LOGINعندما غادر إياد مقر منظمة X، كان الفجر قد بدأ ينسحب ببطء من سماء نيوفيرا، بدأت المدينة تستعيد حركتها، السيارات تملأ الطرقات، وأضواء المحال تنطفئ واحدًا تلو الآخر، والناس يخرجون إلى أعمالهم، غير مدركين لما حدث خلال الساعات التي سبقت شروق الشمس. أما إياد، فلم يشعر ببداية يوم جديد، كان يشعر بأنه يعيش اليوم نفسه منذ أشهر، اليوم الذي بدأت فيه نور تبتعد عنه تدريجيًا، دون أن يعرف إن كانت ستعود إليه يومًا. أدار محرك السيارة وانطلق لكن عقله لم يكن مع الطريق كان عالقًا بين صورتين صورة نصف الوجه الذي ظهر في التسجيل عين واحدة، جزء من الخد وخصلات الشعر الداكنة، وصورة نور. مستلقية على سرير المستشفى، غارقة في ذلك السكون الذي طال أكثر مما ينبغي، كلما حاول أن يركز في الرجل الذي ظهر في التسجيل، عاد تفكيره إليها، وكلما حاول ترتيب تفاصيل التحقيق في ذهنه، وجد نفسه يسأل السؤال نفسه:متى ستفتح عينيها؟ شد إياد قبضته على المقود قليلًا ثم أطلق زفرة طويلة، وقال بصوت خافت، كأنه يخاطبها رغم أنها ليست معه:— فقط استيقظي. كان طلبًا بسيطًا، لكنه في تلك اللحظة بدا أهم من كل شيء آخر، بعد نحو نصف ساعة، وصل إلى المست
لم يغادر إياد المستشفى، منذ وصوله، بقي جالسًا قرب نور، كأن الأشهر الماضية كلها تجمعت فوق كتفيه دفعة واحدة، وكأن الرحيل عنها ولو لدقائق أصبح أمرًا لا يستطيع تحمله، أما هي، فما تزال غارقة في ذلك السكون الطويل عيناها مغمضتان، أنفاسها منتظمة. وملامحها هادئة على نحو يكاد يخفي كل ما يحدث داخلها، لكن شيئًا تغيّر شيء صغير، لا تستطيع الأجهزة قياسه، ولا يستطيع الأطباء تفسيره بالكامل. كانت أقرب، أقرب من أي وقت مضى، وفوق الطاولة الصغيرة بجوار السرير، اهتز هاتف إياد فجأة التقطه نظر إلى الشاشة. تغيرت ملامحه فورًا نهض من مكانه، واتجه نحو الباب، ثم خرج بهدوء وأغلقه خلفه، لم يبتعد كثيرًا وقال مباشرة:— ماذا وجدتم؟ جاءه صوت الخبير عبر الهاتف متوترًا:— سيدي... عليك أن ترى بنفسك. لم يسأل شيئًا آخر، أنهى الاتصال، ثم تحرك بسرعة، بعد أقل من عشرين دقيقة، كان إياد داخل غرفة العمليات التابعة لمنظمة X، الأضواء الخافتة انعكست فوق الشاشات العملاقة، بينما وقف عدد من الخبراء أمام أجهزة التحليل، وقد بدا التوتر واضحًا على وجوههم. بمجرد دخوله، تحرك أحدهم نحوه: " سيدي."لم يتوقف إياد: " أرني."أشار الخبير إلى الشاشة
لم تتحرك نور، ولم تفتح عينيها، ومع ذلك، كان هناك شيء مختلف داخل الغرفة، شيء صغير، بالكاد يمكن ملاحظته، لا يمكن قياسه بالأجهزة، ولا تسجيله في التقارير الطبية، لكنه كان كافيًا ليجعل إياد يشعر بأن شيئًا ما تغيّر. وقف إلى جوار سريرها، وعيناه لا تغادران وجهها، كان الأطباء يتحدثون من حوله، يشرحون النتائج، ويعرضون الاحتمالات الطبية، ويتناقشون في التغيرات التي ظهرت خلال الساعات الأخيرة. لكن كلماتهم وصلت إليه باهتة، كأنها تأتي من خلف جدار سميك، لم يكن يسمع سوى أجزاء متفرقة منها أما هو، فلم يكن يرى سوى يدها، تلك اليد التي تحرك أحد أصابعها قبل ساعات. حركة صغيرة جدًا لكنها كانت أول شيء يمنحه إحساسًا بأن المسافة بينه وبينها لم تعد مستحيلة كما كانت اقترب من السرير أكثر، ثم جلس بهدوء على الكرسي المجاور أسند ذراعيه إلى جانبيه، وبقي يحدق في وجهها طويلًا. كانت ملامح نور ساكنة، هادئة، وكأنها غارقة في نوم عميق لا نهاية له. اقترب الطبيب المسؤول منه بعد أن لاحظ تعلق عينيه بها قال بهدوء: — سيدي... رفع إياد عينيه إليه أكمل الطبيب:— هذه علامة جيدة. لم يتغير وجه إياد: — لكن لا يمكننا معرفة موعد استيقاظ
— نور...؟ خرج اسمها من فم ياسر بالكاد كان صوته منخفضًا إلى درجة بدت معها الكلمة وكأنها خرجت خوفًا من أن يرفع صوته، فتختفي اللحظة بأكملها. بقي واقفًا مكانه عيناه معلقتان بيدها لم يجرؤ على الاقتراب أكثر ولم يجرؤ على الابتعاد، حتى الهواء داخل الغرفة بدا أثقل من المعتاد، بينما أصبحت أصوات الأجهزة الطبية أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. نبضة ثم أخرى ثم ثالثة أما نور، فبقيت ساكنة هادئة كأن شيئًا لم يحدث، تسلل الأمل إلى صدره للحظة، لكنه لم يلبث أن اصطدم بالخوف.ماذا لو كان يتخيل؟ ماذا لو كانت تلك الحركة مجرد وهم صنعه عقله المتعب لأنه أراد أن يرى شيئًا... أي شيء؟، ضغط ياسر على فكه بقوة ثم أجبر نفسه على التركيز. ثانية ثانيتان ثلاث، لم يتحرك شيء بقيت أصابع نور ساكنة فوق الملاءة البيضاء بدأ الشك يتسلل إليه من جديد ثم، تحرك الإصبع حركة صغيرة. ضعيفة لكنها كانت حقيقية. هذه المرة لم يشك لم يتردد اتسعت عيناه، وانطلق نحو الباب بسرعة، ففتحه بعنف حتى التفت الحارسان الواقـفان خارجه نحوه فورًا.— الطبيب! خرج صوته مضطربًا للمرة الأولى.— نادوا الطبيب حالًا! تبادل الحارسان نظرة خاطفة ثم اندفع أحدهما عبر الم
بعد أن أُغلق الباب، لم يبقَ داخل الغرفة سوى ياسر ونور، أو هكذا بدا الأمر. أما أصوات الأجهزة الطبية المنتظمة، فقد تراجعت تدريجيًا إلى خلفية بعيدة، حتى بدا وكأن العالم كله انسحب من حوله، تاركًا أمامه تلك الفتاة الراقدة فوق السرير الأبيض. اقترب ياسر بخطوات بطيئة ثم جلس على الكرسي المقابل لها، وظلت عيناه معلقتين بوجهها طويلًا، طويلًا جدًا حتى شعر أن السنوات كلها عادت دفعة واحدة، سنوات حاول دفنها، سنوات أقنع نفسه خلالها بأنه تجاوز كل شيء. وأنه أصبح قادرًا على النظر إلى الماضي دون أن يتأثر. لكن بعض الأشخاص لا يغادرون حقًا، حتى عندما يبتعدون، خفض رأسه قليلًا خرجت منه ضحكة قصيرة باهتة، لم تحمل أي فرح، ثم قال:— أتذكرين أول مرة تشاجرنا فيها؟ بقي ينظر إليها، وكأن السؤال لم يكن موجهًا إليها بقدر ما كان موجهًا إلى ذاكرته مرت الذكرى أمامه بوضوح غريب، حتى كاد يراها: — كنتِ عنيدة بشكل مستفز هز رأسه بخفة ظهرت ابتسامة صغيرة على شفتيه. — وكنت أظن أنني لن أراكِ مرة أخرى بعدها. رفع عينيه نحوها، استقرت نظراته فوق ملامحها الهادئة.— لكن بطريقة ما، كنتِ دائمًا تعودين. لم تجبه بالطبع لن تفعل ومع ذلك، ا
لم يكن الصباح قد اكتمل بعد، لكن شركة الحمدي كانت تعج بالحركة كعادتها. الموظفون يتحركون بين المكاتب الهواتف لا تتوقف عن الرنين، والشاشات العملاقة تعرض أرقامًا وصفقات بملايين الدولارات، بينما تتدفق المعلومات بين الأقسام دون أن تتوقف عجلة العمل لحظة واحدة. أما في الطابق الأخير، فكان كل شيء مختلفًا، كان الهدوء هناك أثقل أبرد. وأصعب على التنفس خلف الجدران الزجاجية الممتدة من الأرض حتى السقف، بدت نيوفيرا صغيرة تحت ذلك الارتفاع، بأبنيتها وطرقها وأضوائها التي بدأت تستعيد حركتها مع اقتراب النهار. أما داخل المكتب، فجلس إياد خلف مكتبه الأسود الضخم، كان يرتدي بدلة سوداء فاخرة مفصلة خصيصًا له، زادت من هيبته الطبيعية، وجعلت قامته الطويلة وبنيته الرياضية أكثر حضورًا وقوة. كان شعره الأسود مرتبًا بعناية، لكن ملامحه الحادة بدت أكثر قسوة من المعتاد، وكأن السهر والغضب والحزن اجتمعت كلها داخل وجه واحد، منذ وفاة علاء، أصبحت عيناه تحملان شيئًا مختلفًا. شيئًا أكثر ظلمة، وأشد برودة حتى إن معظم موظفي الشركة أصبحوا يتجنبون النظر إليه مباشرة، كان أمامه فنجان قهوة بارد منذ ساعات، لم يلمسه. كل اهتمامه كان م
لم يكن ما حدث في الصف أمرًا عابرًا… على الأقل بالنسبة لـ نور. منذ تلك اللحظة، أصبحت كل الأنظار تتبعها، وكل همسة وضحكة صغيرة خلف ظهرها كأنها سهم يصيب قلبها مباشرة. الطلاب يهمسون بهمسات خافتة: — "هاي هي…" — "اللي كانت تلاحق إياد…" — "واضح مو طبيعية…" لكن نور لم ترد. جلست في مكانها كعادتها،
لم ينم إياد تلك الليلة. رغم التعب الذي يضغط على كتفيه، رغم الألم المنتشر في جسده بعد المباراة، إلا أن عقله كان مشغولًا بشيء واحد… هي. تلك الفتاة التي ظهرت فجأة وقالت إنه يجب أن يعرف أنها هي من كانت تترك له الرسائل الصغيرة، الحلوى، والكلمات التي تصل إلى قلبه بصمت… جوليا. جلس على سريره، ينظر
مرّت خمس سنوات… لكن داخل نور، لم يمر شيء. ما زالت تلك الطفلة التي فقدت كل شيء في ليلة واحدة، الطفلة التي تعلمت أن العالم قاسٍ، وأن الانتظار لا يعني الأمان. في صباح بارد، كانت واقفة عند بوابة المدرسة، تضم حقيبتها إلى صدرها كأنها تحتمي بها، وعيناها تبحثان عن أي ملامح مألوفة وسط زحام الطلاب. الض
لم يكن الليل عاديًا تلك الليلة… السماء تمزقت بصوت الرعد، والمطر كان يهطل بغزارة، يغسل الطريق وكأنه يحاول محو كل أثر خطأ، كل ذنب لم يُغتفر بعد. الهواء كان ثقيلاً، رطبًا، يحمل رائحة البرق والتراب المبتل، والظلام كان يلتف حول الطريق كغطاء ثقيل لا ينكشف. على طريق مظلم، كانت شاحنة ضخمة تشق الطريق بس