LOGINتدخلت صفاء بسرعة فائقة عندما رأت شرود فارس، محاولة تدارك الموقف المتأزم وإنقاذه من أفكاره المتلاطمة: — دعنا لا نتحدث عن هذه الأمور الآن يا فارس. لكنه ظل ينظر إلى ديما بنظرات ثاقبة ومبهمة ، وكأنه يحاول قراءة ما بين سطور ملامحها. كان هناك شيء خفي في كلامها لم يعجبه أبداً، نبرة غريبة تركت في نفسه أثراً مزعجاً ، ولم يعرف السبب الحقيقي وراء هذا الشعور المريب الذي تغلغل في صدره فجأة. قالت صفاء بصوت مرتفع قليلاً محاولة جاهدة تغيير مجرى الحديث وكسر الصمت الثقيل: — ما رأيكما أن نتمشى قليلاً ؟ الجو اليوم لطيف ومنعش للغاية. وافق فارس بإيماءة خفيفة من رأسه هرباً من توتره، فنهضوا جميعاً وساروا ببطء بين أشجار الحديقة وظلالها الممتدة. تأبطت ديما ذراعه بثقة مفرطة ، وأخذت تمشي بجانبه بخطوات متزنة ، وهي ترفع رأسها بكل فخر وغرور ، وتلقي التحية بتكبر وتعالٍ واضحين على كل من يقابلها من أبناء وبنات النبلاء المتواجدين في أرجاء الحديقة. بدأت تتحدث دون توقف عن آخر أخبار العائلات النبيلة وعن تفاصيل الحفلات الفاخرة القادمة، لكن فارس كان غارقاً في شرود ذهني عميق،
دخلت السيدة صفاء إلى مكتب فارس في ذلك الصباح ، وكانت ملامحها تحمل رضا قالت وهي تتجه نحو المقعد المقابل لمكتبه: — لقد أسعدني قرارك بطرد ليان يا بني. ولو اني كنت أفضل أن تسلمها للشرطة ، لكنني أحترم أنك اخترت أن تنهي الأمر بنفسك. رفع فارس عينيه إليها، ثم عاد ينظر إلى الأوراق أمامه دون اهتمام. — إنها أم نوح في النهاية يا أمي. لا أرغب في أن أراها تتعرض للأذى. تغيرت ملامح صفاء للحظة، لكنها أخفت ضيقها بابتسامة صغيرة. — بالطبع، كما تشاء. جلست في هدوء، ثم قالت بعد لحظات: — هناك أمر آخر. ديما ما زالت تلح عليّ كي تراك وتطمئن عليك. رفع فارس رأسه ببطء.— ديما ؟ — نعم. لقد كانت قلقة عليك طوال الأشهر الماضية ، وأظن أن رؤيتها قد تكون مفيدة لك. صمت فارس قليلاً، ثم قال: —لا اعلم لا أتذكرها وهذا يجعل الأمر غريباً ستتحدث عن أشياء لا تعني لي شيئاً. ابتسمت صفاء بثقة. — لكنها تعرف حالتك، ولن تطلب منك أن تتذكرها بالقوة. ربما وجودها حولك يساعدك على استعادة شيء من الماضي. ظل فارس صامتاً للحظات، ثم تنهد. — حسناً. لنذهب. في اليوم التالي، كانت حديقة الشاي المطلة على نادي النبل
في اليوم التالي، توجه كرم بخطوات هادئة نحو المخزن حيث كانت ليان بانتظاره، وبدا الحرج واضحاً على ملامحه وهو ينظر إليها قائلاً:"— ليان... لقد وضعتُ حقائبكِ وأمتعتكِ بالكامل في العربة بالخارج.. هل أنتِ مستعدة للرحيل الان ؟" أجابته ليان بهدوء وثبات تام: "— نعم... أنا مستعدة لنذهب ." خرجت ليان ومشيت بجوار كرم عبر أروقة القصر الطويلة حتى وصلا إلى الحديقة الكبرى المؤدية للبوابة الرئيسية. التفت كرم نحوها، وقال بنبرة متهدجة تملأها الشفقة: "— لا تحزني يا ليان... أنتِ فتاة جيدة حقاً ، وتستحقين الأفضل ، وستجدين حتماً..." قبل أن يكمل كلماته ، رفعت ليان رأسها ببطء نحو الطابق العلوي للقصر ؛ حيث كانت النوافذ الزجاجية الكبرى لجناح المكتبة تلوح في الأفق. كان هناك... يقف في عتمة الظلال خلف الستائر ، يراقب رحيلها صامتاً من بعيد. لمحت ظله ، ارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة وصافية ، وقالت لكرم بيقين : "— لستُ حزينة يا كرم... لا تقلق بشأني أبداً ." مد كرم يده نحوها بظرف سميك ممتلئ بالنقد ، وقال بتردد: "— السيد فارس أمرني شخصياً أن أمنحكِ هذا المال فور خروجكِ ، لتستأج
قالت ليان بثبات — هذا قرارك يا سيد فارس، وليس قراري لقد اذعنت فقط له ظل فارس يحدق فيها منتظراً ثورة غضب أو مناورة أنثوية، لكن ثباتها كان كالصخرة قال محاولاً استعادة السيطرة: — سأؤمن لكِ مالاً وفيراً يكفيك لسنوات طويلة ، لن تضطري معه للعمل أو مد يد الحاجة لأحد. هزت رأسها بـ "لا" قاطعة: — لا حاجة لي بأموالك ، و لا أريد ثمناً لخروجي. قال بصرامة — لا تكوني عنيدة وتلقي بنفسك إلى التهلكة. اجابت بهدوء — لست عنيدة، أنا فقط لا أريد شيئاً سوى الاطمئنان بأن نوح سيكون بخير. زاد اضطرابه وتخبطت أنفاسه، فتقدم نحوها بخطوات سريعة وانتزع الطفل من بين ذراعيها تعلقت عيناها بنوح في نظرة وداع طويلة قبل أن تتركه تماماً. استدار فارس نحو الباب مقرراً الهروب منها و ربما من نفسه اكثر ،لكنه وسط ارتباكه الشديد وتضارب مشاعره داخله، لم يحتمل مغادرة الغرفة مستسلماً لهذا الهدوء. التفت إليها مجدداً ، وعيناه تشتعلان بغضب مفاجئ وغير مبرر ، وصاح بها : — لماذا وافقتِ على الرحيل بهذه السهولة والبساطة ؟ أخبريني بالحقيقة .. هل لديكِ حبيب ينتظركِ في الخارج، وترغبين بالهروب من هنا للار
ارتجفت شفتا ليان، وحدقت في فارس كأنها لم تستوعب بعد قسوة الكلمات التي قذفها في وجهها. همست بصوت مكسور تملأه الخيبة: — فارس... أنت لا تعرف الحقيقة قاطعها ببرود شديد، متدثراً بقسوة: — لا تحاولي استعطافي يا ليان. لقد سمعت من الحقائق ما يكفي الأيام الماضية، ولم يعد لدي أدنى استعداد لسماع المزيد من الأكاذيب الملتوية. أغمضت ليان عينيها لبرهة، كأنها تحتمي بالظلام من نيران كلماته التي أصابت عمق قلبها . لكنها عندما فتحتهما من جديد، تبدد الانكسار وحلت مكانه قوة هادئة. قالت بيقين راسخ: — مهما كبّلتني باتهاماتك، ومهما تملّكك الظن بأنني خذلتك يوماً... لن أندم على الوقت الذي قضيته في انتظارك ، ولن أتحسر على قلب ظل مخلصاً لعهدك. ظل فارس يحدق فيها بصمت ، كان من المفترض أن تثور غضباً ، وأن يرى في حديثها محاولة خبيثة للتلاعب به و اغوائه واستدرار عطفه، لكن شيئاً قابعاً في أعماق صدره انتفض رافضاً ذلك. تملكه إحساس غامض يجذبه نحوها بقوة لا يستطيع تفسيرها ، شيء يشبه الحنين الجارف لزمن مفقود شعر انه يرغب بها كل خليه في جسده تشتهيها يريد ان يعاقبها بط
تردد فارس للحظة، مستشعراً قوة ذلك الرابط الخفي، ثم مد الطفل إليها ببطء. تلقفته ليان بسرعة البرق، وضمت جسده الضئيل إلى صدرها الخافق بجنون، كأنها تسترد قطعة مبعثرة من روحها . انهالت قبلاتها المنهمرة كالغيوم الماطرة على جبينه الصغير ووجنتيه ويديه الصغيره، وكانت تضحك بنشيج مرير ودموعها تغسل وجه الصغير: — نوح... صغيري الغالي... كان الطفل يعبث بأصابعه الصغيرة في خصلات شعرها المبعثر ويقبض على ثوبها المتسخ بقوة ، كأنه يخشى أن ترحل عنه مجدداً، بينما كانت هي تستنشق رائحته بعمق وشغف، كأنها لم تتنفس نسيماً حقيقياً منذ أشهر طويلة. همست وعبراتها تنحدر بغزارة: — اشتقت إليك يا قطعة من روحي ... اشتقت إليك حتى ظننت أن نياط قلبي ستتقطع، وأنني سأموت حتماً من فرط الاشتياق. ظل فارس واجماً في موضعه، يراقب خلجاتها بحس مشتت. كان المشهد الماثل أمام عينيه يحمل صدقاً عارياً أربك حساباته ؛ لم يكن ثمة مجال هنا للتصنع أو التمثيل ، ولا ذرة من محاولات استغلال الطفل. كانت مجرد امرأة تلتقي بطفلها بعد حرمان ، وطفل صغير يرتد إلى حضن الأمان الذي يعرفه ويألفه. التفت
كان المساء قد بدأ يفرض ظلاله على قصر الكيلاني عندما دخل كرم إلى مكتب فارس... وقف أمام المكتب باحترام لم ينطق بكلمه حتي يأذن له طوال سنوات عمله الطويله مع السيد فارس الكيلاني كان دائما الخادم الامين كان فارس الكيلاني يجلس خلف طاولة العمل الضخمة بهيبته المعهوده فالرجل يفرض حضوره في اي مكان و يجعل اي
مرّ يومان على وجود ليان في قصر آشبورن، كانت تعمل فيهما كترس لا يتوقف في المطابخ السفلية، حتى جاء صباح اليوم الثالث بحدث غير متوقع. أُصيبت الخادمة المسؤولة عن تنظيف المكتبة الكبرى بوعكة صحية شديدة، و لم تجد أمينة، رئيسة الخدم، خياراً سوى استدعاء ليان و تكليفها بالمهمة، مع تحذير صارم: "هذه مكتبة ال
اغلقت ليان باب الغرفة الصغيرة المخصصة لها في جناح الخدم، و استندت بظهرها إليه و هي تطلق زفيراً طويلاً لطالما حبسته في صدرها. الغرفة كانت بسيطة جداً؛ سرير خشبي صغير، و خزانة متواضعة، لكنها بالنسبة لليان كانت تبدو كالملجأ الأعظم كانت نظيفه و رائحتها جميله. الرائحة المنعشه التي تفوح من جميع اركان القص
في الجانب المظلم من مدينة "أوزبروك"، حيث تلتقي الأزقة الضيقة برائحة الخمر الرخيصة و العفن، انفتح باب السقيفة المتهالك بعنف للمرة الثانية في تلك الليلة. لكن هذه المرة، لم يكن جابر مراد هو المستيقظ، بل كان غارقاً في نومه الثقيل مدفوعاً بآخر قطرات الخمر التي تجرعها.اندفع "سالم" إلى الداخل كالإعصار، و







