로그인تسعدني دائما قراءة تعليقاتكم وتوقعاتكم لمسار القصة. إذا كنتم من محبي القراءة المتواصلة وتكرهون الانتظار اليومي للفصول، أنصحكم في اثناء الانتظار بقراءة روايتي الأخرى "الأرملة السوداء". الرواية مكتملة تماما وجاهزة لتقرأوها دفعة واحدة دون أي توقف، ولا انتظار للتحديث. أعتبرها من أقوى كتاباتي، وهي مليئة بأحداث ستحبس أنفاسكم وتجعلكم تقرأون دون توقف.
على مائدة الطعام الملكية الممتدة في قاعة القصر، كان صوت اصطدام الشوك الفضية بالأطباق الخزفية يمتزج بأحاديث هادئة وضحكات صافية. لم يكن الجو مشحوناً بالتوتر أو تحفه حراسة مسلحة كما تخيلت "سمر" في كوابيسها، بل كان يفيض بدفء عائلي آسر لم تعهده من قبل. كان الجد "نادر الحسيني" يجلس على رأس المائدة، وبدلاً من أن يتحدث عن صفقات مشبوهة أو أوامر دموية، كان يوجه حديثه لسمر باهتمام أبوي خالص، يسألها عن طموحاتها وتفوقها الجامعي، ويستمع لإجاباتها بإصغاء تام واحترام جعلها تشعر وكأنها شخصية بالغة الأهمية. وبجواره، كانت الجدة "فاطمة" تتأكد بين الحين والآخر من أن أطباق سمر ممتلئة بأشهى المأكولات، وتعاملها برقة وتوقير يليقان بأميرة. أما "ديما"، فقد كانت تجلس بجوار زوجها "أمجد". كانت ديما قد وصلت ظهر ذلك اليوم من الريف، حيث تقسم وقتها بين القصر وبين مزرعة والدها "محمود الدالي" للبقاء بجوار ابنتها "مرح" في فترة نقاهتها وعلاجها. ورغم الإرهاق الخفي في عيني ديما، إلا أن رؤية ابنها "جاد" يجلس بجوار هذه الفتاة الفاتنة أعاد الحياة والبريق إلى ملامحها. كانت ديما، بغريزة الأم وشغف المرأة الرومانسية، تراقب
تجاوزت سيارة الرولز رويس البوابات الحديدية الشاهقة، لتسير ببطء عبر ممر طويل تحيط به أشجار ضخمة ونوافير تضيء عتمة الليل. كانت "سمر" تنظر من النافذة الزجاجية، وأنفاسها تتسارع مع كل متر تقطعه السيارة داخل هذه المملكة المصغرة. لقد أصابتها ذات نوبة الرهبة التي اجتاحت "فارس" قبل ساعات؛ فهذا لم يكن مجرد قصر لأحد الأثرياء، بل كان حصناً أسطورياً ينضح بالهيبة والفخامة المطلقة. توقفت السيارة أمام المدخل الرخامي العريض. فُتح لها الباب، ونزلت سمر بخطوات مرتعشة رغم كعبها العالي. كانت تتوقع أن تسمع موسيقى صاخبة، وأن ترى عشرات السيارات الفارهة لضيوف من النخبة، ونساءً يرتدين فساتين باهظة يتحدثن بتصنع في حفل (Gala) أسطوري كما توهمت. لكن المكان كان هادئاً جداً. لا ضجيج، لا حشود، فقط سكون فخم وإضاءة دافئة. استقبلها رئيس الخدم بانحناءة وقورة، وقادها عبر أروقة القصر التي تزينها لوحات كلاسيكية وتحف نادرة. كان صوت كعبها يتردد على الأرضية الرخامية، يرافقه دقات قلبها التي تقرع كالطبول. "تفضلي يا آنسة سمر، إنهم بانتظارك." قال الخادم، وفتح باباً خشبياً مزدوجاً وضخماً. دخلت سمر، لتتبخر كل توقعات
في شقتها الصغيرة والمتواضعة، كانت "سمر" تجلس على حافة سريرها، تطوي ساقيها وتنظر باهتمام إلى ذلك الصندوق الأسود المخملي المفتوح على طاولتها. كان الفستان القابع بداخله يبدو وكأنه نُسج من خيوط الليل، وبجواره علبة أصغر تشع ببريق الألماس الخالص. أمسكت سمر بهاتفها، وضغطت على زر الاتصال بصديقتها المقربة "سلوى"، وبمجرد أن أتاها الرد، انفجرت قائلة: "لن أذهب يا سلوى! أقسم أنني لن أذهب! هل يظن هذا الـ 'جاد' أنني دميته الخاصة ليأمرني بارتداء ما يحلو له وحضور حفلاته التافهة المليئة بالمتصنعين؟ سأتجاهل دعوته تماماً، وليفعل ما يشاء!" صمتت سلوى لثوانٍ على الطرف الآخر، قبل أن تطلق تنهيدة عميقة وتقول بنبرة عقلانية حادة: "هل جُننتِ يا سمر؟ هل نسيتِ ما أخبرتني به اليوم؟ هذا الرجل ليس مجرد متدرب، إنه نائب المدير التنفيذي! بكلمة واحدة منه يمكنه إلغاء منحتك الدراسية، وتدمير مستقبلكِ المهني، وتدفيعكِ مبالغ طائلة للجامعة! هل ستخاطرين بكل هذا من أجل العناد؟" عضت سمر على شفتها السفلى، فهي تعلم أن كلام صديقتها يحمل منطقاً مرعباً. تابعت سلوى بأسلوب أكثر مكراً، وهي تضرب على وتر الأنوثة: "ثم دعينا
في جوف السماء المظلمة، كانت مروحية "غضب الليل" تحلق بثبات مرعب فوق مياه المحيط الهائجة. لم يكن هناك أي أثر لليابسة، ولا مصدر للضوء سوى انعكاس باهت للقمر الشاحب على الأمواج السوداء المتلاطمة بالأسفل، وكأنها أفواه مفتوحة تنتظر طريدتها. في الداخل، كان المشهد مرعباً ومربكاً للعقل. سيف، وعادل، ورفيقهما الثالث يجلسون على أرضية المروحية المعدنية الباردة، يرتدون بدلاتهم الرسمية الأنيقة التي اختارها لهم حراس جاد بعد أن نظفوهم، بينما أجسادهم ترتجف بعنف من البرد ومن رعب مجهول ينهش قلوبهم. وفي الجهة المقابلة، كان "فارس" يجلس متيبساً في مقعده الجلدي، يراقب ما يحدث بعينين متسعتين وتوتر يكاد يمزق أوردته. نهض الجد "نادر الحسيني" من مقعده ببطء، وتوجه نحو الباب الجانبي المفتوح للمروحية حيث يعصف هواء المحيط البارد. وقف أمام الشبان الثلاثة، ونظر إليهم. لم تكن نظرته غاضبة أو متوحشة، بل كانت نظرة هادئة.. نظرة عتاب أبوي! تحدث نادر بصوت رخيم وعميق، اخترق هدير المحركات ليصل إلى مسامعهم بوضوح: "عندما نظرت إليكم اليوم، تذكرت جاد وأمجد في مثل سنكم. أنتم مجرد أطفال.. صبية طائشون أخذتهم حماسة الشباب ورفاق ا
في غرفته المتواضعة، كان "فارس" يحدق في شاشة هاتفه التي تضيء باسم "جاد". تردد لثوانٍ، ابتلع ريقه بصعوبة، ثم أجاب بصوت يشوبه التوتر: "ألو.. أهلاً جاد." جاءه صوت جاد من الطرف الآخر، يحمل نبرة عتاب مرحة ومبطنة بالثقة: "اختفيت يا فارس! مرت أيام ولم أسمع صوتك، لا رسائل، لا اتصالات، ولا حتى محاولاتك الفاشلة لاستفزازي كما كنت تفعل.. هل أنت بخير؟" تنهد فارس، وقال بعفوية ممزوجة بالرهبة: "بصراحة؟ أنا مرعوب يا صديقي! لقد عرفت هويتك الحقيقية، رأيت ما فعلته في الأخبار.. أنت جاد الحسيني! كيف أجرؤ على الاتصال بك والمزاح معك بعد الآن؟ كنت أظنك طالباً بسيطاً، والآن أكتشف أنك تستطيع أن تحقق المستحيل بإشارة من إصبعك!" أطلق جاد ضحكة خفيفة، دافئة على غير العادة، وقال: "أنت صديقي يا فارس، والأشياء بيننا لن تتغير، بل ربما يرتفع مستوى الإثارة والمغامرة فيها فقط. اسمعني.. هل تريد أن تخوض معي الليلة تجربة مثيرة لا تُنسى؟" تغلب الفضول الشديد على خوف فارس، فأجاب باندفاع: "موافق! ماذا سنفعل؟" "سأرسل لك سيارة لاصطحابك حالاً.. كن جاهزاً في أقل من نصف ساعة." بعد أقل من ثلاثين دقيقة، كانت السيارة السو
في الليالي الثلاث التالية، كانت ديما تستلقي في فراشها ويداها معقودتان فوق بطنها بقلق. كانت تخشى أن يأتي "أنور" مجدداً، وأن تضطر لخوض تلك المعركة الطاحنة مع فضولها، خاصة بعد اكتشافها لذلك الثقب الشيطاني خلف اللوحة.لكن... أنور لم يأتِ.مرت الليلة تلو الأخرى، وغرفة ندى هادئة تماماً. في البداية، تنفست
جلست ندى على حافة سرير ديما، تربع ساقيها وتنظر إليها بعينين متسعتين وكأنها ترى كائناً فضائياً."هل تمزحين معي يا ديما؟ تسعة عشر عاماً ولم تلمسي حتى يد شاب؟ لم تعيشي قصة حب ولو مراهقة عابرة؟"تراجعت ديما للخلف، تضم ركبتيها إلى صدرها وكأنها تحمي نفسها من كلمات ندى الجريئة. احمرت وجنتاها بشدة وقالت ب
كانت ديما تجوب غرفتها الضيقة جيئة وذهاباً كأنها نمرة حبيسة تحرث الأرض بقدميها. هذه المرة، لم يكن الصراع مجرد أفكار عابرة، بل كانت معركة طاحنة تمزقها من الداخل؛ بين تربيتها الريفية الصارمة وأخلاقها المحافظة من جهة، وبين ذلك الفضول الأسود والشهوة الغامضة التي استيقظت بداخلها من جهة أخرى. كانت تتش
كان صوت عجلات القطار وهي تضرب القضبان الحديدية أشبه بنبضات قلب "ديما" المتسارعة.جلست بجوار النافذة، تسند رأسها على الزجاج البارد، وتراقب قريتها الوادعة وهي تتلاشى في الأفق، ليحل محلها غابة من الأسمنت والزجاج. المدينة!لأول مرة في حياتها ذات التسعة عشر عاماً، تغادر ديما قريتها. ورغم فستانها القطني







