LOGINتنويه هام من الكاتب:بخصوص المطالبات المستمرة بزيادة الفصول والتعليقات السلبية بسبب مواعيد النشر، أود توضيح الآتي:القصة تُكتب يوميا وليست جاهزة مسبقا. وبصفتي إنسانا لدي حياة شخصية وظروف يومية، فإن التزامي بتأليف وكتابة 3 فصول كل يوم هو أقصى طاقة ممكنة لي. أرفض تماما التسرع في الكتابة لزيادة العدد على حساب جودة الأحداث التي تحبونها.قد تتأخر مواعيد النشر أحيانا لظروف خارجة عن إرادتي، لكن التحديث اليومي بـ 3 فصول ثابت ولن يتغير ولن يزيد.شكرا لكل قارئ يقدر الجهد الذهني المبذول في كتابة كل كلمة، ويدعم الرواية بتقييم منصف.
كانت سماء وادي الصفصاف خالية من النجوم، تلتف بعباءة من السحب الداكنة التي حجبت حتى ضوء القمر، وكأن الطبيعة ذاتها تتآمر لإخفاء هذا الركن المنسي من العالم. على بُعد كيلومترين من المزرعة، أُطفئت محركات أسطول السيارات المصفحة السوداء. لم تُشعل أي مصابيح، ولم يُسمع سوى صوت إغلاق الأبواب بخفة شديدة. ترجل "أمجد الحسيني"، محاطاً بأكثر من ثلاثين رجلاً من نخبة حراسه القتلة، يرتدون ملابس تكتيكية سوداء ومسلحين بأسلحة آلية صامتة. سار أمجد في المقدمة، حذائه الإيطالي الفاخر يغوص في طين الحقول الزراعية المبللة، لكنه لم يبالِ. كانت رائحة الفراولة والتراب الرطب تزكم أنفه، وكل خطوة يخطوها نحو تلك الأكواخ المعزولة كانت تزيد من احتراق صدره. قلبه كان يدق بعنف لم يعهده منذ شبابه؛ المزيج القاتل بين لهفة الأب الذي وجد ابنه المفقود، وغضب الزعيم الذي أُهينت دماء عائلته. بإشارات يدوية صامتة، انتشر الحراس كأشباح الظلام، مطوقين الكوخ الخشبي المتهالك الذي أشار إليه فريق التلفاز، ليقطعوا أي طريق محتمل للهرب. تقدم أمجد ببطء شديد نحو الكوخ. كان هناك ضوء زيتي خافت يتسرب من شقوق الألواح الخشبية المتآكلة. أشا
مزقت أصوات مكابح السيارات السوداء سكون الشوارع المحيطة بمبنى القناة التلفزيونية المحلية. ترجل عشرات الحراس ببدلاتهم الداكنة، وأغلقوا المداخل والمخارج وكأنهم يفرضون حصاراً عسكرياً على ثكنة معادية. في المقعد الخلفي للسيارة الرئيسية، كان "أمجد الحسيني" يجلس وعيناه تشتعلان بالنار. صورة ابنه جاد الذي تحول إلى حمال بملابس ممزقة، كانت محفورة في عقله كوشم من جمر. فُتح باب السيارة، وترجل أمجد بخطوات ثقيلة، غاضبة، ومرعبة، متجهاً نحو البوابة الزجاجية الرئيسية للمبنى. في الداخل، انقلب مقر القناة رأساً على عقب. الموظفون يركضون في كل اتجاه برعب وهم يرون أمجد الحسيني بنفسه في بهو قناتهم. من مكتبه في الطابق الثاني، نزل مدير القناة "السيد كمال" يهرول، يلهث بشدة، ويحاول ترتيب ربطة عنقه وسترته وهو يتصبب عرقاً. بمجرد أن رأى أمجد الحسيني يقف في منتصف البهو بهيبته الطاغية، انفرجت أسارير كمال، وتبدلت ملامح رعبه إلى طمع تجاري بحت. لقد ظن، بغباء عالم الأعمال، أن زيارة بهذا الحجم وهذه الجلبة لا تعني سوى شيء واحد: استثمار ضخم! اندفع المدير كمال نحو أمجد، ماداً يده بابتسامة متملقة وعريضة: "أمجد
بدأ موسم الحصاد في مزارع الفراولة الريفية الممتدة. كانت الحقول تبدو كخلية نحل صاخبة، تغص بالعمال الذين ينحنون لقطف الثمار الحمراء الناضجة ووضعها في سلال خشبية، تمهيداً لتغليفها وشحنها نحو أسواق العاصمة. وسط هذا الزحام الخانق، كان "حامد" يعمل كآلة لا تعرف الكلل. كان يرتدي قميصاً ممزق الأكمام، وبنطالاً ملطخاً بالطين، يحمل على كتفيه العريضين صناديق خشبية ثقيلة يعجز عن رفعها رجلان معاً، ويتجه بها نحو سيارات النقل المتوقفة على أطراف الحقل. رغم الإرهاق، كانت عيناه الداكنتان تراقبان كل زاوية، وتحديداً ذلك الركن الظليل الذي يختبئ فيه "قاسم". منذ الصباح الباكر، تواجد في المزرعة فريق تصوير يتبع لقناة تلفزيونية محلية، جاء لإعداد تقرير وثائقي روتيني عن "رحلة الفراولة من البذرة إلى السوق". وبمجرد أن رأى قاسم الكاميرات والمايكروفونات، أصابه ذعر هستيري غير مبرر، وتسلل بسرعة للاختباء خلف إحدى الحظائر القديمة، متذرعاً لحامد بأنه يعاني من آلام في معدته ولا يقوى على العمل. أما حامد فقد حمل صندوقاً ضخماً، وسار بخطوات ثابتة وواثقة باتجاه سيارة النقل. في تلك اللحظة، كانت المذيعة تقف أمام الكامي
انتظم شخير "قاسم" المزعج في عتمة الكوخ الخشبي، واستسلم لسبات ثقيل بفعل زجاجة الكحول التي تجرعها حتى الثمالة.على الفراش الرقيق الملقى على الأرض، فتح "حامد" عينيه الداكنتين. تحولت نظرته تماماً؛ لم يعد هناك أثر لتلك الاستكانة المكسورة، بل حل محلها برود قاسية ونظرة حادة كالحديد الصلب.تلك الكلمة الواحدة "سمر" والتي خرجت من فم قاسم بكل حقد وشماتة، ظلت تتردد في أرجاء جمجمة حامد كصدى دوي طلقة نارية. كانت بمثابة الخيط الأول الذي بدأ يفك عقدة الوهم التي عاش فيها طوال الأشهر الماضية.تحرك حامد ببطء وحذر شديدين. رغم ضخامة جسده وطوله الفارع، إلا أنه تسلل في الظلام كطيف بلا صوت، مفادياً الألواح الخشبية التي قد تصدر صريراً. وقف بجوار السرير حيث كان قاسم غارقاً في نومه، وعيناه معلقتان بأسفل السرير.انحنى حامد، ومد يده ليزيح قماش الفراش المتدلي. كان يدرك تماماً مكان اللوح الخشبي المتحرك في الأرضية؛ فقد رآى قاسم أكثر من مرة يحرص على إخفائه والتعامل معه باهتمام غريب، زاعماً أنه يحفظ فيه أوراق ملكية أرض والديهما المتوفيين.بأطراف أصابعه القوية، رفع حامد اللوح الخشبي بحذر. وسحب من التجويف المظلم صندوقاً
خيم صمت ثقيل ومميت على الكوخ الخشبي المتهالك منذ عودتهما من السوق الشعبي. لم تُشعل أي أضواء باستثناء مصباح زيتي خافت يلقي بظلال راقصة ومرعبة على الجدران الخشبية المتشققة.كان "قاسم" يجلس على كرسيه الخشبي، يرتجف بشكل لا إرادي رغم أن الجو لم يكن بارداً. كان ينظر خلسة نحو الزاوية المظلمة حيث يجلس "حامد".كان حامد جالساً على الأرض، يسند ظهره العريض إلى الجدار، ويحدق في يديه الكبيرتين بصمت مطبق. عقله كان يدور في دوامة من الفوضى؛ كيف استطاع أن يسحق أربعة رجال بتلك الوحشية والبرود؟ لماذا تحرك جسده بتلك الخفة القاتلة وكأنه آلة حرب مدربة؟ والأهم من ذلك... لماذا لم يشعر بأي ندم أو خوف، بل بنشوة مألوفة أرعبته شخصياً؟لم يجرؤ قاسم على التحدث معه أو توبيخه كالعادة. الرعب الذي شل أطرافه في السوق كان لا يزال يسري في عروقه. لقد أدرك أن هذا العملاق الذي يعامله كخادم، يمتلك في داخله وحشاً كاسراً إذا استيقظ بالكامل، سيمزقه إرباً.بحث قاسم بيدين مرتعشتين أسفل سريره، وأخرج زجاجة كحول رخيصة كان يخبئها. نزع سدادتها بأسنانة، وبدأ يتجرع الخمر اللاذع بشراهة، يحاول إغراق رعبه وخوفه في الكحول.مرت الساعات، وتحول
جلست ندى على حافة سرير ديما، تربع ساقيها وتنظر إليها بعينين متسعتين وكأنها ترى كائناً فضائياً."هل تمزحين معي يا ديما؟ تسعة عشر عاماً ولم تلمسي حتى يد شاب؟ لم تعيشي قصة حب ولو مراهقة عابرة؟"تراجعت ديما للخلف، تضم ركبتيها إلى صدرها وكأنها تحمي نفسها من كلمات ندى الجريئة. احمرت وجنتاها بشدة وقالت ب
كان صوت عجلات القطار وهي تضرب القضبان الحديدية أشبه بنبضات قلب "ديما" المتسارعة.جلست بجوار النافذة، تسند رأسها على الزجاج البارد، وتراقب قريتها الوادعة وهي تتلاشى في الأفق، ليحل محلها غابة من الأسمنت والزجاج. المدينة!لأول مرة في حياتها ذات التسعة عشر عاماً، تغادر ديما قريتها. ورغم فستانها القطني
كانت ديما تجوب غرفتها الضيقة جيئة وذهاباً كأنها نمرة حبيسة تحرث الأرض بقدميها. هذه المرة، لم يكن الصراع مجرد أفكار عابرة، بل كانت معركة طاحنة تمزقها من الداخل؛ بين تربيتها الريفية الصارمة وأخلاقها المحافظة من جهة، وبين ذلك الفضول الأسود والشهوة الغامضة التي استيقظت بداخلها من جهة أخرى. كانت تتش
بعد أيام في صباح يوم دراسي غير اعتيادي،كان المدرج الرئيسي للجامعة يضج بالهمسات والترقب. الجميع يعلم أن المعيد الجديد ليس مجرد أكاديمي متفوق، بل هو "أمجد"، خريج الجامعة الاستثنائي، والابن الوحيد للملياردير الذي يمتلك نصف أسهم هذه الجامعة.في الصف الأول، جلست "نوال" تضع ساقاً فوق أخرى، مرتدية تنور







