تسجيل الدخولارتسمت على شفتي وعد ابتسامة صغيرة. وقالت — لقد بحثت عنك. بعض الحراس... وبعض الخدم. كانوا يعلمون أين تسكن. ظل عاصم ينظر إليها ، ثم قال بصرامة: — و لماذا كل هذا لماذا تهتمين الي هذه الدرجة ؟ خفضت وعد بصرها للحظة، ثم رفعت عينيها إليه وتحدثت بصوت بدا رقيقًا: — لأنك اختفيت يا عاصم ظننت أن مكروهًا أصابك. زفر عاصم بضيق، ثم قال وهو يخلع معطفه الثقيل: — لن أعود إلى هذا المكان بعد الان .عقدت وعد حاجبيها ثم قالت بهدوء، لكنها كانت تختبره: — ماذا فعلت بك ليان؟ رفع عاصم رأسه نحوها، فأكملت وهي تراقب ملامحه: — انظر إلى نفسك يا عاصم. خسرت عملك... وتركت حياتك... وأصبحت تقف في الشوارع ليلًا ونهارًا من أجل فتاة اختارت غيرك .اشتدت ملامحه، لكنها لم تتوقف: — لماذا تعذب نفسك؟ إن كانت تحبك حقًا لما تركتك تعيش كل هذا الألم . ولو كانت وفية لوعودها... لما تجولت مع رجل اخر أغمض عاصم عينيه بقوة، كان يحاول ألا يسمع ، لكن كلماتها كانت تخترق تعبه وضعفه . قال أخيرًا بصوت منخفض: — توقفي يا وعد. هزت رأسها: — لن أتوقف، لأنه يجب أن تسمع الحقيقة. ليان لم تكن لك ربما ارادت ان تثير غ
مرَّ يومان كاملان منذ المواجهة التي اشتعلت أمام بيت زينة. و خلال هذين اليومين... لم يغادر عاصم الحي القديم إلا لساعات قليلة. كان يقف كل صباح في نهاية الزقاق، يراقب البيت بصمت، ثم يعود مع حلول الليل ليقف في المكان نفسه وكأنه يحرس ذكرى لا منزلًا.لم يعد يذهب إلى عمله في قصر آشبورن ، ولم يعد يهتم إن خسر وظيفته أو راتبه. كل ما كان يشغل عقله سؤال واحد... كيف حال ليان الان ؟ لكن بيت زينة لم يعد كما كان، فقد تحول إلى حصن صغير؛ رجال كرم ينتشرون عند المداخل، وعلى أسطح المنازل المجاورة، وحتى الأزقة المؤدية إلى البيت أصبحت تخضع لمراقبة مشددة . لم يكن أحد يستطيع الدخول ... ولا أحد يستطيع الخروج ، حتى الرجال اللذين اعتدوا زيارة زينة انقطعت زياراتهم تماماً و منعوا من الدخول ، كأن البيت ابتلع من بداخله.وقف عاصم مرات لا تُحصى يراقب النوافذ الخشبية المغلقة، لعلها تفتح، لعلها تظهر للحظة، لعلها ترسل إليه إشارة واحدة تؤكد أنها ما زالت بخير، لكن لم يحدث شيء . ومع مرور الوقت... بدأ الإرهاق ينتصر على جسده؛ وجهه شحب، وعيناه احمرتا من السهر، وثيابه حملت آثار ليلتين
كان الصالون الشرقي لقصر آشبورن غارقًا في هدوئه المعتاد. جلست السيدة صفاء إلى جوار المدفأة الرخامية، ترتشف الشاي في سكينة، بينما كانت إحدى الوصيفات ترتب الزهور البيضاء في المزهرية الكريستالية. وفجأة...انفتح باب الصالون. دخل فارس بخطوات ثابتة، لكن كان في ملامحه شيء جعل الوصيفة تنسحب بصمت قبل أن يُطلب منها ذلك. رفعت صفاء رأسها إليه، وابتسمت ابتسامة خفيفة. —فارس عدت مبكرًا اليوم. لم يجب تقدم حتى وقف أمامها مباشرة. ظل صامتًا للحظات، ثم قال بهدوء: — جئت لأخبرك بأمر. وضعت صفاء فنجانها جانبًا، وأدركت من نبرته أن الأمر ليس عاديًا. — ما هو اخبرني . قال فارس دون مقدمات:— قررت أن أتزوج. تألقت عيناها فورًا وارتسمت على وجهها ابتسامة رضا حقيقية. — أخيرًا...كنت أعلم أنك ستراجع نفسك. سأرسل إلى آل الجارحي هذا المساء، وسنحدد موعد الخطبة. ديما فتاة مناسبة لمكانتك، وسيكون هذا الزواج بداية مرحلة جديدة... قاطعها فارس بحده:— لم أذكر اسم ديما. توقفت و اختفت الابتسامة تدريجيًا. رفعت عينيها إليه في صمت. فأكمل فارس بالنبرة نفسها: — المرأة التي سأتزوجها هي ليان. ساد الصمت لم تت
وقف فارس الكيلاني عند عتبة المنزل، شامخًا بكامل قامته، يحيط به عدد من رجاله المنتشرين في صمتٍ تام. كان وجهه جامدًا لا يشي بشيء ، لكن عينيه الصقريتين كانتا تحملان آثار ليلةٍ لم يذق فيها طعم الراحة، ولم تغادره فيها صورة ليان وهي تصارع الموت. في الجهة المقابلة... كان عاصم يقف والغضب يشتعل في عينيه . عيناه معلقتان بفارس وحده. ساد صمت ثقيل. حتى الهواء بدا وكأنه توقف عن الحركة. كانت تلك المرة الأولى التي يقفان فيها وجهًا لوجه كخصمين. تكلم عاصم أولًا، وصوته خرج أجش من شدة القهر: — أريد أن أرى ليان الان . لم تتغير ملامح فارس أجابه ببرودٍ حاسم: —لا.. لن تراها. انعقد فك عاصم بقوة حتى برزت عروق عنقه. وقال بحدة:— و من أنت حتى تمنعني؟ ظل فارس صامتًا. فأكمل عاصم وقد بدأ غضبه يخرج عن السيطرة: — ليان خطيبتي، وأنا من وعدتها بالزواج. من حقي أن اراها ، أما أن تقف أنت أمام الباب وتمنعني...فهذه وقاحة لن أقبلها. رفع فارس رأسه قليلًا. ثم قال بصوت منخفض، لكنه قاطع: — قلت لك...لن تراها. اشتعلت النار في صدر عاصم. وتقدم خطوة. — لماذا؟ هل تحتجزها هنا رغ
خارج بيت زينة، وفي الزاوية الأكثر ظلمة من الزقاق الضيق، وقف عاصم مستترًا خلف جدار حجري قديم، وقد رفع ياقة معطفه الثقيل حتى أخفت نصف وجهه. لم تغادر عيناه باب المنزل لحظة واحدة. كان الشارع ساكنًا إلا من صفير الريح وهي تعبر بين الأزقة الرطبة، لكن داخله كان يعج بعاصفة لا تهدأ.منذ أن رأى عربة فارس الكيلاني تتجه إلى هذا المكان، وهو يشعر أن كل ما سمعه خلال الأيام الماضية لم يكن مجرد شائعات. كان هناك سر.. . وسر كبير. تسللت نظراته بين الظلال حتى لمح رجالًا يعرفهم ؛ كرم... وأفراد الحرس الخاص بفارس. لم يكونوا يقفون بعشوائية ، بل اتخذ كل واحد منهم موقعًا يغطي زاوية مختلفة من الزقاق، وكأنهم يحمون شخصية لا يسمح لأحد بالاقتراب منها. ضاقت عيناه، وهمس لنفسه: "ما الذي تخفيه يا فارس؟" ازدادت دقات قلبه عندما انفتح الباب بعد دقائق. خرج الطبيب الخاص بعائلة الكيلاني يحمل حقيبته الجلدية، وبدت على وجهه علامات الإرهاق بعد ساعات طويلة من العلاج. توقف الطبيب للحظة يتحدث مع كرم بصوت خفيض، ثم استقل العربة وغادر بسرعة . أما كرم، فظل واقفًا أمام الباب بملامح متجهمة، ي
لم يتراجع فارس أمام كلمات ليان التي مزقت ما تبقى من كبريائه. بل شعر، ، أن الضباب الذي كان يحجب الحقيقة عن عينيه قد انقشع أخيرًا أدرك كم ظلمها... وكم دفعها صمته الطويل إلى محاربة العالم وحدها. ظل واقفًا أمامها للحظات، بينما ضوء الشموع الخافت يرتجف فوق الجدران الحجرية. ثم...فعل شيئًا لم يفعله فارس الكيلاني أمام أحد قط. انخفض ببطء...وجثا على ركبتيه بجوار فراشها. شهقت ليان دون أن تشعر. أما هو فلم يهتم. مد يديه بهدوء، وأحاط وجهها الشاحب بين كفيه بحنان شديد، ثم أجبرها برفق على النظر إليه. لم تكن في عينيه هيبة السيد... ولا برود النبيل... بل رجل يخشى أن يفقد المرأة الوحيدة التي أحبها. قال بصوت أجش، لكنه ثابت: — انظري إليّ يا ليان... نظرت إليه بصعوبة. فابتسم ابتسامة صغيرة، متعبة. وقال: — أتذكرين أول يوم دخلتِ فيه هذا القصر؟ منذ ذلك اليوم بدأت أراقبك دون أن أشعر. كنتِ تختلفين عن الجميع. لم أرك تركضين خلف المال...ولا النفوذ... ولا اسمي... حتى عندما كنتِ تغضبين مني... كنتِ تغضبين لأن كرامتك أهم عندك من كل ما أملكه. صمت لحظة. ثم قال بصوت أكثر انخفاضًا:— لهذا أحببتك.
مرّ يومان على وجود ليان في قصر آشبورن، كانت تعمل فيهما كترس لا يتوقف في المطابخ السفلية، حتى جاء صباح اليوم الثالث بحدث غير متوقع. أُصيبت الخادمة المسؤولة عن تنظيف المكتبة الكبرى بوعكة صحية شديدة، و لم تجد أمينة، رئيسة الخدم، خياراً سوى استدعاء ليان و تكليفها بالمهمة، مع تحذير صارم: "هذه مكتبة ال
اغلقت ليان باب الغرفة الصغيرة المخصصة لها في جناح الخدم، و استندت بظهرها إليه و هي تطلق زفيراً طويلاً لطالما حبسته في صدرها. الغرفة كانت بسيطة جداً؛ سرير خشبي صغير، و خزانة متواضعة، لكنها بالنسبة لليان كانت تبدو كالملجأ الأعظم كانت نظيفه و رائحتها جميله. الرائحة المنعشه التي تفوح من جميع اركان القص
في الجانب المظلم من مدينة "أوزبروك"، حيث تلتقي الأزقة الضيقة برائحة الخمر الرخيصة و العفن، انفتح باب السقيفة المتهالك بعنف للمرة الثانية في تلك الليلة. لكن هذه المرة، لم يكن جابر مراد هو المستيقظ، بل كان غارقاً في نومه الثقيل مدفوعاً بآخر قطرات الخمر التي تجرعها.اندفع "سالم" إلى الداخل كالإعصار، و
لأول مرة في حياتها، جلست ليان داخل عربة حقيقية.ليس عربة نقل مهترئة كتلك التي كانت تمر أحيانًا في حي المداخن، بل عربة فاخرة مبطنة بالمخمل الداكن، تتمايل بهدوء فوق الطريق الحجري المؤدي إلى التلال الشمالية.كانت تشعر بالتوتر من مجرد لمس المقاعد.المطر ما زال يهطل بالخارج، بينما ساد داخل العربة دفء لط







