخلين إليه قبل أ

  • حين عاد الماضي   part 3

    في الخارج، توقفت شهد عند أحد الجوانب الهادئة في الرواق، وأسندت ظهرها إلى الحائط للحظة، كأنها تحاول استيعاب ما حدث داخلها قبل أن تنقله للخارج. أخرجت هاتفها بسرعة، وكأنها تخشى أن تضيع الفرحة إن لم تُشاركها فورًا. ضغطت على زر الاتصال، وقربت الهاتف من أذنها وهي تتنفس ببطء. شهد: ألو يا ماما؟ جاء صوت والدتها من الطرف الآخر مشحونًا بالقلق المعتاد، ذلك القلق الذي لا يفارق الأم مهما حاولت أن تبدو هادئة. أم شهد: ها يا حبيبتي؟ عملتي إيه؟ سكتت شهد لحظة قصيرة… لحظة بدت فيها وكأنها تعيد ترتيب الشعور قبل أن تحوله إلى كلمات. ثم قالت، وصوتها هذه المرة كان مختلفًا… أقل ارتجافًا، وأكثر صدقًا شهد: الحمد لله… اتقبلت. في الجهة الأخرى، لم تستوعب الأم الكلمات في البداية، ثم ما لبث أن انفجر صوتها بالفرحة والدعاء، فرحة خالصة كأنها انتظرت هذا الخبر طويلًا. ابتسمت شهد دون أن تشعر، وارتخت ملامحها شيئًا فشيئًا. لأول مرة منذ زمن، لم يكن في صوت أمها قلقٌ فقط، بل فرحٌ حقيقي يصلها ويستقر داخلها. وأغلقت المكالمة ببطء، وهي ما زالت واقفة في مكانها، لكن قلبها هذه المرة لم يكن مثقلًا كما كان صباحًا. كان

  • حين عاد الماضي   Part 4

    في الطريق إلى الشركة، كانت شهد تسير بخطواتٍ هادئة فوق الأرصفة المزدحمة، تضم حقيبتها الصغيرة إلى صدرها وكأنها تتشبث بشيءٍ يمنحها الأمان وسط ذلك الاضطراب الذي يعصف بداخلها. كانت المدينة قد استيقظت بالكامل… أصوات السيارات تتعالى، الباعة ينادون، والوجوه تمر مسرعة وكأن لكل شخصٍ معركته الخاصة، أما هي… فكانت تسير بينهم بجسدها فقط، بينما عقلها غارق في دوامةٍ لا تهدأ. كان قلبها يخفق بتوترٍ خفي كلما اقتربت من الشركة. اليوم ليس مجرد يوم عمل… بل بداية جديدة تحاول أن تُقنع نفسها بأنها تستحقها. لكن الماضي لم يكن سهلًا إلى هذا الحد. في الممر الخارجي للشركة، كانت شهد تسير بجوار إيمان بخطواتٍ هادئة، بينما تستمع إليها باهتمامٍ حقيقي وهي تشرح لها بعض تفاصيل العمل ونظام الملفات والاجتماعات. إيمان كانت تتحدث بحماسٍ خفيف، تشير بيدها بين الحين والآخر نحو المكاتب المختلفة، أما شهد فكانت تحاول حفظ كل شيء بعناية، حتى لا تبدو مرتبكة أو قليلة الخبرة أمام أحد. لكن فجأة…انفتح باب مكتبٍ جانبي بعنف بسبب عامل النظافة الذي خرج مسرعًا وهو يدفع عربة التنظيف دون انتباه. وفي اللحظة نفسها، كان عدي يخرج من مك

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status