LOGINفي غرفته المتواضعة، كان "فارس" يحدق في شاشة هاتفه التي تضيء باسم "جاد". تردد لثوانٍ، ابتلع ريقه بصعوبة، ثم أجاب بصوت يشوبه التوتر: "ألو.. أهلاً جاد." جاءه صوت جاد من الطرف الآخر، يحمل نبرة عتاب مرحة ومبطنة بالثقة: "اختفيت يا فارس! مرت أيام ولم أسمع صوتك، لا رسائل، لا اتصالات، ولا حتى محاولاتك الفاشلة لاستفزازي كما كنت تفعل.. هل أنت بخير؟" تنهد فارس، وقال بعفوية ممزوجة بالرهبة: "بصراحة؟ أنا مرعوب يا صديقي! لقد عرفت هويتك الحقيقية، رأيت ما فعلته في الأخبار.. أنت جاد الحسيني! كيف أجرؤ على الاتصال بك والمزاح معك بعد الآن؟ كنت أظنك طالباً بسيطاً، والآن أكتشف أنك تستطيع أن تحقق المستحيل بإشارة من إصبعك!" أطلق جاد ضحكة خفيفة، دافئة على غير العادة، وقال: "أنت صديقي يا فارس، والأشياء بيننا لن تتغير، بل ربما يرتفع مستوى الإثارة والمغامرة فيها فقط. اسمعني.. هل تريد أن تخوض معي الليلة تجربة مثيرة لا تُنسى؟" تغلب الفضول الشديد على خوف فارس، فأجاب باندفاع: "موافق! ماذا سنفعل؟" "سأرسل لك سيارة لاصطحابك حالاً.. كن جاهزاً في أقل من نصف ساعة." بعد أقل من ثلاثين دقيقة، كانت السيارة السو
في هدوء غرفتها المعتمة، كانت "سمر" تتقلب في فراشها، وعيناها تأبيان الاستسلام للنوم. كان قلبها وعقلها يخوضان حرباً طاحنة؛ في زاوية مظلمة من روحها، كان هناك انجذاب مجنون ومربك نحو "جاد"، نحو هيبته، وحمايته الخفية لها، وتلك النظرة الداكنة التي تخترق حصونها. لكن في الزاوية المقابلة، كانت شخصيتها المتمردة ترفض هذا الخضوع بشراسة. "هل يظن نفسه حاكم العالم؟" همست سمر في الظلام وهي تعتصر وسادتها. "يظن أن ورقة منحة دراسية ستجعلني جارية مطيعة في بلاطه؟" اشتعلت دماء التحدي في عروقها، وانتصر كبرياؤها على أي ضعف عاطفي. قررت بصرامة أنها طالما أُجبرت على البقاء في هذا القفص لتنقذ مستقبلها، فإنها ستجعل بقاءها فيه شوكة في حلقه. ستكون أسوأ وأعناد موظفة عرفتها إمبراطورية الحسيني. ابتسمت بتمرد وسط الظلام، وأغمضت عينيها لتستسلم للنوم وهي تنسج في أحلامها خططاً لإثارة غضب ذلك المغرور. لكن صباح اليوم التالي.. سحق أحلامها ومخططاتها سحقاً. بمجرد دخولها مبنى الإدارة، توجهت بخطوات واثقة نحو مكتبها المعتاد، لكنها تفاجأت بمدير الموارد البشرية يعترض طريقها بابتسامة متكلفة، ويسلمها قراراً رسمياً مطبوعاً.
في ظلام غرفتها، لم تستطع "سمر" إغلاق عينيها لدقيقة واحدة. كانت الأفكار تتصارع داخل رأسها كأمواج عاتية. صور "جاد" وهو يسحل ذلك الشاب، هيبة موكبه المصفح، وسقوط الشرطة في غياهب العجز أمامه، كل ذلك كان يصرخ في أذنها بإنذار واحد: هذا الرجل خطر.. رجل يملك الجحيم في يمينه والأحلام في يساره. هي فتاة بسيطة، تبحث عن نجاح شريف وحياة هادئة بعيدة عن عالم العصابات والدماء. لا تريد أن تكون جزءاً من لعبة مافيا لا تفهم قواعدها، ولا تريد أن تُسجن في قفص ذو قضبان ذهبية يحوطها به هذا الوريث المظلم. واتخذت قرارها الصارم: ستتخلى عن حلمها الشغوف بالتدريب في شركة الحسيني، ستسحب نفسها بهدوء، وتضع بينها وبينه حدوداً من الفولاذ. في صباح اليوم التالي، دخلت سمر مقر الشركة وهي تحمل في حقيبتها الورقة التي صاغتها بعناية: "طلب استقالة وإلغاء تدريب". توجهت مباشرة إلى مكتب الموارد البشرية، وسلمت الورقة بقلب يخفق بشدة، تشعر ببعض الراحة لأنها أخذت خطوة الشجاعة الأولى. لكن تلك الراحة لم تدُم سوى دقائق معدودة. قبل أن تصل إلى مكتبها، اعترض طريقها السكرتير الخاص للإدارة العليا، وقال بنبرة رسمية هادئة: "آنسة سمر.. ا
في صباح اليوم التالي داخل المقر الرئيسي لإمبراطورية الحسيني، كانت الأجواء تبدو هادئة على نحو مريب. الموظفون يتحركون بين الممرات بانتظام، والهواتف ترن في المكاتب، والقهوة تُسكب في الأكواب الزجاجية كأي يوم عمل عادي. لكن بالنسبة لـ "سمر"، لم يكن هناك أي شيء عادياً. كانت تسير في الممر الرخامي بخطوات ثقيلة ومترددة، وحقيبتها تنزلق من يدها المرتجفة. كان قلبها يخفق بعنف في قفصها الصدري، وكل حركة مفاجئة حولها تجعلها تتسمر في مكانها. طوال الطريق إلى الشركة، كانت شاشة هاتفها تعيد عرض تلك المشاهد المرعبة؛ موكب السيارات المصفحة، الرجال المسلحون، وجاد وهو يسحل "سيف" بدم بارد على الأسفلت أمام مئات العيون. كانت تتوقع أن تجد الشركة في حالة استنفار، أو أن ترى الشرطة تحاصر المكان، أو على الأقل أن تلمح أثراً للترقب والتوتر على وجوه الموظفين. لكن الشارع سكت، والإعلام برر، والشرطة غابت.. كأن عائلة الحسيني تملك مفاتيح هذا العالم بأكمله! توقفت سمر أمام الممر المؤدي لمكتب المتدربين والمكاتب الإدارية العليا. بلعت ريقها، وعادت كلمات "فارس" تدوي في رأسها كالمطرقة: "إنه يحبكِ يا سمر.. هو من دبر لكِ المنح
في قاع القبو المظلم، حيث تفوح رائحة العفن ويتسلل البرد القارس عبر الجدران الحجرية السميكة، كان الجحيم يرتدي ثوباً مختلفاً. لم تكن هناك أدوات تعذيب دموية، فـ "جاد" كان يدرك أن الأجساد تعتاد الألم الجسدي، لكن الروح تتهاوى وتتفتت أمام عذاب النفس والاحتياج القاتل. كان سيف وعادل ورفيقهما معلقين بسلاسل حديدية من معاصمهم، عراة بالكامل في زاوية صُممت لتكون شديدة البرودة، كغرفة تبريد ينساب فيها الهواء الثلجي ببطء ليخترق عظامهم. كانت أجسادهم زرقاء من شدة الصقيع، وشفاههم ترتجف بعنف مستمر تجعلهم عاجزين حتى عن إخراج كلمة واحدة واضحة، فلا يخرج من أفواههم سوى صرير أسنانهم وتوسلات مبهمة ومقطعة. وقف جاد أمامهما ببرود جليدي، يرتدي معطفه الأسود الثقيل. وبإشارة هادئة من يده، تقدم أحد رجاله يحمل حقناً طبية مليئة بذات المادة المخدرة الكيميائية الشديدة القسوة التي كان سيف يغرق بها ضحاياه. حقنهم الرجال مراراً وتكراراً لعدة أيام، حتى وصلوا إلى ذروة الإدمان والانقياد الكيميائي الكامل.. ثم قُطعت الجرعة عنهم فجأة وبلا رحمة! الآن، كان جاد يقف مكتوف الذراعين، يتلذذ بمرأى عذابهم النفسي والجسدي الوحشي تح
في الساعات التي تلت عملية الاختطاف العلنية في باحة المدرسة، تحولت المدينة إلى مرجل يغلي بالرعب والأسئلة. اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بمقاطع الفيديو التي توثق سحل المراهقين الثلاثة، وانتشرت التساؤلات الغاضبة والمذعورة: أين كانت الشرطة؟ كيف تُختطف مجموعة من الطلاب في وضح النهار دون أن تتدخل دورية واحدة؟ هل تحولت البلاد إلى غابة؟ لكن قبل أن يتجرأ أي مسؤول حكومي على الإدلاء بتصريح يورطه، كان "نادر الحسيني" يجلس في مكتبه، يحرك خيوط اللعبة من الظل ببراعة زعيم مافيا مخضرم. بمكالمتين فقط لكبار رؤساء التحرير وملاك الشبكات الإعلامية، تغير مسار التغطية بالكامل. لم تُذكر كلمة "اختطاف"، بل استُبدلت بـ "تطهير". وفي مساء ذلك اليوم، تصدرت مقالة غامضة ومدروسة العناوين الرئيسية في الصحف والبرامج الحوارية، تحمل في طياتها رسالة تبريرية مرعبة ومبطنة، جاء فيها: "يتساءل البعض عن غياب حراس القانون في بعض المعارك، متناسين قاعدة الطبيعة الأزلية؛ فكلب الرعي يمكنه أن يحمي القطيع من الذئاب العادية، لكنه سيقف عاجزاً، ومطأطئ الرأس، إذا نزل الأسد بنفسه من عرينه لافتراس من تجرأ على أشباله." بهذه الكلمات
بعد أيام في صباح يوم دراسي غير اعتيادي،كان المدرج الرئيسي للجامعة يضج بالهمسات والترقب. الجميع يعلم أن المعيد الجديد ليس مجرد أكاديمي متفوق، بل هو "أمجد"، خريج الجامعة الاستثنائي، والابن الوحيد للملياردير الذي يمتلك نصف أسهم هذه الجامعة.في الصف الأول، جلست "نوال" تضع ساقاً فوق أخرى، مرتدية تنور
في الليالي الثلاث التالية، كانت ديما تستلقي في فراشها ويداها معقودتان فوق بطنها بقلق. كانت تخشى أن يأتي "أنور" مجدداً، وأن تضطر لخوض تلك المعركة الطاحنة مع فضولها، خاصة بعد اكتشافها لذلك الثقب الشيطاني خلف اللوحة.لكن... أنور لم يأتِ.مرت الليلة تلو الأخرى، وغرفة ندى هادئة تماماً. في البداية، تنفست
جلست ندى على حافة سرير ديما، تربع ساقيها وتنظر إليها بعينين متسعتين وكأنها ترى كائناً فضائياً."هل تمزحين معي يا ديما؟ تسعة عشر عاماً ولم تلمسي حتى يد شاب؟ لم تعيشي قصة حب ولو مراهقة عابرة؟"تراجعت ديما للخلف، تضم ركبتيها إلى صدرها وكأنها تحمي نفسها من كلمات ندى الجريئة. احمرت وجنتاها بشدة وقالت ب
كان صوت عجلات القطار وهي تضرب القضبان الحديدية أشبه بنبضات قلب "ديما" المتسارعة.جلست بجوار النافذة، تسند رأسها على الزجاج البارد، وتراقب قريتها الوادعة وهي تتلاشى في الأفق، ليحل محلها غابة من الأسمنت والزجاج. المدينة!لأول مرة في حياتها ذات التسعة عشر عاماً، تغادر ديما قريتها. ورغم فستانها القطني







