LOGINلم يكن الألم أكثر ما أزعج زياد في تلك اللحظة، ولا الدم الذي انساب من جانب جبينه، ولا الألم الحاد الذي امتد من كتفه بعد الضربة التي تلقاها قبل دقائق، كان هناك شيء آخر. إحساس ثقيل يخبره بأن اللعبة التي حاول الاقتراب منها أصبحت أكبر بكثير مما توقع، وقف بصعوبة وسط المستودع. أنفاسه متقطعة، ويده تضغط على كتفه المصاب، بينما تناثرت أجساد الرجال الذين هاجموه حوله، بعضهم فقد وعيه. وبعضهم كان يحاول النهوض، قبل أن يعود إلى الأرض من شدة الألم. لكن زياد لم يكن ينظر إليهم كانت عيناه معلقتين بالرجل الواقف أمامه. الرجل الذي ظهر في اللحظة الأخيرة، كما يفعل دائمًا، سيد X. ملابس سوداء، وجه مخفي، وقفة ثابتة لا توحي بأدنى ارتباك، رغم الفوضى التي امتلأ بها المكان، كان حضوره وحده كافيًا لتغيير طبيعة الغرفة، مرت عدة ثوان، ثم قال زياد:— تأخرت. جاءه الرد باردًا:— ما زلت حيًا. ظهرت ابتسامة باهتة على شفتي زياد — هذه ليست إجابة. اقترب سيد X خطوة هذه المرة، لم يكن هادئًا كما اعتاده زياد. كانت حركته أكثر حدة، وصوته يحمل ضيقًا واضحًا. — وأنت ما زلت تتصرف كالأحمق. توقفت عينا سيد X عنده، فأكمل زياد بهدوء: "
لم يكن زياد من الرجال الذين يطاردون الظلال بعواطفهم، كان يطاردها بالعقل. ولهذا، بينما كان الجميع غارقين في الحزن بعد دفن علاء، كان زياد يجلس وحده داخل مكتبه، والمدينة خلف النافذة تغرق تدريجيًا في ظلام المساء. أمامه... كانت صورة قديمة، صورة التُقطت قبل أشهر، ظهر فيها علاء مبتسمًا كعادته، ابتسامة واسعة، مستفزة أحيانًا، لكنها كانت تملك قدرة غريبة على جعل أكثر الأيام سوءًا أقل ثقلًا. أمسك زياد الصورة بين أصابعه وظل ينظر إليها طويلًا، ثم قال بصوت منخفض: "لم أحب الثرثرة يومًا، لكن المكان أصبح مزعجًا بعد غيابك. وضع الصورة أمامه ثم رفع عينيه نحو النافذة، كانت نيوفيرا غارقة في ظلام المساء، مدينة ضخمة. مزدحمة بالأسرار، وملطخة بالكثير من الدماء، لكن زياد كان متأكدًا من شيء واحد، الغراب الأسود لم ينتصر بعد أدار كرسيه، ثم فتح درج مكتبه وأخرج ملفًا أسود، وضعه أمامه، فتح الغلاف. كانت داخله صفحات عديدة، ملاحظات، صور، تقارير، ومعلومات جمعها على مدار فترة طويلة، لكن كل تلك الأوراق كانت تدور حول اسم واحد، سيد X. توقفت عينا زياد عند الاسم، كم مرة حاول الوصول إليه؟ كم مرة تتبع أثرًا قاده إليه؟،
لم يكن إياد من الأشخاص الذين يسمحون للحزن بأن يشلّ حركتهم، لكن هذه المرة، كانت مختلفة بعد انتهاء المكالمة الغامضة، بقي واقفًا في ممر المستشفى للحظات طويلة، والهاتف لا يزال بين يديه كانت الجملة الأخيرة تتردد داخل رأسه بلا توقف:"علاء لم يكن الهدف الحقيقي." كأنها رصاصة لم تتوقف عن اختراقه رفع إياد رأسه ببطء تغيرت ملامحه لم يعد هناك ذلك الألم الظاهر في عينيه، ولا الارتباك الذي سبّبته صدمة الخبر. حلّ مكانهما برود مخيف. ذلك البرود الذي يظهر عندما يصل الإنسان إلى مرحلة يتجاوز فيها الحزن. مرحلة لا يبقى فيها سوى شيء واحد، الانتقام، أجرى اتصالًا مباشرًا بأحد رجاله داخل المنظمة، جاءه صوت رجل في الطرف الآخر، يتخلله صراخ شخص آخر يتعرض للاستجواب في الخلفية: — اعترف! ثم جاء صوت متقطع:— أقسم أنني لا أعرف شيئًا! لكن إياد لم يهتم قال بصوت بارد:— أوقفوا كل شيء. ساد الارتباك للحظات'ثم جاء صوت الرجل:— سيدي؟ — أريد تحليل المكالمة التي وصلتني قبل دقائق — سيدي. تم تغيير الصوت: — أعلم. جاء رد إياد دون أي تردد: — لكن لا يوجد صوت في هذا العالم لا يترك أثرًا. ساد صمت قصير؛ ثم تابع بنبرة جعلت الرجل يش
لم تكن تلك الليلة تشبه أي ليلة مرت على مدينة نيوفيرا، كانت السماء ملبدة بغيوم داكنة حجبت النجوم، والرياح تضرب نوافذ المباني بقوة، بينما كانت قطرات المطر ترتطم بالزجاج وتنساب عليه في خطوط متتابعة. حتى المدينة بدت مختلفة، الشوارع أقل حركة، الأضواء أكثر برودة، والخبر الذي انتشر خلال الساعات الماضية ترك خلفه وجوهًا شاحبة وأعينًا لا تعرف أين تستقر داخل المستشفى... لم يحتج أحد إلى إعلان الخبر بصوت مرتفع كان يكفي أن ترى الوجوه، نظرات تتجنب بعضها، أيدٍ متشابكة بعصبية، أعين دامعة تحاول التماسك. وأشخاص يتظاهرون بالقوة، بينما شيء في داخلهم ينهار بصمت. أما إياد.فلم يتحرك منذ دقائق طويلة، كان واقفًا أمام النافذة الزجاجية المطلة على غرفة نور، عيناه معلقتان بها، وكأنه يحاول التمسك بآخر شيء ما زال يمنعه من السقوط بالكامل. داخل الغرفة، كانت نور مستلقية على السرير، أجهزة المراقبة تعمل باستمرار، أنفاسها المنتظمة ترتفع وتهبط ببطء، وجهها ساكن، بعيد عن كل ما يحدث حولها، بعيدة عن الموت، بعيدة عن الحرب. بعيدة عن الألم الذي يلتهم الجميع خارج غرفتها، لكن إياد كان يعرف شيئًا واحدًا، لو استيقظت نور الآن، و
لم يكن صوت رامز طبيعيًا، كان مبحوحًا، مكسورًا، وكأن الكلمات نفسها أصبحت أثقل من أن تُقال. وقف إياد في ممر المستشفى، والهاتف ملتصق بأذنه، بينما كان قلبه يضرب صدره بعنف لم يعد يسمع شيئًا حوله، لا أصوات الممرضين. ولا خطوات الأطباء ولا أجهزة المراقبة القادمة من الغرف المجاورة حتى أصوات الحركة في الممر بدت وكأنها تلاشت فجأة لم يبقَ سوى ذلك الصوت القادم من الطرف الآخر._اياد خرج اسم إياد من فم رامز بصعوبة: «إياد...»، ثم توقفت الكلمات بينهما في صمت ثقيل، ثوانٍ طويلة مرت دون أن يقول أي منهما شيئًا، ثوانٍ جعلت الهواء أثقل، وجعلت ذلك الشعور الغامض داخل صدر إياد يتحول إلى خوف حقيقي.— رامز... خرج صوت إياد حادًا.— تكلم. في المختبر، أغمض رامز عينيه بقوة كان نادر يقف إلى جواره، وزياد على بعد خطوات قليلة الجميع ينظر إليه الجميع ينتظر. والجميع كان يعرف، في مكان ما داخل نفسه، أن الحقيقة التي سيقولها رامز لن تترك أحدًا كما كان خفض رامز نظره إلى الملف الذي بين يديه ثم قال:— ظهرت النتيجة. انقبضت معدة إياد بعنف قبض على الهاتف بقوة أكبر حتى ابيضت مفاصل أصابعه: — والنتيجة؟ ساد صمت قصير ثم رفع رامز ال
لم يكن أحد مستعدًا لما سيأتي وسط الدخان المتصاعد من موقع الانفجار، وبين أكوام الحديد الملتوي والخرسانة المحطمة، انتشر رجال رامز في كل اتجاه. كانت أيديهم تقلب الركام قطعةً تلو الأخرى، وأعينهم تبحث بجنون عن أي أثر، أي حركة، أي شيء يمكن أن يمنحهم سببًا واحدًا لعدم الاستسلام. الأضواء الكاشفة أغرقت المكان بوهج أبيض قاسٍ، بينما ظلت صفارات سيارات الإسعاف والشرطة تتردد من بعيد. امتزجت رائحة الحريق برائحة الخرسانة المحترقة والدم، حتى بدا الموقع كأنه خرج للتو من قلب كابوس لم يستيقظ منه أحد بعد. لم يكن البحث مقتصرًا على فريق واحد كان الجميع هناك رجال رامز، رجال نادر، ورجال اياد الشرطة فرق الإنقاذ. وحتى المحقق زياد بمجرد أن وصله الخبر، ترك كل ما كان يعمل عليه وعاد فورًا إلى نيوفيرا لم تكن القضية من اختصاصه أصلًا. كان الرجل الذي اعتاد ملاحقة أخطر المجرمين والتعامل مع أكثر القضايا تعقيدًا، لكنه هذه المرة لم يعد يرى الأمر باعتباره قضية. كانت مختلفة، مختلفة بطريقة شخصية لم يعترف بها حتى لنفسه. وقف إلى جوار رامز، يراقب عمليات البحث بعينين ثابتتين، إلا أن تلك العينين كانتا تتحركان بين الركام بسرع
لم يكن ما حدث في الصف أمرًا عابرًا… على الأقل بالنسبة لـ نور. منذ تلك اللحظة، أصبحت كل الأنظار تتبعها، وكل همسة وضحكة صغيرة خلف ظهرها كأنها سهم يصيب قلبها مباشرة. الطلاب يهمسون بهمسات خافتة: — "هاي هي…" — "اللي كانت تلاحق إياد…" — "واضح مو طبيعية…" لكن نور لم ترد. جلست في مكانها كعادتها،
لم ينم إياد تلك الليلة. رغم التعب الذي يضغط على كتفيه، رغم الألم المنتشر في جسده بعد المباراة، إلا أن عقله كان مشغولًا بشيء واحد… هي. تلك الفتاة التي ظهرت فجأة وقالت إنه يجب أن يعرف أنها هي من كانت تترك له الرسائل الصغيرة، الحلوى، والكلمات التي تصل إلى قلبه بصمت… جوليا. جلس على سريره، ينظر
مرّت خمس سنوات… لكن داخل نور، لم يمر شيء. ما زالت تلك الطفلة التي فقدت كل شيء في ليلة واحدة، الطفلة التي تعلمت أن العالم قاسٍ، وأن الانتظار لا يعني الأمان. في صباح بارد، كانت واقفة عند بوابة المدرسة، تضم حقيبتها إلى صدرها كأنها تحتمي بها، وعيناها تبحثان عن أي ملامح مألوفة وسط زحام الطلاب. الض
لم يكن الليل عاديًا تلك الليلة… السماء تمزقت بصوت الرعد، والمطر كان يهطل بغزارة، يغسل الطريق وكأنه يحاول محو كل أثر خطأ، كل ذنب لم يُغتفر بعد. الهواء كان ثقيلاً، رطبًا، يحمل رائحة البرق والتراب المبتل، والظلام كان يلتف حول الطريق كغطاء ثقيل لا ينكشف. على طريق مظلم، كانت شاحنة ضخمة تشق الطريق بس







