Masukداخل الطابق الأخير من برج الجبوري، بدت نيوفيرا صغيرة من خلف الجدران الزجاجية الممتدة من الأرض حتى السقف. الأبراج الشاهقة كانت تتلألأ تحت سماء رمادية ثقيلة، والطرقات في الأسفل بدت كخيوط طويلة تتحرك عليها السيارات بصمت. مدينة ضخمة، تخفي تحت لمعانها أسرارًا أكثر مما يستطيع أي شخص أن يتخيل أما داخل المكتب— فكان الهواء أثقل من المعتاد نهض علاء أخيرًا من فوق الكرسي، وعدّل سترته السوداء بإهمال متعمد، ثم ألقى نظرة سريعة نحو نادر. “إذا انتهت هذه المقابلة الغامضة… أعتقد أنني سأغادر قبل أن أشعر أنني أصبحت رجل أعمال محترمًا فعلًا.” استدار نحو الباب لكن قبل أن تصل يده إلى المقبض جاء صوت نادر من خلفه هادئًا:“ألا تريد أن تعرف من يكون يحيى الجبوري فعلًا؟” توقفت خطوات علاء تمامًا وكأن الاسم وحده امتلك القدرة على سحب الهواء من الغرفة بقي واقفًا لثوانٍ وظهره لنادر. ثم أغمض عينيه للحظة قصيرة ذلك الاسم، لم يكن اسمًا عاديًا بالنسبة إليه. كان شيئًا حاول دفنه في أعمق مكان داخل ذاكرته شيئًا لم يكن يريد سماعه مرة أخرى. استدار علاء ببطء اختفت نصف ابتسامته الساخرة، بينما أصبحت عيناه أكثر حذرًا: “مادة تق
كان صباح نيوفيرا مختلفًا بعد ليلة المطر الطويلة السماء الرمادية بدأت تنفتح ببطء، تاركةً خلفها خيوطًا شاحبة من الضوء تسللت بين الأبراج الزجاجية العملاقة، بينما انعكست أشعة الشمس الأولى فوق الشوارع التي ما زالت تحتفظ بلمعان المطر. عادت المدينة إلى ضجيجها المعتاد السيارات الفاخرة تنساب فوق الطرق المبتلة، أبواب المقاهي تُفتح تباعًا لاستقبال الزبائن، والشاشات الإعلانية الضخمة بدأت تضيء واجهات الأبراج. كل شيء عاد إلى طبيعته إلا أن هناك أشياء لا تعود إلى طبيعتها بهذه السهولة. وفي أعلى التلال المطلة على المدينة، كانت فيلا الحمدي تقف بهدوئها المعتاد. بدت أقرب إلى قصر حديث منها إلى منزل. جدران بيضاء واسعة تتداخل مع مساحات طويلة من الزجاج الداكن، وحدائق ممتدة تحيط بالمكان من جميع الجهات، تتوزع فيها الأشجار النادرة والورود التي ما زالت قطرات المطر معلقة فوق بتلاتها. أما النوافير الرخامية، فكانت مياهها تنساب بهدوء تحت ضوء الصباح، بينما امتد الطريق الحجري المؤدي إلى المدخل الرئيسي بين صفوف الأشجار العالية. كان المكان جميلًا لكن جماله كان يحمل شيئًا من الهيبة شيئًا يجعل المرء يشعر أن خلف تلك
بقيت كلمات نور معلّقة بينهما كجرحٍ مفتوح لم يكن في الغرفة سوى صمتٍ ثقيل، يتخلله صوت أنفاسهما المتباعدة. أما إياد، فكان واقفًا أمامها بعينين امتلأتا بذلك الإرهاق الذي لا يظهر إلا عندما يعجز الإنسان عن شرح نفسه، مهما امتلك من الكلمات. ظل ينظر إليها طويلًا كأنه كان يبحث عن جملة واحدة فقط جملة تستطيع أن تعيد المسافة بينهما كما كانت لكن لم يجد. أبعدت نور نظرها عنه أخيرًا لم تعد قادرة على احتمال عينيه كلما نظرت إليه، تذكرت الرجل الذي أحبته… ثم تذكرت الرجل الآخر الذي بدأ يظهر أمامها شيئًا فشيئًا الرجل الذي يأمر بالقتل دون أن يرتجف صوته. الرجل الذي يملك رجالًا، أسرارًا، أعداءً، وعالمًا كاملًا لا تعرف عنه شيئًا. ابتلعت غصتها بصعوبة، ثم قالت:“أريد أن أبقى وحدي الليلة.” خرج صوتها منخفضًا لكنه كان حاسمًا شعر إياد بشيء ثقيل يهبط داخل صدره لم تكن الجملة مجرد طلبٍ للابتعاد. كانت أول مرة يشعر فيها أن المسافة بينهما بدأت تصبح شيئًا لا يستطيع السيطرة عليه ثبت نظره عليها طويلًا. فتح فمه وكأنه يريد أن يقول شيئًا أي شيء لكن الكلمات خانته للمرة الأولى وفي النهاية اكتفى بهز رأسه ببطء ثم استدار نحو
كان ليل نيوفيرا ساكنًا بشكلٍ غريب بعد ساعات المطر الطويلة. المدينة التي اعتادت ألا تنام بدت هذه الليلة أكثر هدوءًا من المعتاد؛ أضواء الأبراج البعيدة تتلألأ خلف طبقة رقيقة من الضباب، والسيارات القليلة التي تعبر الشوارع تترك خلفها انعكاسات طويلة فوق الإسفلت المبتل. كل شيء كان هادئًا هادئًا أكثر مما ينبغي وكأن المدينة نفسها تحبس أنفاسها، منتظرة شيئًا لم يحدث بعد. داخل فيلا الحمدي، كان الهدوء مختلفًا في غرفة نور، امتد ضوء خافت من المصابيح الجدارية فوق الأثاث الهادئ، بينما جلست قرب النافذة الكبيرة، تلف البطانية حول جسدها وتراقب قطرات الماء وهي تنزلق ببطء فوق الزجاج. منذ عودة إياد، وهي تشعر بأن شيئًا ما تغيّر بينهما. لم يكن الأمر متعلقًا بكذبة واحدة ولا بصورة أرسلتها لمى ولا حتى بالأسرار التي اكتشفتها خلال الأيام الماضية. المشكلة كانت أكبر كلما حاولت الاقتراب من إياد، اكتشفت عالمًا جديدًا خلفه عالمًا مليئًا بالرجال والأسلحة، والأعداء والأسرار التي لا تنتهي. وكلما ظنت أنها أصبحت تعرفه، ظهر أمامها وجه آخر منه خفضت نور عينيها إلى يديها كانت تحبه. هذه كانت الحقيقة التي لم تستطع الهرب
كانت ظهيرة نيوفيرا ملبدة بغيومٍ رمادية ثقيلة بقايا المطر الذي هطل طوال الليل ما زالت تلمع فوق الشوارع، بينما انعكست واجهات الأبراج الزجاجية على الإسفلت المبتل، فتضاعفت برودة المدينة تحت ضوء شمسٍ شاحب لم يستطع اختراق الغيوم بالكامل. السيارات الفاخرة كانت تعبر الطرق الواسعة بانتظام، وأصوات المدينة تختلط بصفاراتٍ بعيدة وصفير الرياح وهي تتسلل بين الأبنية المرتفعة. كل شيء بدا طبيعيًا لكن السماء نفسها كانت توحي بأن عاصفةً أخرى لم تبدأ بعد. في الطرف الآخر من المدينة، فُتحت البوابة الحديدية الضخمة للفيلا ببطء. دخلت سيارة سوداء إلى الممر الطويل المحاط بالأشجار، ثم توقفت أمام المدخل الرئيسي. نزل إياد منها بصمت كان التعب واضحًا على وجهه هذه المرة هالات داكنة تحت عينيه، ملامح أكثر شحوبًا من المعتاد، وخطوات فقدت شيئًا من سرعتها رغم بقاء ذلك الثبات الذي يميزه. كان رامز قد نجا العملية انتهت الخطر المباشر تراجع قليلًا لكن شيئًا داخل صدره لم يهدأ كأن جسده عاد إلى الفيلا، بينما عقله ما زال عالقًا أمام باب غرفة العمليات. ما إن دخل حتى انحنى الخدم باحترام توقف عم حازم قرب المدخل، ونظر إليه بقلق وا
كان المطر لا يزال يهطل فوق شوارع نيوفيرا حين توقفت السيارة السوداء داخل أحد الأنفاق المهجورة الممتدة أسفل المدينة. كان المكان شبه خالٍ، لا يصل إليه سوى ضوء أبيض باهت صادر عن مصابيح قديمة معلقة في السقف، بينما انعكس صوت قطرات المطر القادمة من فتحات التهوية على الجدران الإسمنتية، فبدت الأجواء أكثر برودة مما ينبغي في المقعد الخلفي، كان رامز يجلس بصعوبة. يده تضغط على جانبه، وقميصه الأسود أصبح أكثر قتامة بسبب الدم الذي لطخه أما إياد فكان يقف خارج السيارة تحت الضوء الشاحب، وقد أخفى القناع الذهبي ملامحه بالكامل كان ساكنًا هادئًا لكن ذلك الهدوء لم يكن طبيعيًا كان هدوء رجل أنهى حربًا للتو، وما زال عقله عالقًا في تفاصيلها اقترب أحد الرجال التابعين له بسرعة. «سيدي.» مدّ إياد يده وبدأ بخلع قفازيه السوداوين ببطء ثم قال دون أن ينظر إليه:«السيارة والملابس والقناع... تخلّصوا منها.» أومأ الرجل فورًا: «أمرك.» ثم سلّمه حقيبة سوداء صغيرة فتحها إياد داخلها كانت هناك ملابس رسمية داكنة، ساعة سوداء فاخرة، ونظارات تخفي جزءًا من ملامحه أخذها بهدوء. ثم خلع القناع الذهبي لثوانٍ بدا وكأن شخصًا آخر خرج
لم يكن ما حدث في الصف أمرًا عابرًا… على الأقل بالنسبة لـ نور. منذ تلك اللحظة، أصبحت كل الأنظار تتبعها، وكل همسة وضحكة صغيرة خلف ظهرها كأنها سهم يصيب قلبها مباشرة. الطلاب يهمسون بهمسات خافتة: — "هاي هي…" — "اللي كانت تلاحق إياد…" — "واضح مو طبيعية…" لكن نور لم ترد. جلست في مكانها كعادتها،
لم ينم إياد تلك الليلة. رغم التعب الذي يضغط على كتفيه، رغم الألم المنتشر في جسده بعد المباراة، إلا أن عقله كان مشغولًا بشيء واحد… هي. تلك الفتاة التي ظهرت فجأة وقالت إنه يجب أن يعرف أنها هي من كانت تترك له الرسائل الصغيرة، الحلوى، والكلمات التي تصل إلى قلبه بصمت… جوليا. جلس على سريره، ينظر
مرّت خمس سنوات… لكن داخل نور، لم يمر شيء. ما زالت تلك الطفلة التي فقدت كل شيء في ليلة واحدة، الطفلة التي تعلمت أن العالم قاسٍ، وأن الانتظار لا يعني الأمان. في صباح بارد، كانت واقفة عند بوابة المدرسة، تضم حقيبتها إلى صدرها كأنها تحتمي بها، وعيناها تبحثان عن أي ملامح مألوفة وسط زحام الطلاب. الض
لم يكن الليل عاديًا تلك الليلة… السماء تمزقت بصوت الرعد، والمطر كان يهطل بغزارة، يغسل الطريق وكأنه يحاول محو كل أثر خطأ، كل ذنب لم يُغتفر بعد. الهواء كان ثقيلاً، رطبًا، يحمل رائحة البرق والتراب المبتل، والظلام كان يلتف حول الطريق كغطاء ثقيل لا ينكشف. على طريق مظلم، كانت شاحنة ضخمة تشق الطريق بس